أزمة الكلاب الحرة
أصبح ملف الكلاب الحرة في شوارع القاهرة ومدن وقرى الجمهورية حاضرًا بقوة في النقاش العام، سواء عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو القنوات الفضائية، إلى حد يمكن وصفه -بلغة العصر- بأنه ترند المرحلة الراهنة.. وقد انقسمت الآراء بصورة واضحة بين من يرى في الظاهرة خطرًا داهمًا يهدد سلامة المواطنين، ومن ينطلق من اعتبارات إنسانية وأخلاقية ترفض أي حلول عنيفة أو جذرية.
والمؤكد أن هذا الجدل، رغم حدّته أحيانًا، يعكس حالة قلق مجتمعي حقيقية، خاصة في ظل أرقام متداولة تشير إلى ارتفاع ملحوظ في حالات العقر، وما يرتبط بها من مخاطر صحية ونفسية واقتصادية. إلا أن التعامل مع هذا الملف لا ينبغي أن يُختزل في ثنائية مع أو ضد، بقدر ما يتطلب نقاشًا واقعيًا هادئًا يستوعب تعقيدات القضية وتداخل أبعادها.
ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري التأكيد على احترام كافة الآراء المطروحة، وعدم شيطنة أي طرف في هذا النقاش، فلا من ينادي بالتخلص من الكلاب قد انتزعت من قلبه الرحمة، ولا من ينادي بالتعامل برأفة يتم اتهامه بالعمالة والتخوين، فلكل رؤية منطلقاتها ودوافعها المشروعة.
غير أن المسؤولية العامة تقتضي الانتقال من حالة الجدل إلى مساحة التحليل والتخطيط الاَمن، وطرح الموضوع للنقاش المجتمعي هو ظاهرة صحية، ولا شك أن هذه المناقشات تمثل إضافة الى صانع القرار انطلاقًا من وجهة نظر المواطن.
بين المقاربة الإنسانية وإدارة المخاطر
لا يمكن إنكار أن الكلاب الحرة ليست مجرد أعداد تجاوزت القدرة الاستيعابية للبيئة الحضرية، بل كائنات حية تتطلب تعاملًا أخلاقيًا يراعي مبادئ الرفق بالحيوان. وفي الوقت ذاته، لا يمكن إغفال ما قد تمثله من مخاطر متزايدة على الأمن الصحي، خاصة في المدن الكبرى ذات الكثافة السكانية العالية.
وقد أُثير مؤخرًا حديث عن توجه حكومي لإنشاء مناطق مخصصة لتجميع الكلاب الحرة في أطراف المدن، مع إخضاعها للتحصين البيطري، والتعامل مع الحالات الخطرة وفق معايير محددة. وهنا تتفرع مجموعة من التساؤلات المشروعة التي ينبغي الإجابة عنها بوضوح قبل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ، من بينها:
ما الرؤية طويلة المدى لمصير هذه الكلاب بعد التحصين؟ هل تتضمن الخطة برامج تعقيم ممنهجة للحد من التكاثر الطبيعي بصورة تدريجية ومستدامة؟ كيف سيتم ضبط التوازن البيئي داخل هذه التجمعات، خاصة في حال عدم الفصل أو الإدارة المحكمة بين الذكور والإناث؟
ما التكلفة الاقتصادية الفعلية لإنشاء هذه المرافق، وتشغيلها، وتوفير الغذاء والرعاية الصحية لأعداد تُقدَّر بالملايين وفق بعض التقديرات؟ وهل تتوافر الكوادر البيطرية والبشرية القادرة على المتابعة اليومية والدورية، بما يمنع تحوّل هذه التجمعات إلى بؤر محتملة للأمراض المشتركة؟
إن غياب إجابات دقيقة عن هذه التساؤلات قد ينقل الأزمة من الشارع إلى نطاق أكثر تعقيدًا، يصعب احتواؤه لاحقًا.
