فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

حديث الجمعة

الدين يسر فلا إفراط ولا تفريط

لقد اعتدنا في مجتمعاتنا العربية أن نُصوِّر صاحب اللحية ذلك الرجل المعمم صاحب اللحية حامل المسبحة والمسواك والذي تبدو عليه التُّقى والورع، ولسانه يسبِّح ويذكر الله في كل مكان تجده فيه؛ نُصوِّره على أنه هو رجل الدين الحامل الوحيد لراية الدين، ففي كل مكان مرحب به ويقابل بهذا الترحاب أهلا يا عم الشيخ، والشيخ فلان راح والشيخ فلان جاء وبركاتك يا عم الشيخ.. 

ظل هذا النموذج كيانا ثابتا في الثقافة العربية خاصة لدينا نحن في مجتمعنا المصري من مئات السنين، حتى أصبح الوسيط بين العباد والسماء بعد أن تعددت الطرق والمذاهب والنوايا والمقاصد..

ومن هنا نشأت الجماعات المختلفة، وكل منها يحمل أفكارا مختلفة وأهدافا مختلفة، فأصبح المجتمع أيضا مختلف، منهم من اتبع هذا المذهب أو ذاك المذهب، هذه الطريقة أو تلك الطريقة، هذا الفكر أو ذاك الفكر، حتى أصبح الدين الواحد والعقيدة الواحدة تدار بأكثر من أداة وبأكثر من آلية ورأي ورواية، ويحدد أبعادها وتاريخها أكثر من منظور ونظرية، وتحت أكثر من فرقة ضالة ومضلة، وأكثر من فرقة ناجية تدعي لنفسها الصواب والصلاح!

وما بين الإفراط في التمسك بالتراث والتفريط في أصول وجوهر العقيدة؛ أصبح الغالبية العظمي في حيرة من أمر دينهم ومن أمر من يفتونهم في دينهم.

وفي إطار جدلية العقل والنقل وما بين تحكيم النص وتحكيم عقل الواقع ؛ اختلفت الآراء وتعددت التأويلات والتفسيرات، حتى إنه لا يكاد يمر اسبوع ويخرج علينا شخصٌ بفتوى يقول إنها شرعية، ليرد عليه آخر بتفنيد فتواه متهما إياه بالرجعية والتخلف، والعكس أيضا وارد! فعن أحكام التكفير والخروج عن الملة والشذوذ الفكري والديني وأحكام الزندقة حدِّث ولا حرج..

فهل هذا هو الدين الذي أنزله الله على رسله لهداية العباد؟! ومتى كان الدين حكرا على أحد أو جماعة أو تيار أو مذهب أو مؤسسة؟! ومتى كان فئة من الناس نوابا عن السماء للتحكم في خلق الله!

ألم يقل الله تعالى لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-:{لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} وقوله تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا}.. وقوله تعالى:{وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ.. وقوله تعالى:{قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ}.. وقوله تعالى:{لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ}، وقوله تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ}. 

كل ذلك وأكثر مما يؤكد أن علاقة الإنسان بربه مباشرة فكل إنسان ألزمه الله بطائره في عنقه أي عمله وقوله في مسئوليته الخاصة يحاسبه الله عليه فقط ولا يحاسب أحدٌ عن أحد، ولا تزر وازرة وزر أخرى.

العبادة في الإسلام علاقة مباشرة وخاصة بين العبد وربه، قائمة على التوحيد والإخلاص دون وساطة بشرية في قبول الأعمال أو الغفران، فالإيمان فردي والنية محلها القلب، فلا وساطة بين العبد وربه ولا وصاية فالحلال بيِّن والحرام بيِّن والدين يسر فلا إفراط ولا تفريط، والله يهدي من يشاء حين يشاء.

وصدق الله العظيم حين قال تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ  وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا  وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} (آل عمران: 144) فما أكثر من انقلب على عقبيه قديما وحديثا. حفظنا الله منهم جميعا وحفظ  دينه اليسير وقرآنه الميسَّر.
nasserkhkh69@yahoo.com