من الخوميني إلى رضا بهلوي.. التاريخ يعيد فكرة إسقاط النظام الإيراني من الداخل.. تصريحات ترامب المتكررة حول الضربة الأمريكية تحريك للتظاهرات.. وقناعة إسرائيلية بأن الهجوم العسكري يوحد الشارع الإيراني
«التاريخ يعيد نفسه فى المرة الأولى كمأساة، وفى المرة الثانية كمهزلة» العبارة السابقة قالها كارل ماركس، وبرهن تكرار الأحداث فى العالم بشخصيات مختلفة، وسيناريوهات محدثة على صدقها.. وتنطبق حاليا على ما ينتهجه الغرب تجاه النظام الإيراني، فى ظل الرغبة العارمة لإسقاط المرشد على خامنئى وريث الخومينى مؤسس الجمهورية الإسلامية.
بهدف فهم أعمق لما يدور فى شوارع طهران حاليا ومظاهر الاحتجاجات الدائرة بسبب الأوضاع الاقتصادية، لابد من العودة إلى نظام الشاه محمد رضا بلهوي، الذي أسقطه الغرب بعدما أصيب بجنون العظمة فى ظل التنقل بين المعسكرات الشرقية والغربية، وأعتبر الفرصة مواتية بعد الانسحاب البريطانى من الخليج العربي لفرض هيمنته على المنطقة، وبدأ يستخدم النفط فى معاركه السياسية، لوهلة ظن الشاه أن علاقته الوطيدة مع إسرائيل- رغم عدم اعترافه بها رسميا- صمام أمان لحكمه، وجاءت حرب أكتوبر 1973 لتفخخ تلك العلاقات، بعدما قرر بهلوي نسج تحالفات إقليمية، وتخيل أن تاريخ عائلته فى الحكم كاف لمنحه ضمانة استقرار أركان حكمه.
بداية السقوط
1975 كان عام بداية السقوط الداخلي، مع تأزم الأوضاع الداخلية وغضب فئات مختلفة من المكونات الإيرانية تجاه نظام الحكم بسبب الإقصاء والقمع والتهميش، وتحرك رجال الدين ضده، وهنا حضر آية الله الخمينى الذي كان يقيم وقتها فى العاصمة الفرنسية «باريس» كمحرك للشارع، وشرع فى تسجيل خطب يقال إنه استلهم فيها من أفكار مؤسس جماعة الإخوان فى مصر «حسن البنا»- كما ذكر الكاتب البريطاني تيم مارشال في كتابه "قوة الجغرافيا وسلطتها"، الذي تناول فيه قصة الثورة الإيرانية، وكانت تتم تهريب هذه الكلمات إلى الداخل الإيراني لتشجيع الشارع على الحراك ضد بهلوي.
وعلى غرار ترامب الذي يريد الإطاحة بـ خامنئى، كانت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر غير متشجعة كثيرًا لحكم الشاه، وتراه حاكما مستبدًا ولم تتدخل لحماية نظام حكمه، كما حدث عام 1953 عندما أعادته "سي آي إيه" إلى الحكم وأسقطت حكم الزعيم الوطني محمد مصدق.
التخلص من بهلوي
مع حلول العام 1979 اختمرت التحضيرات تحت أعين الغرب، وخرج الشارع الإيرانى ضد نظام بهلوي، وحينها تم إرسال الرجل الجديد آية الله الخمينى، على متن طائرة قادمة من فرنسا إلى طهران، وفق رواية صحفى لبنانى شهير كان يحمل جنسية فرنسا، وكان ضمن وفد صحفي، وفرت الاستخبارات الفرنسية له مكانا على متن طائرة قائد الثورة الإسلامية، وحينها رغم الاتفاقات على مسار الحكم والتبعية للغرب، أخبره روح الله الخمينى، بعناوين عريضة عن مشروعه السياسي فى المنطقة، وتصدير فكرة الثورة الإسلامية لدول الجوار، ولم ينكر أنه وضع عينه على السعودية ومصر كأهداف استراتيجية لتحقيق حلمه بوضعها تحت تبعيته.
