فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

الاحتجاجات الإيرانية في سياقها التاريخي والسياسي

اتسعت خلال الآونة الأخيرة رقعة الاحتجاجات في عدد من المدن الإيرانية، لتتبعها إجراءات أمنية مشددة أسفرت عن سقوط ضحايا بأعداد تفوق ما سُجِّل في موجات احتجاج سابقة خلال العقود الماضية، وفق تقديرات منظمات وناشطين. وقد أعاد هذا المستوى من العنف الواجهة مقارنات تاريخية مع المرحلة المضطربة التي سبقت قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، ما يفتح باب النقاش حول طبيعة التحديات التي يواجهها النظام الإيراني في المرحلة الراهنة.


ولا تبدو التطورات الحالية مجرّد جولة احتجاج عابرة، بل مؤشرًا على مرحلة حساسة في العلاقة بين الدولة وشرائح من المجتمع، في سياق يتسم بتداخل عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية. وتؤكد كافة المؤشرات أن استعداد قطاعات من المجتمع للتعبير عن رفضها العلني يقابله تمسّك مؤسسات الدولة بأدواتها التقليدية في ضبط الشارع.


استدعاء السياق التاريخي

في أواخر سبعينيات القرن الماضي، شهدت إيران حالة من الاضطراب الواسع، تمثلت في مواجهات بين قوات موالية لنظام الشاه محمد رضا بهلوي وقوى معارضة متنامية. وقد اتخذت الاحتجاجات آنذاك أشكالًا متعددة، شملت تظاهرات واسعة وأعمال عنف استهدفت منشآت ومصالح مختلفة، وترافقت مع تصاعد تدريجي في أعداد المشاركين، وصولًا إلى خروج ملايين الإيرانيين إلى الشوارع، وانتهاء المرحلة بمغادرة الشاه البلاد.


وفي هذه الأثناء شكّلت عودة آية الله روح الله الخميني من منفاه في فرنسا محطة حاسمة في إعادة تشكيل النظام السياسي، حيث أُعيد بناء مؤسسات الدولة على أساس مبدأ ولاية الفقيه. وقد تبيّن لاحقًا أن التحولات التي أعقبت سقوط النظام الملكي تجاوزت توقعات كثير من القوى التي شاركت في الحراك آنذاك.


الثورة بين التحولات الداخلية والصراعات خارجية

عقب قيام الجمهورية الإسلامية، شهدت إيران مرحلة إعادة هيكلة سياسية وأمنية عميقة، ترافقت مع محاكمات وإعدامات طالت مسؤولين سابقين وضباطًا عسكريين وشخصيات ثقافية وسياسية. كما دخلت البلاد في حرب طويلة مع العراق استمرت ثماني سنوات، وجرى إقرار سياسات اجتماعية جديدة، من بينها فرض الحجاب الإلزامي.


في الوقت نفسه، دخلت العلاقات الإيرانية– الأميركية مرحلة توتر حاد، خاصة بعد اقتحام السفارة الأميركية في طهران عام 1979 وأزمة الرهائن التي استمرت 444 يومًا، وهو ما ترك آثارًا بعيدة المدى على التفاعلات الإقليمية والدولية.


ومع اندلاع الاحتجاجات الأخيرة، لجأت السلطات الإيرانية إلى إجراءات أمنية شملت تقييد الوصول إلى الإنترنت، وتعطيل بعض قنوات الاتصال، وانتشار مكثف للقوات الأمنية. وتشير تقارير حقوقية ومقاطع متداولة إلى استخدام القوة في تفريق التجمعات، مع اختلاف التقديرات بشأن حجم العنف وطبيعته، في ظل القيود المفروضة على الإعلام والعمل الصحفي داخل البلاد.


التفسيرات المحتملة لحدة التصعيد

لا يوجد حتى الآن تفسير قاطع لارتفاع مستوى العنف مقارنة بحركات احتجاجية سابقة، مثل احتجاجات عام 2009 أو تظاهرات 2022. ويصعب التحقق المستقل من الوقائع بسبب القيود الإعلامية المفروضة. 

 

ومع ذلك، ربما يكون حضور العامل الاقتصادي في المشهد الاحتجاجي عاملًا مؤثرًا، نظرًا لقدرته على تجاوز الانقسامات السياسية والعرقية والدينية داخل المجتمع الإيراني. كما يُشار إلى أن تداعيات المواجهة العسكرية الأخيرة، التي شهدت استهداف منشآت ومواقع عسكرية حساسة، ما زالت تلقي بظلالها على المناخ الداخلي وتؤثر في المزاج العام.


الخطاب الرسمي وسردية الاتهام الخارجي

رافقت التطورات الأخيرة لهجة رسمية تتهم أطرافًا خارجية بالوقوف وراء الاحتجاجات، وتصف بعض المشاركين فيها بصفات أمنية أو إرهابية. وهنا تفرض المقارنة نفسها بين السرديات السابقة التي استخدمتها السلطة الملكية قبل عام 1979، حين جرى تحميل قوى أجنبية مسؤولية الاضطرابات الداخلية مع تلك اعتمدتها السلطة القائمة منذ ذلك التاريخ. 


فرغم أوجه التشابه التاريخي، يختلف السياق الحالي في عدة جوانب، من بينها البيئة الدولية، ومستوى العقوبات المفروضة على إيران، وإشارات صادرة عن الإدارة الأميركية الحالية بشأن خياراتها المستقبلية. ومع ذلك، فإن المقارنة مع مرحلة ما قبل 1979 تظل مفيدة لفهم المخاطر الكامنة، حتى لو تمكنت السلطات من احتواء الاحتجاجات في المدى القصير.


بشكل عام، لا تشير المعطيات الحالية بالضرورة إلى اقتراب لحظة حاسمة أو نقطة تحوّل نهائية، إلا أن تزامن عوامل عدة، من اتساع رقعة الاحتجاجات، وارتفاع مستوى العنف، والتحديات الاقتصادية والاجتماعية، يوحي بدخول إيران مرحلة أكثر تعقيدًا. فقد أظهرت التجارب التاريخية أن الاعتماد على الأدوات الأمنية وحدها قد يوفّر استقرارًا مؤقتًا، لكنه لا يعالج بالضرورة جذور التوتر على المدى الطويل.