فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

الكاتب الليبي طارق القزيري: الحنين في ليبيا ليس للقذافي بل بحثًا عن الدولة.. “ما بعد معمر” فراغ في السلطة وليس ديمقراطية.. والمقارنة بين عهده واليوم فخ سياسي

الكاتب الليبي طارق
الكاتب الليبي طارق القزيري

 يشخص الكاتب الليببي طارق القزيري الحالة الليبية منذ سقوط نظام معمر القذافي، مؤكدا أن الليبيين يتأسون على زمن الرئيس السابق بسبب حالة الفوضى التي عمت البلاد. وأضاف القزيري في حوار مع فيتو أن ليبيا تمر بمحلة انتقالية طالت حتى الآن وهو ما يشعر الليبيين بالحنين إلى زمن “معمر”، منوها إلى أنها لم تصل بعد إلى مرحلة الاكتمال.

ويشرح القزيري أسباب حالة الانقسام التي لم تضع أوزارها حتى الآن، وإلى نص الحوار..


من وجهة نظرك، هل كانت الأوضاع المعيشية والأمنية في ليبيا خلال حكم القذافي أفضل مما هي عليه الآن؟ أم أن المقارنة في حد ذاتها غير منصفة بسبب اختلاف السياقات؟

المقارنة فخ منهجي خطير، نقارن بين نظام استبدادي "مستقر" استمر أربعين عاما، وبين مرحلة انتقالية عمرها ثلاثة عشر عاما لم تمنح فرصة الاكتمال. 
نعم، كان الليبي يملك جواز سفر يحترمه العالم أكثر، وشوارع لا تقطعها الميليشيات، لكنه أيضا كان يعيش في دولة بلا دستور، بلا برلمان حقيقي، بلا صحافة، بلا حق في الاختلاف.

ولكن يمكن أن نسأل هل الثمن الذي دفعه الليبيون بعد 2011 كان ضروريا، أم كان نتيجة سوء إدارة المرحلة الانتقالية والتدخلات الخارجية؟

 والجواب أن الفشل لم يكن حتميا، بل كان خيارا، خيار النخب التي تصارعت على السلطة، وخيار المجتمع الدولي الذي أسقط نظاما ثم انصرف.

في عدد من دول "الربيع العربي"، سادت بعد سنوات من الثورات مقولة: «إحنا آسفين يا ريس». كيف تفسر هذا التحول النفسي والسياسي لدى الشعوب من الثورة على الحاكم إلى الاعتذار له بعد رحيله؟

هذه العبارة ليست اعتذارا حقيقيا للديكتاتور، بل صرخة يأس مقنعة، حين يقول  الليبي "آسفين يا ريس"، فهو لا يعتذر إلى القذافي، بل يقول: "أنا تعبت، أريد أن أعود لنقطة أعرفها، حتى لو كانت مؤلمة."

التحول النفسي هذا يكشف أزمة أعمق: غياب السردية البديلة، الثورات العربية نجحت في هدم الأنظمة لكنها فشلت في بناء "حلم جمعي" بديل، حين يغيب الحلم، يصبح الكابوس القديم- بحكم الألفة- أقل رعبا من المجهول، فالشعوب لا تعتذر للديكتاتور لأنها اكتشفت أنه كان "طيبا"، بل لأن البديل الذي قدم لها كان أسوأ من الوعد، الديمقراطية التي وعدوا بها جاءت على شكل انقسام وحرب أهلية وانهيار اقتصادي.

لكن هنا تكمن المغالطة الكبرى: ما جاء بعد الديكتاتور ليس "الديمقراطية"، بل فراغ السلطة الذي ملأته قوى لا علاقة لها بالديمقراطية - ميليشيات، تدخلات أجنبية، صراعات قبلية ومناطقية. الشعوب لم تعط فرصة لتجربة الديمقراطية الحقيقية كي تحكم عليها.
هل لا تزال ليبيا تواجه تحديات جسيمة تعوق عودة الاستقرار، سواء على مستوى الأمن أو الاقتصاد أو بناء الدولة؟ وما أخطر هذه التحديات في تقديرك؟