وصل حاكم إيران الجديد لكن هذه المرة بدون زي الفرنجة، وأفكار التغريب التي سعى بهلوي لتطبيقها، بل الحاكم الجديد وصل بالعباءة والعمامة، لتشهد منطقة الشرق الأوسط بداية تاريخ جديد ندفع جميعا ثمنه حتى الآن.. حينها لم تكن الدول الخليجية خصوصا السعودية بقوتها الحالية، وشجع الوضع الإقليمى حاكم العمامة على التمرد، أيضا على النهج المرسوم، وحلم بتصدير فكرته تحت شعار الثورة الإسلامية، وبدأ فى الابتعاد عن المعسكر الغربي، والتقرب من المعسكرين الشرقي –الصين وروسيا- وظهرت مسميات الهلال الشيعى والقمر السنى، التى فجرت شلالات دم فى الإقليم بسيف الحروب المذهبية.
لم تسلم إيران واليمن والعراق والبحرين والإمارات والكويت من هذا المد، حتى مصر البعيدة جغرافيا طالها العداء، وجميعا نذكر تحريضه على نظام الرئيس الراحل أنور السادات، وإطلاق اسمه قاتله خالد الإسلامبولي على أحد شوارع طهران، بهدف كيد الدولة المصرية.
أخطاء الملالي
صحيح أن النظام الإيراني رغم شعاراته الإسلامية والعداء، وتبنى فيما بعد خطابات عدائية للشيطان الأكبر وفق وصفه – أمريكا وإسرائيل- جاءت حربه مع العراق إبان عهد صدام حسين، مرآة كاشفة للعلاقات الوطيدة مع صناعه، وسجل التاريخ الحديث أكبر فضيحة تعاون بين طهران الإسلامية وتل أبيب الصهيونية، من خلال قضية "إيران جيبت" الشهيرة عندما نقلت أمريكا أسلحة إلى النظام الإيراني عبر تل أبيب، لدعمه فى حربه ضد نظام صدام حسين.
ولا يخفى أيضا على المراقبين للشأن الإقليمى، أن الغرب تعمد غض الطرف عن سلوكيات نظام الملالى، بهدف جعلهم فزاعة دائمة لأنظمة الحكم الخليجية ومبرر لتسليح إسرائيل بالنووي، ومد يدها بما أسمته السلام الدافئ مع عواصم الشرق كحليف حامٍ ضد الجمهورية الإسلامية، حتى تطورات مع عصرنا الحالي إلى ما تسمى اتفاقات إبراهام بنفس الذريعة، لدرجة دفعت ملكا خليجيا لطلبه فى وقت من الأوقات حماية إسرائيل ضد نظام المرشد.
دارت عجلة الأيام وتمدد الاحتلال وتحقق له ما أرد، تبدلت أحوال الخليج ودخل فى شراكات اقتصادية واتفاقات عسكرية مع الولايات المتحدة، وبعضها لم يعد يخفى علاقاته مع إسرائيل، الخلاصة انتهى مشروع الثمانينيات وفرضت حرب غزة معادلة جديدة على الجميع، وأخرج الغرب وإسرائيل أوراق الخط القديمة لتمكين المرشد أمام الشاه، ولكون التاريخ يعيد نفسه كما ذكر لينين، بدأت عملية التدوير، اليوم وبعد عقود من التمدد المقصود والمدعوم والتجارة السرية المتبادلة رغم العقوبات العلنية، اتخذ القرار للخلاص من نظام بات ثقيلا على ورثة صانعوه.
بهلوي الابن
ظهر من خلف المحيط محمد رضا بهلوي، ولى العهد الذي سقط نظام والده، حينما كان يدرس قيادات الطائرات فى الولايات المتحدة الأمريكية، وبدأ استخدامه بنفس طريقة عدو أبيه –الخمينى- لكن مع تكنولوجيا التواصل والاتصالات الحديثة لم تعد هناك حاجة لتهريب خطاباته إلى الداخل الإيرانى بهدف تأجيج الشارع، مجرد مقطع مصور أو تدوينة على مواقع التواصل الاجتماعى تصل فى نفس اللحظة من الضغط على زر النشر.
وبهدف دعم تحريك الشارع ودعم خطة الإسقاط السهل للنظام بدون إراقة دم، جعل الرئيس الأمريكى قضية إيران والتهديد بالتدخل لحماية المتظاهرين، ضمن جدوله الرئاسي اليومي فى البيت الأبيض، ويسانده هنا من الشرق بنيامين نتنياهو، مرتديا قناع الحقوق والحريات للحديث عن الشأن الإيراني، متجاهلا بمنتهى العهر السياسي المجازر التى ارتكبها فى قطاع غزة ولبنان وسوريا، وسقوط آلاف الضحايا بين شهيد وجريح على يده.
