فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

محمد عبد الفتاح يكتب عن زمن الإخوان: سيطروا على مفاصل الدولة لترسيخ حكم المرشد.. حاولوا تفكيك المؤسسات الوطنية.. تردي الأوضاع الاقتصادية وخطط التنازل عن سيناء “آخر مسمار في نعش الجماعة”

الإخوان
الإخوان

كان عام 2012 عامًا فارقًا في تاريخ مصر الحديث.. فيه اعتلت  جماعة الإخوان سدة الحكم، بعد إعلان فوز مرشحها محمد مرسي بمنصب رئيس الجمهورية، ومنذ اللحظة الأولى التي تولت فيها الجماعة إدارة البلاد، بدأت في تنفيذ أجندتها ومخططاتها التي تخدم مصالحها الخاصة، بغض النظر عن المصالح العليا للبلاد، ودون النظر لمشاكل وهموم الشعب الحقيقية، وشرعت الجماعة ومرشدها في اتخاذ إجراءات ترقى لدرجة الجرائم في حق جموع المصريين، وترددت أقاويل على ألسنة بعض قيادات الجماعة في ذلك الوقت، ترسخ لفكرة الفرقة بين أبناء الشعب الواحد، واعتبروا أن من لا ينتمي للجماعة فهو خصمها ولا مكان له في أي منصب قيادي بالدولة، ومن بين هذه الأقاويل ما جاء على لسان مرسي نفسه حينما قال بالنص: "إحنا وهما"، قاصدًا جماعته من جهة، وباقي الشعب المصري من جهة أخرى.

التقرير التالي يرصد عددًا من خطايا جماعة الإخوان المنحلة في حق الشعب المصري، وهي الخطايا التي دفعت البعض دفعًا للترحم على أيام حكم الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك رغم معاناة الشعب من تصرفات نظامه.. وترديد عبارات من نوعية "نار مبارك ولا جنة الإخوان".

مخطط أخونة الدولة من القمة إلى القاع

ما أن آلت مقاليد الحكم إلى جماعة الإخوان، حتى بدأت في تنفيذ مخطط أعدته سلفًا، يهدف إلى إحكام قبضتها على كافة مؤسسات الدولة من القمة إلى القاع، أطلق عليه  مخطط "أخونة الدولة"، من خلال إشراك قيادات الجماعة في حكم البلاد بشكل مباشر، فكانت جميع القرارات الجمهورية والإجراءات المهمة، تُعرض أولًا على مرشد الجماعة محمد بديع لإقرارها، وقيل: إن بعض القرارات الجمهورية كانت تأتي مباشرة من مكتب الإرشاد إلى رئاسة الجمهورية، التي يقتصر دورها فقط على إعلانها، أي أن المرشد ومكتب إرشاده كانا هما الحاكمان الفعليان للبلاد، ومرسي كان مجرد مندوب لهما في قصر الرئاسة كما وصفه البعض.

بل وصل الأمر إلى عقد اجتماعات مكتب الإرشاد بكامل أعضائه داخل القصر الرئاسي، وكان المرشد محمد بديع يجلس على الكرسي المخصص للرئيس، وكانت تلك الاجتماعات تخصص لمناقشة أمور الدولة، وتصدر خلالها قرارات مهمة مثل تعيين المحافظين وكبار المسؤولين

ولضمان السيطرة الكاملة لأعضاء الجماعة على القصر الرئاسي، تم تعيين الإخواني ياسر علي متحدثًا رسميًا باسم رئاسة الجمهورية، والإخواني أحمد عبد العاطي مديرًا لمكتب رئيس الجمهورية، وتعيين عصام العريان عضو مكتب الإرشاد، ضمن الفريق الاستشاري للرئيس، وتعيين القيادي الإخواني عصام الحداد، مساعدًا لرئيس الجمهورية للشؤون الخارجية.

كما تم اختيار الإخواني حسين القزاز ضمن الفريق الرئاسي ليكون مستشارًا اقتصاديًا للرئيس.. والقيادي الإخواني محيي الدين حامد، والذي عُين أيضًا ضمن الفريق الرئاسي.. وبالإضافة إلى هؤلاء اعتاد أعضاء وقيادات جماعة الإخوان، ومن بينهم محمد البلتاجي وصفوت حجازي، التردد بصفة منتظمة على القصر الرئاسي ولقاء الرئيس والتحدث معه في ملفات مهمة تتعلق بالمصالح العليا للبلاد.