ليبيا تواجه ثالوثا قاتلا: أولا: انهيار احتكار العنف: الدولة بتعريفها هي الجهة الوحيدة التي تملك حق استخدام القوة. في ليبيا، هذا الاحتكار تفتت بين عشرات الميليشيات. لا يمكن بناء دولة حين تكون البندقية بيد الجميع إلا الدولة. ثم اقتصاد الريع النفطي: النفط نعمة تحولت نقمة. حين يأتي الدخل من باطن الأرض لا من إنتاج المواطنين، تنقطع العلاقة التعاقدية بين الدولة والشعب. الدولة لا تحتاج المواطن لتمول نفسها، وبالتالي لا تحتاج أن تحاسب منه. ونأتي ثالثا مع التدخل الخارجي: ليبيا تحولت إلى ساحة حرب بالوكالة. بوصف أوباما — كلهم لهم أجندات متضاربة على الأرض الليبية. كيف تبني دولة وأنت لا تملك قرارك السيادي.

ما الذي يقدمه الحاكم الديكتاتور للشعوب من حيث الأمن أو الحسم أو وضوح القرار ولا تنجح الأنظمة الديمقراطية الهشة في تقديمه، خاصة في مجتمعات تمر بمرحلة انتقالية؟

الحسم: الديكتاتور يقرر بسرعة، لا ينتظر توافقا ولا يحتاج أغلبية برلمانية في لحظات الأزمة، هذا الحسم يبدو مغريا.

الأمن السلبي: غياب الفوضى الظاهرة. الشوارع هادئة، ولو كان الهدوء قائما على الخوف لا الرضا.
وضوح السلطة: الناس تعرف من يحكم ومن يحاسب. في الديمقراطيات الهشة، تتشتت المسؤولية ويضيع المواطن بين عشرات المؤسسات.

لكن هذه "المزايا" سراب. الحسم يعني غياب الرقابة. الأمن السلبي يعني قمع المعارضة. وضوح السلطة يعني تركز الفساد. ما يبدو استقرارا هو في الحقيقة قنبلة موقوتة تنفجر حين يموت الديكتاتور أو يضعف.

هل تعتقد أن المشكلة تكمن في الديمقراطية كنظام حكم، أم في طريقة تطبيقها في العالم العربي؟
الديمقراطية ليست وصفة جاهزة تستورد. هي نتاج تراكم تاريخي، وثقافة سياسية، ومؤسسات تبنى عبر أجيال.

المشكلة في العالم العربي مزدوجة: أولا استيراد الشكل دون المضمون: انتخابات بدون ثقافة ديمقراطية. برلمانات بدون فصل حقيقي للسلطات. دساتير تكتب ولا تحترم.

ثانيا، السياق الجيوسياسي: الديمقراطية العربية تولد في محيط معاد. القوى الإقليمية والدولية لا تريد ديمقراطيات حقيقية في المنطقة، لأن الديمقراطية الحقيقية ستنتج سياسات لا تتوافق مع مصالح هذه القوى أحيانا، ثمة حسابات للحقل والبيدر في دعم الديمقراطية الغربية.


يذهب البعض إلى القول إن الشعوب العربية غير مؤهلة للديمقراطية في الوقت الراهن. كيف تنظر إلى هذا الطرح؟ وهل المشكلة في الشعوب أم في النخب السياسية التي تدير المرحلة؟

هذا السؤال فخ استعماري قديم. قيل عن الهنود إنهم غير مؤهلين للحكم الذاتي، وقيل عن الأفارقة، وعن نساء أوروبا قبل أن ينلن حق التصويت. لا يوجد شعب "غير مؤهل" للديمقراطية. ما يوجد هو: نخب سياسية فاشلة تستخدم الديمقراطية للوصول إلى السلطة ثم تقوضها، تدخلات خارجية تجهض كل تجربة ديمقراطية واعدة. موروث استبدادي يحتاج وقتا للتفكيك. 

المشكلة ليست في "جينات" الشعوب العربية، بل في الظروف التاريخية والبنيوية التي تعيشها. الديمقراطية الأوروبية نفسها احتاجت قرونا من الحروب الأهلية والثورات والإصلاحات حتى استقرت.

