ما حكم الاستفادة من ملفات نصية لكتب خاصة دون إذن أصحابها؟ المفتي يجيب
رد مفتي الجمهورية الدكتور نظير محمد عياد، على استفسار سائل يقول: “ما حكم الاستفادة من ملفات نصية لكتب خاصة؟ حيث يقول سائل: شخص لديه دار نشر كبرى، ويأتي إليها بعض المؤلفين ويطلبون مساعدتها في عمل تنسيق وإخراج لكتبهم ونشرها، وبعد نشر تلك الكتب يكون لديها مصدر لهذه الكتب على هيئة ملفات نصية (word)، فما حكم استفادة دار النشر منها في أمور خاصة بها؟".
التكييف الشرعي للاستعانة بالمراكز البحثية
وقال مفتي الجمهورية إن تعاظم دور المراكز البحثيَّة ودور النشر في ميدان إخراج الكتب والمؤلفات في عصرنا؛ نظرًا للتقدم التقني الكبير في مجال الطباعة والإخراج، وباتت الاستعانة بخدماتهم العلميَّة والفنيَّة في إعداد الكتب وإخراجها أمرًا لابد منه، وتتمثل هذه الخدمات في نسخ النصوص وتحويلها من الكتابة الورقيَّة إلى الكتابة الرقميَّة ثمَّ تنسيقها وضبطها بما يلائم معايير الإخراج الفنيَّة للطباعة وأعمال النشر والتوزيع.

وهذه الاستعانة من قبيل الإجارة على عمل، كإجارة الناسخ لنسخ الكتب، فالإجارة: عقد على منفعة مقصودة معلومة قابلة للبذل والإباحة بعوض معلوم، وهي إمَّا ترد على منفعة مرتبطة بعين، كإجارة العقار للسكنى، وإمَّا ترد على ذمة إنسان بأن يلزمه عملًا، كخياطة أو بناء أو نسخ وتنسيق وطباعة ونشر وتوزيع لكتاب.
حكم الإجارة
وأوضح المفتي أن الإجارة مشروعة، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6]، ووجه الدلالة من الآية: أنَّ الإرضاع بلا عقد تبرع لا يوجب أجرة، وإنَّما يوجبها ظاهر العقد، فتعيّن.
وما ورد في "الصحيحين": «أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم احتجم وأعطى الحجام أجرته». وخبر البخاري: «أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم والصديق رضي الله عنه استأجرا رجلًا من بني الديل يقال له: عبد الله بن الأريقط». ينظر: "مغني المحتاج" للعلَّامة الخطيب الشربيني (3/ 438، وما بعدها، ط. دار الكتب العلمية).
هل ما ينتجه العقل من مؤلفات يُعدّ من الأموال الخاصة؟
وأكد عياد أن إنتاج العقول من الكتب والمؤلفات والمصنفات مالٌ يُتَمَوَّل في العادة، ويجوز أخذ العوض عنه، فهو ملك لأصحابه يختصون بالاستبداد به والتصرف فيه، فالمال عند المالكيَّة: هو ما يُتَمَوَّل في العادة، ويجوز أخذ العوض عنه. ينظر: "الإشراف على نكت مسائل الخلاف" للقاضي عبد الوهَّاب البغدادي المالكي (2/ 947، ط. المكتبة التجارية).
وعند الشافعيَّة: هو ما كان منتفعًا به، أي: مستعدًّا لأن ينتفع به، وهو إمَّا أعيان أو منافع. ينظر: "المنثور في القواعد الفقهية" للإمام الزركشي (3/ 222، ط. وزارة الأوقاف الكويتية).
وعند الحنابلة: هو ما يباح نفعه مطلقًا، واقتناؤه بلا حاجة. فدخل في التعريف كل ما ينتفع به، عينًا كان أو منفعة. ينظر: "حاشية الخلوتي على منتهى الإرادات" (2/ 555، ط. دار النوادر).
وأطلق الحنفيَّة المال على الأعيان التي لها مادة وجِرم فقط؛ كالدار، لا المنافع التي هي الفوائد التي تتحصل منها؛ كسكناها، قال العلَّامة البابرتي الحنفي في "العناية شرح الهداية" (2/ 208، ط. دار الفكر)، في تعريف المال: [هو كل ما يتملكه الناس من دراهم أو دنانير أو حنطة أو شعير أو حيوان أو ثياب أو غير ذلك] اهـ.