مخطط الأخونة طال الحكومة أيضًا في عهد الرئيس الأسبق محمد مرسي، فقد كلف الإخواني هشام قنديل بتشكيل الحكومة، وبدوره حرص على اختيار عدد من أعضاء جماعة الإخوان وحزب الحرية والعدالة لتولي حقائب وزارية، ومن بين هؤلاء: باسم عودة الذي تولى منصب وزير التموين والتجارة الداخلية، والدكتور إبراهيم غنيم وزير التربية والتعليم، والمحسوب على جماعة الإخوان، وفي عهده تم تعيين نحو 10 من المنتمين للجماعة في مناصب مهمة بوزارة التربية والتعليم، شملت رئيس قطاع الكتب، ورئيس مركز تطوير المناهج، ومستشار الوزير القانوني، ورئيس قطاع التعليم الفني، ومستشار الوزير للتعاون الدولي، ومستشار الوزير لتطوير التعليم، ومدير المدينة التعليمية.

وفي وزارة الصحة تم تعيين العشرات من المنتمين للإخوان في المناصب المهمة، ومن بينهم رئيس الإدارة المركزية للشئون الصيدلية، ومساعد وزير الصحة للطب الوقائي، ورئيس المعامل المركزية، ومساعد وزير الصحة لشئون التأمين الصحي، والمتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة.

وعلى نفس المنوال زرعت جماعة الإخوان المسلمين عددًا ضخمًا من المنتمين إليها في غالبية الوزارات الخدمية، كما حاولت التدخل في تعيينات قيادات وزارة الداخلية، وإلحاق عدد من الطلاب أبناء أعضاء الجماعة بكلية الشرطة.. ولم يفت الجماعة أن تلحق أعضاءها بالوظائف القيادية في المحافظات بكافة إداراتها المحلية، بداية من منصب المحافظ وحتى أصغر الموظفين في الوحدات المحلية.

السعي لتهميش القضاء وإعلان دستوري مشبوه

ومن الخطايا الكبرى لـ جماعة الإخوان المحظورة، أثناء فترة حكمها التي لم تزد على سنة واحدة، أن قيادات الجماعة، وتحديدًا أعضاء مكتب الإرشاد، سعوا بكل قوة للسيطرة على مؤسسات الدولة الراسخة منذ القدم، وتطويعها لخدمة مصالحهم الخاصة فقط، حتى وإن تعارضت مع مصالح جموع الشعب المصري، وفي سبيل ذلك دخلوا في معارك شرسة مع القضاء، وحاصروا المحكمة الدستورية العليا، لمنع قضاتها من الوصول إلى عملهم، ونظر القضايا المهمة المنظورة أمام المحكمة وقتها، ومن بينها دعوى تطالب ببطلان الجمعية التأسيسية للدستور.. ثم وقعت الجماعة في سقطة أخرى تتمثل في عزل النائب العام وقتها المستشار عبد المجيد محمود من منصبه بالمخالفة للدستور، وتعيين نائب عام غيره وصف وقتها بـ"النائب الخاص"، في إشارة إلى أنه سيعمل لصالح الجماعة وأعضائها فقط.

مليشيات الإخوان بديلًا للمؤسسات الأمنية

كما عملت الجماعة على تفكيك بعض مؤسسات الدولة، خصوصًا المؤسسات الأمنية، واستبدالها بمليشيات مسلحة هدفها حماية النظام الإخواني فقط، بغض النظر عن حماية الوطن، وذلك على غرار الحرس الثوري الإيراني، وفي سبيل ذلك بدأت الاستعانة بعناصر جهادية وتكفيرية، والسماح بإقامة معسكرات تدريب خاصة لهم شاركت فيها عناصر إجرامية ارتكبت جرائم إرهابية مروعة ضد المصريين.