لو طلب منك توجيه رسالة لليبيين، ماذا تقول لهم عن الماضي، والحاضر، وإمكانية استعادة الدولة دون إعادة إنتاج الاستبداد؟

عن الماضي: لا تجعلوا الذاكرة سجنا. القذافي لم يكن خلاصا، وما بعده لم يكن نهاية التاريخ. الماضي يدرس ولا يعبد، يفهم ولا يستنسخ. 
عن الحاضر: الفوضى ليست قدرا. ما صنعه البشر يستطيع البشر تغييره، لكن التغيير يحتاج صبرا استراتيجيا لا ردود فعل انفعالية، لا تنتظروا منقذا  لا من الداخل ولا من الخارج. المنقذ الوحيد هو وعي جمعي يرفض تكرار الأخطاء.
عن المستقبل: الدولة ممكنة. دولة تحترم مواطنيها ولا تخافهم، تخدمهم ولا تستعبدهم. لكن هذه الدولة لن تبنى على أنقاض الماضي وحدها، بل تحتاج أساسا جديدا: عقدا اجتماعيا يقوم على المواطنة لا القبيلة، وعلى القانون لا البندقية، وعلى المؤسسة لا الفرد.

ليبيا ليست محكومة بالفشل. لكنها بحاجة إلى جيل يرفض الاختيار بين الاستبداد والفوضى — جيل يصر على أن هناك طريقا ثالثا، ويبنيه حجرا حجرا.

وإذا طلبت منك رسم خريطة واحدة للمشهد الليبي اليوم، كيف تراه؟

ليبيا ليست دولة منقسمة بين شرق وغرب، بل هي أرخبيل من مراكز القوة المتداخلة، كل منها يملك موارده وأسلحته وشبكة علاقاته الخارجية. مراكز القرار الفعلية: في الغرب، السلطة الحقيقية ليست في مكتب رئيس الوزراء. هي موزعة بين ثلاثة محاور: المصرف المركزي الذي يتحكم بالسيولة والاعتمادات، الميليشيات الكبرى في طرابلس ومصراتة والزاوية التي تحتكر العنف وتفرض الإتاوات، ورجال أعمال صعدوا بعد 2011 وأصبحوا وسطاء بين المال العام والاقتصاد الموازي.
في الشرق، البنية أكثر هرمية ظاهريا لكنها ليست أقل تعقيدا. القيادة العسكرية تسيطر على القرار الأمني والسياسي، لكنها تعتمد على توازنات قبلية دقيقة وعلى دعم خارجي مشروط. المؤسسة العسكرية هناك ليست جيشا بالمعنى الكلاسيكي، بل تحالف كتائب ذات ولاءات متعددة يجمعها قائد أكثر مما يجمعها نظام.
الاقتصاد السياسي للنفط:

النفط لا يدار، بل يقتسم. المؤسسة الوطنية للنفط تبقى موحدة شكليا، لأن تقسيمها يعني خسارة الاعتراف الدولي بالصادرات. لكن عائداته تذهب إلى المصرف المركزي في طرابلس، ومن هناك توزع عبر آليات الميزانية والاعتمادات التي أصبحت أدوات سيطرة سياسية لا أدوات تنمية.

الصراع الحقيقي ليس على من يملك النفط، بل على من يتحكم بتدفق أمواله. لهذا ترى إغلاقات الحقول والموانئ تستخدم كأوراق ضغط لا كمواقف مبدئية.

وهناك طبقة من الفاعلين تستفيد من الوضع الراهن أكثر مما تستفيد من أي حل. مهربون على الحدود الجنوبية، تجار وقود مدعوم يبيعونه في السوق السوداء أو يصدرونه للخارج، مستوردون يستفيدون من فارق سعر الصرف، مقاولون يحصلون على عقود بدون تنفيذ، وقادة ميليشيات تحولوا إلى رجال أعمال بالسلاح.
هذه الشبكات عابرة للانقسام السياسي ستجد شراكات تجارية بين أطراف تتقاتل إعلاميا.

لماذا تطول المرحلة الانتقالية في ليبيا؟

الانقسام ليس مشكلة للجميع بل هو حل لبعضهم. المرحلة الانتقالية تطول لأنها مربحة. دعني أحدد آليات الاستدامة أو آلية "الشرعية المعلقة":
كل طرف يدعي الشرعية ويرفض الاعتراف بشرعية الآخر. هذا التعليق المتبادل يمنع أي حسم، لكنه في الوقت ذاته يمنح كل طرف مبررا للبقاء. رئيس حكومة طرابلس يستمد شرعيته من اتفاق سياسي انتهت صلاحيته، والبرلمان في الشرق يستمد شرعيته من انتخابات مضى عليها أكثر من عقد. كلاهما "شرعي" بما يكفي للبقاء، وغير شرعي بما يكفي للطعن فيه.

