انقلاب في الهرم الغذائي.. أمريكا تعلن قواعد جديدة للأكل وتفتح باب الجدل عالميًا.. تصدر الدهون الحيوانية والألبان كاملة الدسم.. وتراجع النشويات وإلغاء الأطعمة المصنعة
كشفت الإرشادات الغذائية الأمريكية الجديدة التي أصدرتها كل من وزارتي الصحة والزراعة بالولايات المتحدة الأمريكية، رسميًا، عن تعديلات جديدة على الهرم الغذائي، تضمنت العودة إلى الطعام الحقيقي والطبيعي، بعدما كشفت الأبحاث الحديثة عن آثار خطيرة للهرم الغذائي المطبق منذ سنوات، خاصة على صحة الأطفال.
حذرت الولايات المتحدة من العصائر الطازجة بسبب احتوائها على كميات عالية من السكر، تؤثر سلبًا على مستويات الإنسولين وتزيد من خطر السمنة واضطرابات التمثيل الغذائي.
ووضع الهرم الغذائي الجديد البروتين والدهون الصحية في المقدمة، فبدلًا من أن تكون النشويات هي الأساس، أصبحت الأولوية للبروتينات والدهون الصحية، خاصة الحيوانية منها، باعتبارها الأساس للحفاظ على الكتلة العضلية وصحة الجسم.
كما تضمنت الإرشادات تقليل السكر المضاف للأكل، ولم يُلغِ الهرم الغذائي الجديد النشويات، لكنها أصبحت مقصورة على الحبوب الكاملة الطبيعية، والخالية من الجلوتين، لأنها أكثر أمانًا وأعلى قيمة غذائية.
كشف الهرم الغذائي أن غذاء الأطفال أصبح قائمًا على الأطعمة المصنعة، مما يتسبب في إصابة الأطفال بمقاومة الإنسولين، نتيجة الإفراط في السكريات والنشويات المكررة.
ومن أبرز التعديلات، رفع الكمية الموصى بها من البروتين من 0.8 جرام لكل كيلوجرام من وزن الجسم، إلى ما بين 1.2 و1.5 جرام، أي ما يقارب الضعف، للحفاظ على الكتلة العضلية، وتحسين المناعة.
وأكد أطباء التغذية أن الجمعية الأمريكية للقلب، بعد تعديل الهرم الغذائي، أكدت على ألا تتجاوز نسبة الدهون المشبعة 10% من إجمالي السعرات اليومية، خاصة وأن الإفراط في الدهون المشبعة قد يؤدي إلى ارتفاع الكوليسترول، وتصلب الشرايين، واضطراب دهون الدم، والإضرار بصحة القلب، وهو ما دفع الجمعية الأمريكية للقلب إلى إصدار تنويه رسمي للتحذير من الدهون المشبعة، فضلًا عن أن الأطعمة المصنعة لم يعد لها مكان في الهرم الجديد.
وتسبب الهرم الغذائي الجديد في حالة جدل بين أطباء التغذية والمواطنين، لأن التوصيات بزيادة الاعتماد على البروتين وتناول الدهون الصحية والاعتماد على الزبدة البلدي، ودهون الحيوانات التي يعتقد البعض أنها مضرة، فالكثير من الأشخاص كانوا يتجنبون تناول قطعة اللحم الممتلئة بالدهون والدسم حتى لا تتسبب في زيادة نسبة الكوليسترول، أصبحت وفق الإرشادات الغذائية الأمريكية الجديدة أمرًا صحيًا ويُنصح به، وكذلك استخدام شحوم البقر في الطهي، تسبب هذا الجدل في طرح تساؤلات حول إمكانية الاعتماد على الهرم الغذائي الأمريكي، وهل يناسب الظروف الاقتصادية للمصريين والطبقات الكادحة، هل تستطيع تناول البروتين يوميًا؟ وهل يساعد في تقليل معدلات الإصابة بالسمنة والأمراض المزمنة؟
من جانبها أكدت الدكتورة جيهان فؤاد، استشاري التغذية العلاجية والعميد السابق لمعهد التغذية، أن الجدل الدائر حول الهرم الغذائي الجديد لا يمثل مفاجأة لأطباء التغذية، مشيرة إلى أن هذا التطور لم يحدث بشكل مفاجئ، وإنما جاء نتيجة تغييرات تدريجية امتدت لسنوات طويلة.
وأوضحت أن الهرم الغذائي القديم كان يحتوي على توصيات لم يكن الأطباء مقتنعين بها على أرض الواقع، مثل الإكثار من النشويات، مؤكدة أن الدراسات العلمية الحديثة كانت تميل منذ فترة إلى تقليل النشويات والتركيز على البروتين، خاصة في أنظمة إنقاص الوزن، بالإضافة إلى التخلي عن فكرة الاعتماد على منتجات الألبان منزوعة الدسم بشكل كامل، واستبدالها بمنتجات متوسطة الدسم.