حكم استفادة دار النشر بالمصادر الخاصة الموجودة على أجهزتها
قد أمر الشرع الشريف بحفظ أموال الناس، وجعله مقصدًا من مقاصده الضروريَّة الكبرى، قال الإمام الغزالي في "المستصفى" (174، ط. دار الكتب العلمية): [مقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم.. وهذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضرورات، فهي أقوى المراتب في المصالح] اهـ.
وقد تجاوز حفظ المال في عصرنا من حماية الخزائن والعقارات إلى حماية العقول والمؤلفات، فكما حَرَّم الشرع الشريف سرقة المتاع، حَرَّم سرقة الإبداع، باعتباره من المنافع والأموال التي يمتلكها الإنسان ويختص بمباشرة التصرف فيها دون غيره.
فالمِلْك: معنى مقدر في المحل يعتمد المُكنة من التصرف على وجه ينفي التبعة والغرامة، كما في "المنثور في القواعد الفقهيَّة" للإمام الزركشي الشافعي (3/ 223)، و"لسان العرب" لابن منظور (6/ 4267، ط. المعارف).
وقد عدَّ الفقهاء الاعتداء على المؤلفات والمصنفات من السرقة، فذكر الشيخ ابن القيم في "إعلام الموقعين" (5/ 299، ط. دار ابن الجوزي) السُّرَّاق، وعدَّ منهم: [السُّرَّاق بأقلامهم] اهـ.
وقسَّم الحافظ جلال الدين السيوطي في "البارق في قطع يد السارق" (ص: 57، ط. دائرة الشؤون الإسلامية- دبي) سُرَّاق العلم إلى ثلاثة: سراق الحديث، وسراق التصانيف، وسراق الشعر، وجعل الصنف الثاني "سُراق التصانيف"، فقال: [الثاني: سراق التصانيف، وهم مذمومون أيضًا، وما زالت العلماء ينبهون عليهم في تصانيفهم، ويذكرون أن ذلك من أسباب عدم الانتفاع بذلك المصنَّف المسروق] اهـ.
وجريًا على هذه المعاني فإنَّ حقوق الملكيَّة الفكريَّة والتأليف والتصنيف في العصر الحديث يتم تسجيلها وقيدها وإيداعها ومنحها وثائق الحماية بموجب التشريعات القانونيَّة، بل خُصصت لهذا الغرض أجهزة ومحاكم مختصة.
وقد تناول المشرع المصري أحكام المؤلف والمصنفات، ونص على حمايتها في قانون حماية حقوق الملكيَّة الفكريَّة، رقم: (82) لسنة 2002م، وتعديلاته اللاحقة، في الكتاب الثالث: حقوق المؤلف والحقوق المجاورة، وذلك من خلال المواد التالية:
المادة (138): عرفت المؤلف بأنَّه: [الشخص الذي يبتكر المصنف، ويعد مؤلفًا للمصنف من يذكر اسمه عليه أو ينسب إليه عند نشره باعتباره مؤلفًا له، ما لم يقم الدليل على غير ذلك] اهـ.
والمادة (140): تنص على حماية المصنفات المبتكرة في الآداب والفنون والعلوم ومنها ما يلي: [تتمتع بحماية هذا القانون حقوق المؤلفين على مصنفاتهم الأدبيَّة والفنيَّة، وبوجه خاص المصنفات الآتية:
1- الكتب، والكتيبات، والمقالات والنشرات، وغيرها من المصنفات المكتوبة.
2- برامج الحاسب الآلي.
3- قواعد البيانات سواءٌ كانت مقروءة من الحاسب الآلي أو من غيره.
4- المحاضرات، والخطب، والمواعظ، وأية مصنفات شفويَّة أخرى إذا كانت مسجلة] اهـ.