الحوارات الدولية والإقليمية تحولت إلى مسرح. كل جولة تنتج خارطة طريق، وكل خارطة تصطدم بعقبة، فتبدأ جولة جديدة. المشاركون يعرفون أن الحوار أداة لكسب الوقت واستنزاف الخصم دبلوماسيا، لا أداة للوصول إلى اتفاق.

الانتخابات نفسها تحولت إلى أداة تأجيل. كل طرف يطالب بانتخابات، لكنه يشترط قواعد يعرف أن الطرف الآخر سيرفضها. النتيجة: الجميع يبدو ديمقراطيا والجميع يبقى في مكانه.

التدخل الخارجي لا يهدف إلى حسم الصراع بل إلى منع حسمه لصالح الطرف الآخر. تركيا لا تريد انتصار حفتر، ومصر والإمارات لا تريد انتصار طرابلس، وروسيا تريد موطئ قدم على المتوسط بصرف النظر عمن يحكم. النتيجة توازن رعب يمنع أي طرف من الحسم العسكري، لكنه لا يدفع نحو حل سياسي.
ليبيا دولة غنية بمواردها خاصة النفط، ما الذي يمنع تحول الموارد إلى دولة وخدمات؟

المسار المالي هو العصب: لنتتبع رحلة الدينار من النفط إلى المواطن: النفط يستخرج ويصدر عبر المؤسسة الوطنية للنفط هذه الحلقة تعمل نسبيا. العائدات تذهب إلى المصرف المركزي هنا تبدأ المشكلة.

المصرف المركزي أصبح لاعبا سياسيا لا مؤسسة تقنية. يتحكم بالاعتمادات، يحدد سعر الصرف، يقرر من يحصل على الدولار بالسعر الرسمي ومن يحرم. هذا التحكم تحول إلى أداة سيطرة سياسية.

الميزانية حين تقر  توزع على باب المرتبات الذي يستهلك أكثر من 60% منها. دولة بلا إنتاج تدفع رواتب لموظفين كثير منهم وهميون أو لا يعملون. المرتبات تحولت إلى أداة شراء ولاءات لا إلى مقابل عمل، وما تبقى يذهب إلى "ميزانية التنمية" التي لا تنفذ، وإلى اعتمادات طوارئ تصرف بلا شفافية.

الدولة تدعم الوقود والكهرباء والخبز بمليارات الدولارات سنويا. هذا الدعم لا يصل للفقراء بالضرورة. معظمه يهرب أو يسرق. الوقود المدعوم يباع في السوق السوداء أو يصدر عبر الحدود. لكن لا أحد يجرؤ على رفع الدعم لأنه سيواجه انتفاضة شعبية وهذه ورقة تستخدمها الميليشيات للابتزاز.

والميليشيات ليست مجرد قوة عسكرية. هي منظومات اقتصادية متكاملة. تسيطر على موانئ ومعابر، تفرض إتاوات على الشركات، تحصل على عقود حراسة من الدولة، وتدير أحيانا تجارة تهريب. تفكيكها يعني تفكيك شبكة مصالح واسعة، لا مجرد نزع سلاح.

لو وجدت آلية شفافة ومتفق عليها لتوزيع العائدات سواء مركزيا بضمانات أو فيدراليا بحصص واضحة  لسقطت الحجة الرئيسية للصراع. معظم الخلاف السياسي في ليبيا يترجم في النهاية إلى خلاف على المال: من يتحكم به، ومن يحصل عليه.

سأقول ختاما: ليبيا لن تصبح ديمقراطية مستقرة في المدى المنظور. السيناريو الأفضل المتاح هو "استقرار هش": توازن قوى مدار، مع حد أدنى من الخدمات، وتراجع تدريجي للعنف، وآلية متفق عليها لتوزيع الثروة.

هذا ليس طموحا، لكنه أفضل من الحرب الشاملة. وهو يتطلب أمرا واحدا: أن يقتنع الفاعلون الرئيسيون - داخليا وخارجيا - بأن تكلفة الاستمرار في الوضع الراهن أصبحت أعلى من تكلفة التسوية.