الإسراء والمعراج، كيف تجلى موقف أبي بكر الصديق في المعجزة؟
أكدت وزارة الأوقاف عبر منصتها الرقمية أن معجزة الإسراء والمعراج تعد من المحطات الكبرى في تاريخ النبوة، وهي ليست مجرد خرق للقوانين الفيزيائية فحسب، بل هي أيضا اختبار إلهي وفرز دقيق لتمحيص الصف المؤمن. وفي خضم هذا الحدث العظيم، برز مقام "الصديقية" كأعلى مقام بعد النبوة، متمثلًا في شخص أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، الذي قدَّم للأمة أنموذجًا فريدًا في التلقي عن الوحي.
أثر الإسراء والمعراج في نفس النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته
لقد جاءت هذه الرحلة في سياق نفسي واجتماعي شديد التعقيد، بعد ما أصاب النبي -صلى الله عليه وسلم- من أذى في الطائف، وما سبقه من "عام الحزن"، فكانت المعجزة بمثابة الدعم النفسي والروحي المباشر من الله -سبحانه وتعالى- لرسوله -صلى الله عليه وسلم-.
ويحلل الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي هذا الأثر النفسي بقوله: لقد عانى رسول الله ألوانًا كثيرة من المحن التي لاقاها من قريش، وكان آخرها ما عاناه لدى هجرته إلى الطائف... ولقد ظهر في دعائه الذي ناجى به ربه بعد أن جلس يستريح في بستان ابني ربيعة ما يتعرض له كل بشر من الشعور بالضعف والحاجة إلى النصير، وذلك هو مظهر عبودية الإنسان لله -تعالى-، وظهر في التجائه ذلك شيء من معنى الشكاة إليه -سبحانه وتعالى-، والطمع منه في عافيته ومعونته، ولعله خشي أن يكون الذي يلاقيه إنما هو بسبب غضب من الله عليه لأمر ما؛ ولذلك كان من جملة دعائه قوله: «إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فَلَا أُبَالِي».
فجاءت ضيافة الإسراء والمعراج من بعد ذلك تكريمًا من الله -تعالى- له، وتجديدًا لعزيمته وثباته، ثم جاءت دليلًا على أن هذا الذي يلاقيه عليه الصلاة والسلام من قومه ليس بسبب أن الله قد تخلى عنه، أو أنه قد غضب عليه، وإنما هي سنّة الله مع محبيه ومحبوبيه. وهي سنّة الدعوة الإسلامية في كل عصر وزمن. [فقه السيرة النبوية، د. محمد سعيد رمضان البوطي، دار الفكر،١٩٩١م، ص ١٦٦].
أما بالنسبة للصحابة، فقد كانت المعجزة نقلة نوعية من "الإيمان بالغيب" المجرد إلى "الإيمان بالواقع المشاهد" من خلال صدق النبي -صلى الله عليه وسلم-، يقول ابن كثير في تأصيل وقوع الحادثة بالجسد والروح وأثره في التثبيت: "والحق أنه صلى الله عليه وسلم أُسري به يقظة لا منامًا، من مكة إلى بيت المقدس راكبًا البراق... ثم عرج به من بيت المقدس إلى السماء الدنيا... وهذا كله ليريه الله من آياته الكبرى، وكان ذلك سببًا في تقوية قلوب الفئة المؤمنة التي رأت في إخبار النبي -صلى الله عليه وسلم- بما شاهد في رحلته وما وصفه من بيت المقدس؛ دليلًا قطعيًا يقطع دابر الشك". [البداية والنهاية، ابن كثير، ج ٣، ص ٢٢].

دور أبي بكر الصديق في تصديق خبر الإسراء والمعراج
لقد كان موقف أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- هو "حائط الصد" الأول أمام حملات التشكيك التي قادتها قريش. فعندما استنكر المشركون الخبر وحاولوا استمالة أبي بكر للارتداد أو الشك، قدَّم درسًا في "المنطق الإيماني".
أخرج الحاكم في المستدرك عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى أَصْبَحَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِذَلِكَ، فَارْتَدَّ نَاسٌ فَمَنْ كَانَ آمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ، وَسَمِعُوا بِذَلِكَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالُوا: هَلْ لَكَ إِلَى صَاحِبِكَ يَزْعُمُ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالَ: أَوَ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: لَئِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ لَقَدْ صَدَقَ، قَالُوا: أَوَ تُصَدِّقُهُ أَنَّهُ ذَهَبَ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَجَاءَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنِّي لَأَصُدِّقُهُ فِيمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَّمَاءِ فِي غَدْوَةٍ أَوْ رَوْحَةٍ، فَلِذَلِكَ سُمَيَّ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقَ. [رواه الحاكم في المستدرك].
