قمة بلا توافق، كيف عكست دمشق 2008 أزمة النظام العربي؟
في مارس 2008، انعقدت القمة العربية في دمشق وسط أجواء بدت بعيدة عن الطابع التقليدي للاجتماعات العربية؛ قاعة مكتملة شكليًا، لكنها منقوصة سياسيًا. غابت وجوه، وانخفضت مستويات التمثيل، فيما اختارت لبنان المقاطعة بالكامل. هنا يفرض السؤال نفسه: لماذا تحولت قمة يفترض أن توحّد الصف العربي إلى ساحة تعكس حجم الانقسام؟
خلفية المشهد، أزمة لبنانية وانقسام إقليمي
جاءت القمة في توقيت بالغ الحساسية، على خلفية أزمة سياسية حادة في لبنان، حيث ظل منصب الرئاسة شاغرًا منذ نهاية ولاية إميل لحود في 2007.
والانقسام الداخلي بين قوى 14 مارس و8 مارس لم يكن معزولًا، بل ارتبط بصراع نفوذ إقليمي بين أطراف عربية رئيسية، في مقدمتها سوريا والسعودية، ما انعكس مباشرة على أجواء القمة.
تخفيض التمثيل.. رسائل سياسية مباشرة
قبل انعقاد القمة، أعلنت 9 دول عربية خفض مستوى تمثيلها، في خطوة فُسّرت على نطاق واسع باعتبارها رسالة اعتراض على الدور السوري في الملف اللبناني. بعض الدول اكتفت بإرسال وزراء أو ممثلين، بدلًا من القادة، وهو ما أضعف الوزن السياسي للاجتماع، رغم اكتماله من الناحية الشكلية.
المقاطعة اللبنانية.. ذروة التوتر
الخطوة الأبرز جاءت من لبنان، الذي قرر مقاطعة القمة، في سابقة عكست عمق الأزمة. القرار ارتبط بعدم التوافق على انتخاب رئيس جديد، واتهامات متبادلة بشأن تعطيل الاستحقاق والمقاطعة لم تكن مجرد موقف دبلوماسي، بل مؤشر على انسداد سياسي داخلي امتد تأثيره إلى الإطار العربي الأوسع.
ورغم انعقاد القمة ومناقشة عدد من القضايا، من بينها مبادرة السلام العربية وتطورات الوضع في العراق، فإن الانقسام انعكس على مخرجاتها وتقارير إعلامية عربية ودولية آنذاك أشارت إلى أن غياب التوافق السياسي قلّص من فرص اتخاذ قرارات حاسمة، وحوّل القمة إلى ساحة لإدارة الخلاف بدلًا من حسمه.
ما بعد القمة.. انفراج لاحق بشروط مختلفة
بعد أسابيع من القمة، شهد الملف اللبناني تطورًا لافتًا بتوقيع اتفاق الدوحة 2008، الذي مهّد لانتخاب ميشال سليمان رئيسًا للجمهورية، وإنهاء حالة الفراغ. هذا التطور أظهر أن معالجة الأزمة جاءت خارج إطار القمة، عبر مسار تفاوضي مختلف، ما أعاد طرح تساؤلات حول فاعلية العمل العربي المشترك في تلك المرحلة.
هكذا، لم تكن قمة دمشق 2008 مجرد اجتماع دوري، بل محطة كشفت بوضوح حجم التباينات داخل النظام العربي، وحدود قدرته على احتواء أزمات أعضائه، في لحظة كانت المنطقة فيها تعيد رسم توازناتها السياسية.