أزمة الرسوم القضائية، لماذا يطلب نواب المصري الديمقراطي تفسيرًا رسميًا من الحكومة؟
في تحرك برلماني جديد يفتح ملف الرسوم القضائية المتصاعدة، تقدم النائب بسام الصواف، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، بطلب إحاطة موجه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير العدل، محذرًا من تداعيات الزيادات الأخيرة في الرسوم والمقابل المالي للخدمات القضائية، وما تفرضه من أعباء مباشرة على حق المواطن الدستوري في التقاضي، باعتباره أحد ركائز سيادة القانون وضمانة أساسية للعدالة.
جدل قانوني حول زيادة الرسوم القضائية
يأتي الطلب المقدم إلى المستشار هشام بدوي رئيس مجلس النواب، في ظل حالة جدل قانوني متزايد تشهدها المحاكم خلال الأشهر الماضية، بعد صدور قرارات تنظيمية عن جهات إدارة المحاكم تضمنت استحداث رسوم جديدة ورفع المقابل المالي القائم بالفعل على عدد كبير من الخدمات القضائية، دون صدور تشريع برلماني مباشر ينظم تلك الزيادات أو يحدد إطارها القانوني.
وأشار النائب في طلب الإحاطة إلى أن القرارات الصادرة خلال شهر مارس 2025 شملت نحو 33 خدمة قضائية أساسية مرتبطة بإجراءات التقاضي، من بينها تسجيل الدعاوى، واستخراج صور الأحكام، وشهادات الجدول، ومراجعة ملفات القضايا، ونسخ الحوافظ، وإجراءات الإعلان والتنفيذ، إلى جانب الخدمات المميكنة المرتبطة بسير الخصومة القضائية، لافتًا إلى أن بعض هذه الرسوم شهد زيادات تراوحت بين 200% و500% مقارنة بالقيم السابقة.
وأوضح الطلب أن تلك الزيادات لم تقتصر على تعديل محدود في المقابل المالي، بل تضمنت فرض رسوم جديدة لم تكن مقررة من قبل، ما أدى عمليًا إلى ارتفاع تكلفة التقاضي بصورة غير مسبوقة، خاصة بالنسبة للقضايا ذات الطابع اليومي التي يلجأ إليها المواطنون للحصول على حقوق أساسية.
ورصد طلب الإحاطة أمثلة عملية على أثر هذه الزيادات، حيث أشار إلى أن تكلفة بدء الخصومة في الدعاوى المدنية البسيطة، والتي كانت تتراوح سابقًا بين 50 و100 جنيه، ارتفعت بعد إضافة رسوم الميكنة والمراجعة ونسخ الحوافظ وشهادات الجدول لتتراوح حاليًا بين 350 و600 جنيه، قبل نظر أول جلسة.
وفي دعاوى الأسرة، مثل دعاوى النفقة أو الرؤية أو ضم الصغير، بيّن الطلب أن الرسوم الإجمالية التي كانت في حدود 100 إلى 150 جنيهًا، ارتفعت لتصل إلى ما بين 400 و700 جنيه لرفع الدعوى فقط، فضلًا عن رسوم لاحقة لاستخراج صور الأحكام وشهادات التنفيذ، بما يجعل التكلفة الإجمالية في بعض الحالات تتجاوز ألف جنيه للدعوى الواحدة.
كما أشار إلى أن مرحلة تنفيذ الأحكام شهدت هي الأخرى ارتفاعًا ملحوظًا في التكلفة، إذ ارتفع مقابل استخراج الصورة التنفيذية للحكم من متوسط 20 إلى 30 جنيهًا، ليقترب حاليًا من 150 إلى 200 جنيه، بخلاف رسوم الإعلان والتنفيذ التي قد تصل في مجموعها إلى ما بين 300 و500 جنيه إضافية.
ولفت الطلب إلى أن هذه الزيادات تمثل عبئًا مضاعفًا في القضايا العمالية وقضايا التعويضات البسيطة، حيث تصبح تكلفة الرسوم والإجراءات نسبة معتبرة من قيمة الحق محل النزاع ذاته، بما يفرغ حق التقاضي من مضمونه العملي ويحد من قدرة المواطنين على اللجوء للقضاء.
وسلط طلب الإحاطة الضوء على الممارسات التطبيقية داخل بعض المحاكم، والتي كشفت عن ارتفاع غير مسبوق في تكلفة استخراج المستندات القضائية وتصوير أوراق القضايا، إذ تم تحديد مقابل تصوير الورقة الأولى من الصورة الرسمية في القضايا الجنائية بنحو 40 جنيهًا، والورقة الثانية وما بعدها بـ35 جنيهًا للورقة الواحدة، ما يجعل تصوير ملف جنائي ضخم يتجاوز حجمه ألف ورقة تكلفة قد تصل إلى عشرات الآلاف من الجنيهات.
وفي السياق ذاته، تناول الطلب المنشورات الإدارية الصادرة مؤخرًا عن الأمانة العامة لمجلس الدولة، وعلى رأسها المنشور رقم (4) لسنة 2026 تنفيذًا لقرار رئيس مجلس الدولة رقم (858) لسنة 2025، والذي ألزم باستخدام الورق المؤمن في إصدار الصور التنفيذية والرسمية للأحكام، وقصر الاطلاع على الملفات القضائية عبر وحدات الوثائق المؤمنة فقط، إضافة إلى المنشور رقم (5) لسنة 2026 الذي ربط استخراج الصيغ التنفيذية بإجراءات إضافية.
التقاضي، أعباء مالية تثقل كاهل المواطن
وأوضح النائب أن هذه القرارات، رغم ما تهدف إليه من تأمين المستندات الرسمية، انعكست عمليًا في صورة أعباء مالية وإجرائية إضافية يتحملها المتقاضون، دون بيان واضح للأساس القانوني أو المالي الذي استندت إليه، أو دراسة مسبقة لتأثيرها الاجتماعي والاقتصادي.
وأكد طلب الإحاطة أن المواطن قد يتحمل في الدعوى الواحدة، من بدايتها وحتى تنفيذ الحكم، ما بين ألف إلى ألفي جنيه كرسوم وإجراءات فقط، دون احتساب أتعاب المحاماة أو تكاليف الانتقال، ما يثير مخاوف من أن تصبح العدالة مرتبطة بالقدرة المالية، لا بالحق القانوني.
وأشار الطلب إلى أن هذه التطورات أثارت تساؤلات دستورية وقانونية، في ظل القاعدة المستقرة التي تقضي بأن فرض الرسوم العامة أو زيادتها لا يكون إلا بقانون صادر عن السلطة التشريعية، خاصة مع نص المادة (97) من الدستور التي تقرر أن التقاضي حق مصون ومكفول للكافة، وتلزم الدولة بتقريب جهات التقاضي وعدم اتخاذ إجراءات من شأنها تقييد هذا الحق.
وطالب النائب الحكومة بتوضيح السند الدستوري والقانوني الذي استندت إليه قرارات زيادة واستحداث الرسوم القضائية، وبيان ما إذا كانت تعتزم تقديم مشروع قانون متكامل لتنظيم الرسوم القضائية يعرض على مجلس النواب، إلى جانب الإفادة بخطة التعامل مع الآثار الاجتماعية والاقتصادية المترتبة على ارتفاع تكلفة التقاضي، مع النظر في وقف العمل بالزيادات محل الجدل لحين عرض الأمر على السلطة التشريعية المختصة.