إن هذا الموقف لم يكن مجرد تصديق عابر، بل كان تأسيسًا لقاعدة أن "النقل الصحيح مقدَّم على العقل القاصر" إذا تعارضا في الظاهر؛ لأن الذي أخبر بالرحلة هو نفسه الذي يخبر بالوحي.
ثناء النبي -صلى الله عليه وسلم- على أبي بكر الصديق ومكانته
لم تتوقف مكانة الصديق عند مجرد اللقب، بل إن النبي -صلى الله عليه وسلم- أكد في مواطن عديدة أن إيمان أبي بكر يزن إيمان الأمة، وهو ما تجلى بوضوح بعد موقف الإسراء.
ويذكر ابن هشام تعليقًا على ثبات أبي بكر، ومبينا لمناقبه، فيقول: "وقد ظهرت فضيلة الصديق الكبرى في استجابته الفورية وتصديقه لخبر الإسراء دون تردد، وهذا نابع من رسوخ اليقين في قلبه، ولذا قال -صلى الله عليه وسلم- في حقه: «مَا دَعَوْتُ أَحَدًا إِلَى الْإِسْلَامِ إِلَّا كَانَتْ لَهُ عِنْدَهُ كَبْوَةٌ وَنَظَرٌ وَتَرَدُّدٌ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ، مَا عَكَمَ عَنْهُ حِينَ ذَكَرْتُهُ لَهُ وَمَا تَرَدَّدَ فِيهِ». [السيرة النبوية لابن هشام، ط٢، ج١، ١٩٥٥ ص٢٥٢].
وفي كتاب (البداية والنهاية لابن كثير) يؤكد على أن تسمية الصديق ارتبطت بهذا الثبات الاستثنائي. [البداية والنهاية، ابن كثير، ج٢، ص٤١].
وجاء في كتاب الجامع لأحكام القران للقرطبي في قوله تعالى: {وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدۡقِ وَصَدَّقَ بِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ} [الزمر: ٣٣].
قوله تعالى: {وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدۡقِ} في موضع رفع بالابتداء وخبره {أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ} واختلف في الذي جاء بالصدق وصدق به، فقال عليّ رضي الله عنه: " الذي جاء بالصدق " النبي -صلى الله عليه وسلم- " وصدق به " أبو بكر -رضي الله عنه-. [الجامع لأحكام القرآن، القرطبي،ج١، ٢٠٠٦م، ص٢١٢].
أثر موقف الصديق في حياة الصحابة والتابعين
لقد ترك موقف أبي بكر أثرًا تربويًّا وعقديًّا عميقًا في نفوس الصحابة، تمثل في النقاط التالية:
١. استقرار اليقين: كان الصحابة ينظرون إلى أبي بكر -رضي الله عنه- كمعيار للصواب؛ فثباته جعل المترددين يثوبون إلى رشدهم، وأدركوا أن المعجزات هي فعل الله الذي لا يعجزه شيء.
٢. تأسيس منهج التسليم: تعلم الصحابة من أبي بكر -رضي الله عنه- أن "الصدق" هو مطابقة الخبر للواقع؛ لأن المخبر به هو الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم-، وليس لأن العقل أحاط بكيفيته.
٣. تحويل المحنة إلى منحة: استطاع الصحابة بعد هذه الحادثة أن يواجهوا قريشًا بقوة وثبات أكبر، فلم يعد هناك ما يُستغرب من خوارق العادات ما دام الله -عز وجل- هو الفاعل.

وشددت الأوقاف على أن معجزة الإسراء والمعراج تظل شاهدة على عظمة القدرة الإلهية، ويظل موقف الصدِّيق -رضي الله عنه- شاهدًا على عظمة النفس البشرية حين تتصل بخالقها يقينًا وتسليمًا. لقد صاغ أبو بكر -رضي الله عنه- بموقفه هذا شخصية المسلم التي لا تتزعزع أمام الشبهات، وأثبت أن "الصديقية" ليست مجرد عاطفة، بل هي يقين عقلي مبني على صدق المصدر، وهي ثمرة المعرفة الحقيقية بالله وبرسوله -صلى الله عليه وسلم-.