جامعة الغذاء.. إشادة واجبة ونقاش ضروري
يأتي الإعلان عن التوجه لإنشاء جامعة الغذاء في مصر منسجمًا مع اتساع النظرة إلى التعليم العالي، ليس فقط بوصفه مسارًا أكاديميًا تقليديًا، بل باعتباره أداة استراتيجية لدعم الأمن القومي، وفي مقدمته الأمن الغذائي والمائي. ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا لأهمية ربط التعليم والبحث العلمي بالاقتصاد الحقيقي، وسلاسل القيمة، ومتطلبات التنمية المستدامة، بما يتجاوز حدود القاعات الدراسية إلى فضاء الإنتاج والتأثير المجتمعي.
جامعة الغذاء كفكرة متقدمة في أصلها
انطلاقًا مما طالعناه عن قرب في زيارات لهذه الجامعات، وما اعتمدنا عليه من دراسة مقارنة مرجعية، فإن فكرة إنشاء جامعة متخصصة في الغذاء تضم الزراعة الذكية، والإنتاج الحيواني، وتكنولوجيا الغذاء، وإدارة الموارد المائية، والميكنة الزراعية، تُعد فكرة متقدمة في جوهرها، وتعكس فهمًا عميقًا لطبيعة التحديات المستقبلية.
فالغذاء لم يعد يُدار كقطاع منفصل، بل كنظام معقد تتقاطع فيه المياه والطاقة والمناخ والاقتصاد والسياسات العامة. وفيما يلي سوف نستعرض معًا بعض نماذج من الجامعات المتخصصة الناجحة عالميًا.
تُظهر التجارب الدولية أن تجميع التخصصات المتقاربة تحت مظلة جامعة واحدة يخلق بيئة تعليمية وبحثية أكثر تكاملًا، ويُسهم في كسر الحواجز التقليدية بين العلوم الزراعية والغذائية والهندسية والبيئية والإدارية.
وقد أثبت هذا النموذج فعاليته في عدد من الدول التي تعاملت مع الغذاء بوصفه منظومة متكاملة لا مجرد قطاع إنتاجي منفصل. ويبرز في هذا السياق نموذج Wageningen University & Research في هولندا التي بدأت ككلية للزراعة في 1876 وصولًا الى اعتبارها جامعة في 1918 وتضم كليات في مجالات الزراعة والغذاء والبيئة، ونجحت في توحيد الزراعة والغذاء والبيئة والتكنولوجيا ضمن إطار مؤسسي واحد يخدم الاقتصاد الوطني ويغذي السياسات العامة بالمعرفة.
كما تمثل University of California, Davis والتي تأسست في عام 1908 كلية للزراعة والإرشاد الزراعي، ثم تطورت حتى أصبحت شريكًا فاعلًا ومثالًا واضحًا على قدرة الجامعات المتخصصة على تحويل العلوم الزراعية والغذائية إلى محركات ابتكار واستثمار، دون أن تنعزل عن منظومة التعليم العام.
وفي السياق الآسيوي، تقدم Hiroshima University والتى انشئت في 1949 أيضًا ككلية للزراعة ثم تطورت الى جامعة تضم 12 كلية للمرحلة الجامعية و4 كليات للدراسات العليا، وتمثل نموذجًا مهمًا في الربط بين البحث الأساسي والتطبيق الصناعي من خلال شراكات أكاديمية وصناعية واسعة.
مرورًا بالنموذج الصيني الذى توسع في إنشاء الجامعات المتخصصة مثل الجامعات الزراعية وجامعات القانون، ومن أهمها جامعات تشرفت بزيارتها مرارًا ومن أهمها جامعة China Agricultural University التي بدأت مدرسة للزراعة منذ الإمبراطورية الصينية في 1905، وصولًا إلى كونها واحدة من أكبر الجامعات المتخصصة في الغذاء والزراعة في العالم.
وجامعة Jiangnan University التي بدأت كلية متخصصة في تكنولوجيا الغذاء حتى اعتمادها جامعة تحتوي عدة كليات معنية بكل ما يخص العلوم الزراعية والغذاء. أيضًا مدرسة هوباي الزراعية Hubei Farming School التي أنشئت في عام 1898 وتوسعت إلى أن اعتمدت كجامعة أكاديمية وبحثية في مجالات الزراعة والغذاء بمدينة ووهان باسم Huazhong Agricultural University.
