فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

حكاية دموع صديقي الموظف السابق بالحكومة

الكاتب طه البنا،
الكاتب طه البنا، فيتو

كنت قبل أيام قليلة من نهاية شهر رمضان في جلسة سمر مع صديقي موظف الحكومة الذي أحيل الي المعاش منذ أكثر من 4 سنوات، فأنا وهو من جيل ستينيات القرن الماضي، المهم أن صديقي ظل يقلب في ذكريات الماضي، منذ أن كنا في المرحلة الابتدائية حتي وصلنا إلي أيامنا الحالية، وكنت أظن أنها مجرد دردشة لذكريات مرت، لكن فوجئت بدموع صديقي تنهمر علي غير رضا منه.

 

فسألته: ماذا بك يارفيق الدرب، لم أرك تبكي أبدا، وكنت دائما صاحب القلب الذي لا يبكيه موقف ولا ببالي بنوائب الدهر، وكنت لكل مجموعتنا الرجل القوي الحكيم، صاحب القلب الطيب الرقيق، وصاحب العقل الراجح، وكانت دموعك دائما متحجرة حتي في أحلك المواقف، ما لها تنهمر بسهولة، أم أنها تفرغ مخزون الماضي؟

أجابني صديقي بكلمات مكسورة: إنه بعد أن أحيل إلي التقاعد يعامل -مع أقرانه من أصحاب المعاشات- كأنهم عالة علي مجتمع لا يعترف إلا بالشباب، وتابع صديقي وحمرة الخجل تعلو وجنتيه: ألا تتذكر يوم أن عينت معلما وكان راتبي يومها 48 جنيها، كان هذا المبلغ إذا ترجم ذهبا يعني 3 جرامات ونصف الجرام، وكان هذا المبلغ يكفي أسرة مكونة من ثلاثة أفراد.. 

 

الآن يا صديقي أصبح المعاش 2800 جنيه، إذا ترجمتها ذهبا كما قلنا علي المرتب الأول ستجد أنها لا تكمل 400 مليجرام، وأصبحت أنا وزوجتي مسنين، ولدينا من الأبناء 4، أنهوا دراستهم الجامعية بتفوق، ومع ذلك مازالوا عاطلين عن العمل.. 

ومطلوب من معاشي الذي لا يشتري نصف جرام ذهب أن يكفي طعاما وشرابا وكهرباء وغاز وتليفون وإنترنت ودواء لزوجين في سن الشيخوخة، وأبناء عاطلين بسبب عدم وجود فرصة عمل لخريجي كليات القمة، بعد أن ألغت الدولة تكليفات الأطباء وغيرهم من خريجي كليات كانت في السابق حلما للجميع.

 

ألا تري يا صديقي أن أصحاب المعاشات والموظفين في هذه الأيام هم من يستحقون الصدقات، ثم يخرج علينا وزير ليقول إن الحد الأدني للأجور في مصر قيمته الشرائية أعلي من فرنسا، وليكن يا سيدي تعال قارن رعاية المواطن المصري المسن برعاية المواطن الفرنسي للمسن، مصيبتنا تكمن في أصحاب مثل هذه التصريحات، مصيبتنا الأكبر في حكومة تتبرأ ممن خدموها 40 عاما، وبحكم الزمن أحيلوا للتقاعد، رغم أنهم كانوا يسددون الضرائب والتأمينات المستحقة طوال فترة عملهم.

 

أخيرا يا صديقي ألا تري أن دموعي من حقها أن تنهمر علي عمر ضاع في وظيفة كنت أظنها رسالة قبل أن تكون مهنة، ورأتها الحكومة نهاية لحصان أنهكه الزمن وليس له إلا رصاصة الرحمة؟