وأضافت لـ«فيتو» أن هذا التغيير لم يكن مفاجئًا، بل سبقه اعتماد نموذج «الطبق الصحي»، والذي كان يقسم الوجبة إلى أربعة أقسام متساوية: ربع بروتين، وربع نشويات، وربع خضروات، وربع سلطة، وهو ما يعكس فكرة التوازن الغذائي.
وأشارت إلى أن الحديث الحالي عن أهمية الدهون الصحية ليس جديدًا أيضًا، مؤكدة أن الأطباء كانوا ينصحون منذ فترة باستخدام الدهون الصحية والابتعاد عن الدهون الصناعية، ولكن دون الإفراط في أي نوع منها.
وعن إمكانية تطبيق الهرم الغذائي الجديد في مصر في ظل القدرة الاقتصادية للمواطنين، تساءلت من أين سيحصل المواطن على البروتين؟ مؤكدة أن التوسع في إنتاج اللحوم بكميات كبيرة يمثل خطرًا بيئيًا.
وأضافت أن إنتاج اللحوم بكثافة يؤدي إلى زيادة ما يعرف بالبصمة الكربونية، نتيجة التوسع في المزارع وتربية أعداد ضخمة من الحيوانات، وما ينتج عنها من انبعاثات ومخلفات، وهو ما يفاقم من أزمة التغير المناخي والاحتباس الحراري.
وأكدت الدكتورة جيهان أن وجود أدلة إرشادية غذائية أمر في غاية الأهمية، لأنها تمثل المرجعية العلمية التي يُبنى عليها أي توصية، مشيرة إلى أن هذه الأدلة تتغير باستمرار مع تطور الأبحاث والدراسات العلمية، تمامًا كما يحدث في التوصيات العالمية الخاصة بالأمراض المزمنة.
أكدت غياب الدراسات القومية الحديثة التي ترصد أنماط استهلاك المصريين للغذاء، مشيرة إلى أن آخر مسح قومي تم إجراؤه كان في عام 2015، وهو ما يجعل التوصيات غير محدثة بما يتناسب مع الواقع الحالي.
وأضافت ضرورة وضع سياسات غذائية تتماشى مع الأزمات الاقتصادية، مؤكدة أن ارتفاع أسعار بعض السلع يمكن استغلاله للتوعية بأساليب غذائية صحية بديلة.
وأوضحت أن البروتين لا يقتصر فقط على اللحوم والدواجن والأسماك، بل يشمل أيضًا البقوليات، والفطر، ومنتجات الألبان، وغيرها من المصادر الغذائية، مؤكدة أن لكل بلد عاداتها الغذائية الخاصة، ولا يجوز استنساخ أنظمة غذائية من دول أخرى دون تكييفها مع الواقع المحلي.
وشددت على أن تقليل النشويات لا يعني منعها تمامًا، وإنما التقليل من كميتها والتركيز على الحبوب الكاملة، مؤكدة أن الإفراط في النشويات كان أحد أسباب ارتفاع معدلات السمنة.
وأكدت أن زيادة الاعتماد على البروتين يمكن أن يسهم في تحسين معدلات الحرق بالجسم، وتقليل فرص الإصابة بالسمنة، خاصة أن البروتين من أكثر العناصر الغذائية التي ترفع معدل الحرق، كما أنه ضروري للحفاظ على الكتلة العضلية، خاصة لدى كبار السن.
وحذرت من الإفراط غير المدروس في تناول البروتين، مشيرة إلى أن بعض الفئات، خاصة من يعانون من مشكلات في وظائف الكلى، قد يتعرضون لمضاعفات صحية إذا زادت نسبة البروتين في نظامهم الغذائي دون متابعة طبية.
وأشارت إلى أن من أبرز التحذيرات التي جاءت في التوصيات الجديدة هي الحد من استهلاك السكر والملح، خاصة لدى الأطفال، مع التركيز على تقليل الاعتماد على الأطعمة فائقة المعالجة.
وشرحت أن الأطعمة فائقة المعالجة هي تلك التي تفقد شكلها الطبيعي تمامًا، وتتحول إلى منتجات مصنعة بالكامل، مثل بعض أنواع الوجبات السريعة، والمكرونات سريعة التحضير، واللحوم المصنعة، مؤكدة أن هذه الأطعمة من أخطر أنواع الغذاء على الصحة العامة.
وأكدت الدكتورة جيهان أننا بحاجة إلى هرم غذائي خاص بالمصريين، يراعي ثقافتهم الغذائية، وأوضاعهم الاقتصادية، وأنماط حياة المواطنين، بدلًا من الاعتماد على نماذج مستوردة.
وشددت على أن هذه الإرشادات ليست ملزمة للجميع، فلكل فئة احتياجاتها المختلفة، مثل الحوامل، والمرضعات، وكبار السن، ومرضى الأمراض المزمنة.