وعندما تصاعدت حدة الاحتجاجات والمعارضة لتدخلات الجماعة المحظورة في الشئون العليا للبلاد، وقوبلت قرارات الرئيس غير المدروسة والموجهة لخدمة جماعة بعينها برفض واسع من المصريين، ارتكب الرئيس الإخواني محمد مرسي خطأ كارثيًا اعتبره البعض جريمة في حق الوطن، بأن أصدر إعلانًا دستوريًا، يحصن من خلاله جميع قرارات الرئيس، ويعتبرها نافذة وغير قابلة للطعن أمام أية جهة، مع انقضاء جميع الدعاوى القضائية المنظورة أمام مختلف المحاكم والمتعلقة بتلك القرارات.

ولأن جماعة الإخوان المحظورة لا تؤمن سوى بمصالحها فقط، حتى ولو كانت على حساب وحدة الوطن وسلامة أراضيه، فقد أبدت الجماعة مرونة واضحة فيما يتعلق بالتنازل عن أجزاء من الأراضي المصرية، لتوطين الفلسطينيين بزعم أن الأمة الإسلامية أمة واحدة وأن الحدود لا قيمة لها.

كما سمحت لجماعات مسلحة ومتطرفة بالتواجد في مصر، وتحديدًا سيناء، التي نشطت بها مليشيات ترتبط فكريًا بالإخوان، وارتكبت العديد من الجرائم الإرهابية في حق قوات الجيش والشرطة، وهي الجرائم التي تعامل معها نظام الإخوان باستهانة شديدة، ما أكد أن تلك الجماعة لا تبالي بالوطن ولا بمصالح أبنائه.

الشعب ينتفض ضد الجماعة الإرهابية

 أمام كل تلك الممارسات غير المسئولة لجماعة الإخوان الإرهابية، بالإضافة إلى تردي الأوضاع الاقتصادية، وظهور أزمات حادة عانى منها الشعب.. وجد المصريون أنفسهم أمام تحدٍ جديد يتمثل في ضرورة الخلاص من تلك الجماعة الدكتاتورية، بعد أن أدركوا أن مرسي ورفاقه من أعضاء مكتب الإرشاد أشد خطرًا على البلاد من نظام مبارك نفسه، وبدأ الحراك الثوري من جديد، وكانت أولى شراراته عندما تظاهر آلاف المصريين أمام قصر الاتحادية رفضًا للإعلان الدستوري ولممارسات الجماعة غير الوطنية، وبدلًا من أن تستمع الجماعة ومندوبها في القصر الرئاسي محمد مرسي لمطالب المتظاهرين، أمرت أنصارها بالاعتداء عليهم، فأوقعت العديد من الضحايا بين قتيل ومصاب، في مشهد يؤكد دموية الجماعة الإرهابية التي وصلت إلى سدة الحكم في غفلة من الزمن.

القوات المسلحة تنحاز لإرادة الشعب

 لم ييأس المصريون وواصلوا نضالهم ضد الإخوان، وظهرت حركة تمرد التي نجحت في توحيد الشعب المصري على مطلب واحد هو الخلاص من الإخوان وحكمهم، وبدأ الحراك الثوري من جديد.. في تلك الفترة زادت حدة الاستقطاب السياسي والانقسام المجتمعي، وأوشكت البلاد على الدخول في نفق مظلم قد يسقطها تمامًا، وهنا ظهر الدور الوطني للقوات المسلحة المصرية، التي أدركت بحسها الوطني خطورة الموقف، فدعت القوى السياسية والأحزاب المختلفة بوضع خارطة طريق لإنقاذ البلاد وإعلاء مصالحها العليا بعيدًا عن المصالح الضيقة.

ولكن مرسي ونظامه وجماعته لم يستجيبوا لتلك الدعوة، وواصلوا تعنتهم، وهو ما زاد من غضب الشعب، وامتلأت الشوارع في طول مصر وعرضها مطالبة برحيل الإخوان تحت شعار "يسقط يسقط حكم المرشد"، ولم تجد القوات المسلحة أمامها سوى الانحياز لإرادة الشعب وإعلاء كلمته، حتى نجحت الثورة في إقصاء الإخوان، لتبدأ مصر عهدًا جديدًا يعلي مصالح الشعب فوق كل اعتبار، ويعمل على إعادة مصر إلى مكانتها المميزة بين الدول.