السادة الأفاضل.. الكورة فين؟!
ليست الحكاية حكاية خروج من بطولة، ولا مركز رابع يوجع القلب، ولا مباراة نغادرها ونحن نغني ظلموه ونردد أعذارا محفوظة عن التحكيم أو الإصابات.. المسألة أوسع وأخطر وأعمق. إنها العشوائية.. العشوائية التي تحولت من عارض طارئ إلى أسلوب إدارة، ومن خطأ جيل إلى منهج مستقر.
خرج المنتخب المصري من كأس الأمم الأفريقية، لكن الأخطر أنه دخلها وهو مرتبك. أداء متذبذب ولياقة غير مستقرة وشخصية غائبة في لحظات كان يفترض أن تكون عنوان القوة. المشهد نفسه تكرر من قبل، وتكرر في بطولة العرب، حتى حين شاركنا بمنتخب ثان أو ثالث. النتيجة هنا ليست هي الأزمة بل مجرد كاشف لها.. كاشف لمرض قديم يتجدد.
أزمتنا في جوهرها أزمة عقلية قبل أن تكون أزمة مهارية، أزمة طريقة تفكير فنحن نتعامل مع كرة القدم باعتبارها حدثا موسميا، لا مشروع دولة. ننتظر البطولة ونجمع اللاعبين ونعين جهازا فنيا، ثم نرفع الأيدي بالدعاء. لا تخطيط طويل المدى ولا رؤية واضحة ولا سؤال بسيط يطرح بجدية: إلى أين نذهب؟
هل يعقل أن تعجز دولة بحجم مصر، بتاريخها الكروي وجماهيرها، عن إنتاج ظهير أيمن أو أيسر بمستوى دولي؟ أهي أزمة مواهب؟ أم اكتشاف؟ أم تدريب؟ أم خليط من كل ذلك؟ الحقيقة المؤلمة أننا لا نحسن حتى تشخيص المشكلة. نلعب بالصدفة، نفرح بالصدفة، ونخسر بالصدفة، ثم نطلق على ذلك اسم كرة القدم.
أين الأكاديميات المتخصصة في إعداد لاعبين لمراكز بعينها؟ أين التخطيط الذي يقول بوضوح بعد خمس سنوات مثلا يعني يجب أن نملك هذا العدد من اللاعبين في هذا المركز؟ أين التنسيق الحقيقي بين الاتحاد والأندية وقطاعات الناشئين؟ الواقع أن كل جهة تعمل منفردة، وكل طرف يتصرف باعتباره مركز الكون، بينما تبقى الكرة هي الضحية.
أما المدربون، فقصتهم فصل آخر.. هؤلاء السادة الأفاضل لا نختارهم على أساس مشروع ولا فكر ولا حتى مواكبة للتطور الحديث. الاختيار غالبا ما يكون بالاسم أو بالمجاملة، هذا لإرضاء هنا وذاك لتهدئة هناك، وكأن الجهاز الفني مجلس محلي لا عقلا يدير منتخب دولة.
هل فكرنا يوما في برنامج علمي حقيقي لتأهيل المدربين؟ لا نتحدث عن دورات سريعة وشهادات تعلق على الجدران، بل عن إعداد ذهني ونفسي، فهم للضغط، لإدارة النجوم للتعامل مع الإعلام لقراءة المباريات، ولتطوير اللاعب لا استهلاكه. المدرب عندنا غالبا محارب وحيد، بلا نظام يسانده، ولا مؤسسة تحميه، ولا تقييم موضوعي يحاسبه.
المشكلة أننا نغير الأشخاص ولا نغير النظام. نقيل مدربا، نأتي بآخر، نبدل جهازا ونعلن بداية جديدة ثم لا نلبث أن نعود إلى النقطة نفسها. لأن العقلية لم تتغير. عقلية رد الفعل لا الفعل، وعقلية تسيير الأمور لا البناء.
كرة القدم الحديثة علم وبيانات وأرقام وتحليل، واستثمار في الإنسان قبل اللاعب. بينما نحن ما زلنا نختلف على من يحمل المسؤولية، ومن له الأحقية، ومن يظهر في الصورة. الكرة لا تحتاج إلى خطابات حماسية بقدر ما تحتاج إلى عمل هادئ، طويل النفس، وربما ممل أحيانا. لكن، ببساطة، لا نهضة من دون هذا الملل.
سؤال: الكورة فين؟ ليس سؤال سخرية، بل سؤال وجع. سؤال مشجع بسيط، لكنه في جوهره سؤال دولة. فالكرة ليست مجرد لعبة، بل مرآة مجتمع، وطريقة إدارة، وقدرة على التخطيط. وطالما ظلت الإجابة غائبة، فسيبقى طبيعيا أن نظل نبحث عن الكرة.. ولا نجدها.