الأسئلة الملحة من تلك اللعبة التاريخية والتى تتطلب إجابات واضحة لفهمها هى: ما أسباب الرغبة فى التخلص من نظام صنعوه بأيديهم، وما تداعيات السقوط على الدول العربية والإسلامية فيما بعد، فقد علمتنا 2011 الدرس فأمريكا لا تدعم حريات ولا ديمقراطيات، وكشف أحدث رؤسائها وجهها الحقيقى والقبيح، فهى – واشنطن- تسقط الدول لتفكك جيوشها وتمكن الفوضى من طرقاتها، وتصنع حكاما جددا يلبون طلباتها وينفذون أجندتها.
أهداف أمريكا وإسرائيل
حاليا تريد الولايات المتحدة، إسقاط نظام خامنئى وتفكيك الجيش الإيراني بمختلف مسميات أفرعه العسكرية، والسيطرة وتدمير برنامجه الصاروخى، الذي سبب لها الإزعاج فى حرب الـ 12 يوما مع إسرائيل، وتفكيك مشروعها النووي المجهول للجميع، بما فيهم وكالة الطاقة الذرية التى اعتادت على تنفيذ برامج تفتيش، ولم تتوصل لمعلومات كافية، فواشنطن أو بمعنى أدق ترامب لا يعنيه شعب إيران، ولا تسكن الحريات عقله الدموي، بل يريد تكرار نموذج فنزويلا مع النفط الإيراني، ودفن أموال الجمهورية الإسلامية المجمدة بفعل العقوبات إلى الأبد وتحويلها إلى خزائن واشنطن.
أيضا هناك رغبة لدي الولايات المتحدة فى إسقاط النظام الإيراني، وربما إحضار الحاكم الجديد على متن طائرة أمريكية على غرار إحضار الخمينى على متن طائرة فرنسية، بهدف البرهنة للخليج على معاونته فى التخلص من فزاعة التاريخ، وربما تحميل عواصمه كلفة ذلك السقوط والحصول عليها على شكل حاملات نفط مجانية، تبحر من أقصى الشرق لتحط أمام سواحلها لدعم مخزوناتها الاستراتيجية.
كما تهدف الولايات المتحدة لضرب نفوذ الصين وروسيا فى بؤرة جديدة، بعدما تمكنت من طردهما من نصف الكرة الغربي، وعودة هيمنتها فى الفناء الخلفي لها بدول أمريكا الجنوبية، وسقوط النظام الإيراني ضربة جيوسياسية لبكين وموسكو، لما بين العاصمتين من اتفاقات اقتصادية وعسكرية مع طهران التى تعتبر خزان نفط خفى لهما أيضا.
إسرائيل هى الأخرى ليست أقل حالا من أمريكا فى تلك الرغبة، فسقوط النظام الإيراني، يحمل أهمية استراتيجية كبرى لتمددها، فلم تعد هناك قوى عائقة أمامها سوى إيران ومصر وتركيا، ومجرد التخلص من الجمهورية الإسلامية يفتح لها باب الصراع مع الهدف الجديد لها – أنقرة- لفرضه مشروعها على العالمين العربي والإسلامي، ومصر الصدام معها لن يكون سوى مسألة وقت وهى تعد العدة لتلك اللحظة.
الخلاصة.. صحيح أن النظام الإيراني الحالى كبد المنطقة خسائر جمة، وفتت شملها وزرع الفتن داخلها بشعارات مذهبية، وتتملكه أحلام السيادة قبل حسن الجوار والتدخل فى الشئون الداخلية للجميع، لكن مع تطور الأحداث وما نراه من الاحتلال الإسرائيلي ربما يكون خامنئى حبة دواء مر علينا ابتلاعها، والحرص على بقائه أفضل من سقوطه، واعتلاء سدة الحكم عميل للغرب وتل أبيب، يطعن الجميع فى الظهر، ويساهم فى إضعاف الأمة المصابة بالوهن من الأساس.
كذلك على النظام الإيراني، استيعاب دروس ما حدث بالدول العربية، والعمل على احتواء شعبه وتلبية مطالبه، بهدف تحصين جبهته الداخلية من الاختراق، سواء بالمعلومات أو الرصاص، وعدم التعويل على خطاب التخوين، وممارسة إجراءات قمعية ترفع منسوب الأزمة، وتسهل على أعداء الخارج الوصول إلى الهدف المنشود.