والمادة (143): [يتمتع المؤلف وخلفه العام من بعده بحقوق أدبيَّة أبديَّة غير قابلة للتنازل عنها أو التقادم، وتشمل حق تقرير نشر المصنف، وحق نسبته إليه، وحق منع تعديل المصنف تعديلًا يعتبره المؤلف تشويهًا أو تحريفًا له] اهـ.
والمادة (147): تمنح المؤلف حقًّا استئثاريًّا في استغلال مصنفه ماليًّا بأي وجه من الوجوه، وكذلك خلفه العام من بعده كما تمنح المؤلف وخلفه من بعده الحق في تتبع أعمال التصرف في النسخة الأصلية لمصنفه، وغير ذلك من الحقوق.
كما جاءت المادة (160): بأنَّ هذه الحمايةَ ساريةٌ طول حياة المؤلِّف، إضافةً إلى خمسين سَنَةً بعد وفاته، فنصت على: [تُحْمَى الحقوقُ المالية للمؤلِّف المنصوص عليها في هذا القانون مدةَ حياته ولمدة خمسين سَنَةً تبدأ مِن تاريخ وفاة المؤلف] اهـ.
كما اشترط المشرع المصري في عملية نشر المقتطفات أو الاقتباس ألا يكون المؤلف قد حظر ذلك عند النشر، مع الإشارة إلى المصدر الذي نقلت عنه وإلى اسم المؤلف وعنوان المصنف، كما نصت عليه المادة (171- بند: أولًا) من القانون المذكور.
ومِن ثَمَّ وجب على المتصرِّف في أي إنتاج علمي أو معرفي قد حاز على حقوق الملكيَّة الفكريَّة بالطريق القانوني المتبع في هذا الشأن الاستئذان لهذا التصرف من صاحبه، فإن أَذِنَ بذلك جاز التصرُّف ولا إثم عليه حينئذٍ ولا حرج، وإلا فهو تَعَدٍّ على ملكيَّة الغير، وتضييعٌ لجهدهم، وإلحاقٌ للضرر بهم؛ لِمَا يقومون به مِن بذل الفكر والمال والوقت وغير ذلك في تأليف هذه الكتب، وطبعها ونشرها، وقد نَهَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عن أَكْل أموال الناس بالباطل، فقال جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 188].
و"يَدخل في هذا: القمارُ، والخِدَاعُ، والغُصُوبُ، وجَحْدُ الحقوق، وما لا تَطِيب به نَفْسُ مالِكِه، أو حرَّمته الشريعةُ وإن طابَت به نَفْس مالِكِه"، كما قال الإمام شمسُ الدين أبو عبد الله القُرْطُبِي في "الجامع لأحكام القرآن" (2/ 338، ط. دار الكتب المصرية).
وقال أيضًا (2/ 340): [اتفق أهل السُّنَّة على أنَّ مَن أخذ ما وَقَعَ عليه اسمُ مالٍ، قَلَّ أو كَثُر، أنَّه يفسق بذلك، وأنه مُحَرَّمٌ عليه أخذُه] اهـ.
وعن أبي بَكْرَةَ نُفَيْعِ بن الحارث رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ» أخرجه الشيخان.

وهذه الحقوق هي حقوق متعلقة بالآدميين فلا يمكن التسامح فيها إلا مِن قِبل أهلها، وقد تقرر أنَّ حقوق العباد مَبْنِيَّةٌ على المُشَاحَّة والمطالَبَة، ومِن ثَمَّ فلا تَسقط إلا بالتنازل أو الاستيفاء، كما في "الحاوي الكبير" للإمام المَاوَرْدِي (12/ 195، ط. دار الكتب العلمية)، و"قرة عين الأخيار لتكملة رد المحتار" للشيخ علاء الدين ابن عَابِدِين (8/ 53، ط. دار الفكر).
حكم الاستفادة من ملفات نصية لكتب خاصة دون إذن أصحابها
وأوضح مفتي الجمهورية أنه بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال، فاستفادة دار النشر بالمصادر الموجودة على أجهزتها للمؤلفات والمصنفات والكتب المراد تنسيقها وإخراجها دون إذن من أصحابها -أمر محرم شرعًا ومجرم قانونًا؛ لما فيه من الاعتداء على حقوقهم، وأكل أموالهم بغير وجه حق.