وتعرفنا عن قرب أيضًا على جامعة Northwest A&F University (NWAFU) وهي واحدة من أهم الجامعات الوطنية التي تأسست عام 1934 كلية للعلوم الزراعية ثم جامعة للغذاء والزراعة في عام 1999.
وفي كوريا الجنوبية زرنا جامعة Chonnam National University تأسست في 1952 واحدة من أهم الجامعات الوطنية رغم أنها متعددة التخصصات، ولكنها تضم منظومة من المعاهد والكليات المعنية بالغذاء والزراعة تعمل في إطار متكامل.
وقد عملت لفترة قصيرة كزائر في جامعة Kangwon National Unvirsity منذ عشر سنوات، وبها أيضًا كلية علوم الحياة التي تضم كل التخصصات المعنية بالزراعة والغذاء والبيطري تحت مظلة واحدة، وكان أهم ما يميزها أن كل المشروعات البحثية التي تتم فيها بالشراكة مع هيئة الصناعة الوطنية الكورية.. فكنا نعمل بمشروع في الجامعة ومخرجات الأبحاث بالشراكة في ملكيتها بين الجامعة والهيئة.
وفي تايلاند تعرفت على واحد من أهم النماذج Asian Institute of Technology، وهو مؤسسة دراسات عليا دولية ذات توجه تطبيقي قوي، تركز على الأمن الغذائي، وتوظيف علوم الهندسة الحيوية، وإدارة الموارد المائية، والتنمية المستدامة. مع ربط البحث العلمي بالسياسات العامة للدولة.
وجامعة Nurthuan Univ التي كانت تنفذ مشروعات وطنية تخدم سبع مدن محيطة بها لتوفير احتياجاتها في إطار المسئولية المجتمعية للجامعات، حتى إننا منذ أكثر من 12 عامًا زرنا فيها مركزًا لإنتاج الطاقة النظيفة من الطاقة الشمسية، كان يقدم بعض إنتاجه لخدمة المجتمعات الأكثر احتياجًا للتنمية، وأذكر أن رئيس الجامعة كان يفتخر بأن الجامعة تساهم في الدخل القومي للبلاد ولا تعتمد على ميزانيات تقدم إليها من الحكومة.
والأمثلة كثيرة على نجاح الجامعات المتخصصة، والتي لا يتسع المجال لحصرها وما تم الإشارة إليه سابقا على سبيل المثال. وفيه تتضح نقطة في غاية الأهمية أن الجامعات المتخصصة غالبًا لا تستحدث من البداية وإنما تأتي تطويرًا وتوسيعًا للاختصاصات ودعمًا للكليات والكيانات القائمة بالفعل. فإذا ما دعت الحاجة إلى استحداث جامعات متخصصة فلا بأس إذا ما كانت استكمالًا لما وصلت إليه الكيانات والمؤسسات الأكاديمية والبحثية التي سبقتها.
التحدي الحقيقي يمكن في المنهجية وتحديد الأدوار لا الفكرة
مع عظم جدوى الطرح بإنشاء جامعة متخصصة للغذاء أو أي جامعة تخصصية تبقى بعض المخاوف والمحاذير، التي لم تكن بعض التجارب الدولية بعيدة عنها، وربما من أهم هذه الأمور أن الجامعات المتخصصة قد تفقد فعاليتها حين تتحول إلى مجرد تجميع مكرر لتخصصات قائمة، دون إعادة تعريف حقيقية للأدوار والوظائف.
ففي عدد من الدول، أُنشئت جامعات طموحة في الشكل والمُسمّى لكنها أعادت إنتاج البرامج نفسها الموجودة في الجامعات العريقة مع ضعف ملحوظ في الأداء ومستوى الخريجين، واستنزفت الكوادر البشرية التي تقوم عليها الجامعات بانتقالها إلى تلك الجامعات، بدل أن تبني قدرات جديدة، وتحولت إلى منافس داخلي غير متكامل مع المنظومة الوطنية للبحث والتعليم.
الجامعات والمراكز البحثية العريقة كرصيد وطني
تمتلك مصر ثروة علمية وبشرية كبيرة في تخصصات الزراعة والغذاء مثل كليات الزراعة والعلوم والطب البيطري والهندسة الزراعية وتكنولوجيا الغذاء، إلى جانب شبكة واسعة من المراكز البحثية والمعاهد المتخصصة.