وإذا أردنا دروسًا من تجارب سابقة وتجارب دولية، فالتجربة المصرية نفسها تحمل دروسًا لا يمكن تجاهلها. في أولويات صحة الإنسان، والحفاظ على حياته، ففي أزمات صحية سابقة، مثل إنفلونزا الطيور عام 2007، لجأت الدولة إلى قرارات جذرية شملت إعدام أعداد ضخمة من الطيور للسيطرة على الخطر الوبائي، رغم ما صاحب ذلك من خسائر اقتصادية واجتماعية جسيمة. وكذلك الأمر في أزمة إنفلونزا الخنازير، حيث اتُخذ قرار الإعدام الشامل كإجراء احترازي حاسم.
وإن كانت مع الوقت ظهرت آراء أخرى بأن هذه المنهجية لم تكن الأدق وكان للبعض رأي آخر. لذا فإن هذه التجارب لا تُستدعى هنا للدعوة إلى تكرار السيناريو ذاته بنفس الإجراءات، وإنما للتأكيد على أن إدارة المخاطر الصحية الكبرى غالبًا ما تتطلب قرارات صعبة وصادمة احيانًا، مع ضرورة التقييم الشامل لتداعياتها قصيرة وطويلة المدى.
وفي تجارب مشابهة على الصعيد الدولي للتصدي لمشكلة كلاب الشوارع، اتجهت دول عدة إلى نماذج قد تكون الأكثر تكاملًا (وكلها مطروحة من قبل المختصين في مصر عند الحديث في هذا المجال. ففي الهند، على سبيل المثال، تم اعتماد برامج واسعة النطاق للتطعيم والتعقيم (ABC Programs)، ما أسهم تدريجيًا في خفض أعداد الكلاب الحرة وتقليل حالات العقر دون اللجوء إلى الإعدام الجماعي.
وفي دول أوروبية مثل هولندا، ارتكز النجاح على تشديد قوانين تربية الحيوانات الأليفة، ومنع التخلي عنها، إلى جانب برامج تعقيم ورقابة صارمة، حتى تم الوصول إلى مدن شبه خالية من الكلاب الضالة.
هذه النماذج تؤكد أن الحلول المستدامة لا تقوم على إجراء واحد معزول، بل على حزمة متكاملة من السياسات الصحية، والتشريعية، والمجتمعية.
وسعيًا إلى مقاربة متكاملة ومسؤولة نجد أن إدارة ملف الكلاب الحرة لا ينبغي أن تنزلق إلى خيارين متطرفين: لا إعدام مطلق، ولا ترك مطلق. بل المطلوب هو برنامج وطني متكامل، قائم على أسس علمية وبيطرية واقتصادية واضحة، ويخضع للتقييم والمراجعة الدورية.
كما أن الخطاب الإنساني، الذي يتبناه أصحاب القلوب الرحيمة، يمثل عنصرًا مهمًا في معادلة الحل، لكنه يحتاج إلى أن يُستكمل برؤية عملية وواقعية قابلة للتطبيق، تأخذ في الاعتبار قدرة الدولة، وحدود الموارد، وحماية الصحة العامة.
وفي الختام، فإن التحذير من تفاقم الأزمة لا يعني التهويل بقدر ما هو محاولة للمشاركة بالرأي، ودعوة صادقة للتفكير المتوازن بين العقل والعاطفة، ونثق بأن الجهات المعنية سوف تستمع إلى صوت المواطن والذى يدق ناقوس الخطر على خطر يهدده..
وأجهزتنا المصرية قادرة على التخطيط الاستباقي والتصدي لهذه الظاهرة، فالتأخر في الحسم، أو الشروع في حلول غير مكتملة الأركان، قد يؤدي إلى أزمة أكثر تعقيدًا من الواقع الحالي، يصعب احتواؤها سياسيًا وصحيًا ومجتمعيًا.
ويبقى الأمل أن يتحول هذا الجدل المجتمعي الواسع إلى فرصة حقيقية لبناء خطة وطنية رشيدة، توازن بين الرفق بالحيوان وصون سلامة الإنسان، وتستفيد من التجارب السابقة والدروس الدولية، بما يحقق مصلحة المجتمع أولًا.