فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

ذكرى رحيل مصطفى الثالث، السلطان الذي حاول تحديث الدولة العثمانية قبل فوات الأوان

السلطان مصطفى الثالث،
السلطان مصطفى الثالث، فيتو

في مثل هذا اليوم من عام 1774، أُسدل الستار على واحدة من أكثر فترات الحكم العثماني قلقًا ومحاولاتٍ للإصلاح، بوفاة السلطان مصطقى الثالث الذي حكم الدولة العثمانية في لحظة تاريخية كانت فيها الإمبراطورية تواجه سؤال البقاء أمام صعود قوى أوروبية جديدة، وفي مقدمتها روسيا.

ولم يأتِ مصطفى الثالث إلى الحكم بوصفه سلطانًا اعتياديًا، بل كحاكم يدرك أن الدولة لم تعد تحتمل إدارة تقليدية أو جيشًا متراخيًا. 

كيف تولى مصطفى الثالث العرش ؟ 

وتولى العرش وهو في الثانية والأربعين من عمره، بعد وفاة ابن عمه السلطان عثمان الثالث، حاملًا إرثًا ثقيلًا من الهزائم العسكرية والاختلال الإداري وتراجع الهيبة العثمانية في أوروبا الشرقية.

ومنذ سنوات حكمه الأولى، بدا واضحًا أن الخطر الروسي لم يعد تهديدًا حدوديًا، بل مشروع تمدد استراتيجي يهدد قلب الدولة. ولهذا اختار مصطفى الثالث أن يبدأ من نقطة طالما اعتبرت مكمن الضعف: الجيش. فدعم تعيين الوزير راغب باشا صدرًا أعظم، وهو رجل عُرف بسعة اطلاعه ووعيه بالتحديات الدولية، ليشكّل معه ثنائيًّا سياسيًّا يرى أن الإصلاح لم يعد ترفًا بل ضرورة وجودية.

سعى الرجلان إلى إعادة بناء القوة العسكرية عبر الاستفادة من الخبرات الأوروبية، فعُقدت اتفاقية عسكرية مع بروسيا تحسبًا لأي صدام واسع مع روسيا أو النمسا، وترافق ذلك مع محاولة تحديث المدفعية والأسطول البحري. 

وفي السياق ذاته، استقدم السلطان البارون المجري دي توت، الذي أشرف على تحصين مضيقي الدردنيل والبوسفور، وبناء قلاع حديثة مزودة بمدافع ثقيلة لقطع الطريق أمام أي تهديد بحري مباشر لإسطنبول.

ولم تقتصر الإصلاحات على الجانب العسكري فقط، إذ شهدت العاصمة العثمانية تأسيس ورش لصب المدافع، وتنظيم فرق المدفعية وفق النظم الحديثة، وإنشاء مدارس عسكرية متخصصة لتخريج ضباط البحرية وأركان الحرب. 

وخرجت من هذه المدارس أول دفعة من ضباط البحرية الذين تمكنوا بالفعل من تحقيق نصر لافت على الأسطول الروسي أثناء حصاره جزيرة لمنوس، في واحدة من اللحظات القليلة التي استعادت فيها البحرية العثمانية ثقتها بنفسها.

ومن رحم هذه التجربة التعليمية، وُلدت نواة مؤسسة تعليمية عسكرية تحولت لاحقًا إلى التي ما زالت قائمة حتى اليوم بعد أن تطورت إلى جامعة مدنية، وتُعد من أبرز الصروح الهندسية في الشرق الأوسط.

على الصعيد الداخلي، حاول مصطفى الثالث تخفيف الأعباء الاقتصادية عن الولايات، فدعم مشروعات لتوسيع التجارة البرية والبحرية، وسعى إلى كبح الغلاء والمجاعات التي ضربت بعض الأقاليم، كما شيدت المستشفيات والمكتبات العامة، خاصة في المناطق الحدودية المهددة بالأوبئة القادمة من شرق أوروبا.

لكن سنوات حكمه لم تكن هادئة. فالحرب مع روسيا تحولت إلى صراع مفتوح طويل النفس، تنقلت فيه الكفة بين الطرفين. 

وبينما شن خان القرم غارات على الأقاليم الروسية الجديدة، تمكنت القوات الروسية في فترات أخرى من السيطرة على مدن عثمانية في رومانيا.

 ورغم ذلك، استطاع الجيش العثماني استعادة توازنه في مراحل لاحقة، خاصة على يد القائد عثمان باشا الذي كوفئ بلقب «غازي» تقديرًا لانتصاراته.

وظل السلطان يتابع تفاصيل الحرب بنفسه، واضعًا القادة تحت رقابة صارمة، وموقعًا عقوبات قاسية على كل من يثبت تقصيره أو هزيمته دون مبرر، في محاولة لفرض الانضباط داخل مؤسسة عسكرية أنهكتها سنوات الإهمال.

 

وفاة مصطفى الثالث 

رحل مصطفى الثالث والدولة لا تزال في قلب الصراع، تاركًا الحكم لأخيه عبد الحميد الأول، بعد أن حاول ـ رغم قصر الزمن وتعقد الظروف ـ أن يوقف التدهور ويؤسس لمرحلة إصلاحية لم تكتمل، لكنها كشفت بوضوح أن الدولة العثمانية كانت قد دخلت بالفعل عصر المواجهة مع عالم جديد لا يعترف إلا بالقوة والتنظيم والمعرفة.