وقد راكمت هذه المؤسسات خبرات تمتد لعقود، وتضم بنية تحتية بحثية وتجريبية بالغة الأهمية، فضلًا عن احتوائها على رأس المال الأهم في أي منظومة تعليمية، وهو العقول والخبرات البشرية.
ومن ثم، فإن أي مسار إصلاحي رشيد لا بد أن ينطلق من مبدأ جوهري، مفاده أن إنشاء كيان جديد لا بد أن يراعي التكامل مع الكيانات القائمة، بل من خلال تمكينها ودمجها ضمن رؤية أشمل وأكثر تكاملًا.
ومن هنا يبرز تساؤل مهني مشروع يهدف إلى ضمان نجاح التجربة، ويعكس الحرص على اكتمال الرؤية: كيف يمكن أن تُصاغ جامعة الغذاء بما يسمح بالاستفادة من الخبرات والتخصصات القائمة في الجامعات المصرية، مع إعادة توظيفها داخل إطار تخصصي متكامل يحقق قيمة مضافة واضحة، ويمنح الجامعة الجديدة خصوصيتها ووظيفتها المتميزة؟
من جامعة جديدة إلى قيمة مضافة حقيقية
وانطلاقًا مما نشر عن مستهدفات الجامعة ومن ضمنها تحقيق شراكات دولية متكاملة مع جامعة هيروشيما اليابانية، وتعاون أكاديمي مع جامعتي القاهرة وبنها، وهو ما يحقق بعض ما أشرنا إليه من الاستفادة من الجامعات الوطنية.
وهذا الطرح لا يوحي بأن الجامعة قد تكون خاصة أو أهلية، وإذا كانت جامعة للغذاء تابعة للحكومة المصرية وحتى تحقق جامعة هدفها الاستراتيجي، وتؤدي دورًا نوعيًا في منظومة التعليم والبحث، نتطلع ونثق أنها سوف تُبنى على منهجية واضحة تركز على تطوير برامج عابرة لحواجز التخصصات.
وتربط الغذاء بالمياه والمناخ والاقتصاد والسياسات العامة، وتعيد تعريف مخرجات التعليم بما يتجاوز تخريج طلاب حاملى شهادات جامعية إلى إعداد كوادر قادرة على إدارة نظم غذائية متكاملة.
كما نتطلع أن تؤدي الجامعة دورًا تكامليًا، كمنصة تنسيق وطنية بين الجامعات والمراكز البحثية، ومظلة لتطوير برامج مشتركة، وأداة لرفع كفاءة النظام ككل، لا استنزافه. ويظل نجاح هذا النموذج مرهونًا بدراسة مقارنات مرجعية عن نشأة وتخصصات الجامعة التخصصية، مع حوكمة أكاديمية صارمة، تعزز الارتباط بالصناعة دون إخضاع المحتوى الأكاديمي لمنطق السوق وحده، مع اعتماد مؤشرات أداء تقيس الأثر الحقيقي لا الأرقام الشكلية.
الاستثمار في الإنسان كمدخل للنجاح
تُجمع التجارب الناجحة على أن أخطر ما يواجه مشروعات الجامعات الجديدة هو الاعتقاد بأن الجامعة تُبنى بالحجر قبل العقل. فالمسارات الأكثر نجاحًا بدأت ببناء فرق علمية قوية، وتطوير أعضاء هيئة التدريس، وإعادة تعريف دور الباحث باعتباره فاعلًا اقتصاديًا ومجتمعيًا، لا مجرد منتج أوراق علمية.
إشادة واعية ومسؤولية في التنفيذ
إن التوجه لإنشاء جامعة الغذاء يُحسب لصانع القرار، ويعكس إدراكًا متقدمًا لطبيعة تحديات المستقبل ومتطلبات الأمن الغذائي. غير أن النجاح الحقيقي يُقاس بقدرة هذا الكيان على إحداث فرق نوعي ومستدام في منظومة الغذاء الوطنية، دون إحداث فجوات أو ازدواجية أو تآكل غير مقصود في المُمكّنات القائمة.
فالطموح مشروع وضروري، لكن حمايته من الانحراف عن المسار عند التطبيق تتطلب منهجية دقيقة ونقاشًا هادئًا ونقدًا بنّاءً، ليس للتشكيك في الفكرة، بل لضمان ألا تتحول إلى فرصة ضائعة أخرى في سجل الفرص الكبرى.