ثمانون عامًا من العطاء
الإمام الطيب رمز العلم والسلام والوسطية
في الذكرى الـ80 لميلاد فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، تتجسد رحلة حياة تجاوزت مجرد السنوات لتصبح نموذجًا متكاملًا للعطاء العلمي والإنساني والدعوي، وُلد الطيب في 3 صفر 1365 هـ، الموافق 6 يناير 1946م، في مدينة القرنة بالأقصر، في بيئة صعيدية أصيلة تجمع بين الأصالة والتمسك بالقيم الدينية، لعائلة عريقة متجذرة في الأصالة الدينية.
تعلّم منذ نعومة أظافره، أن الإنسانية أساس كل علم وفعل، وأن العقل والقلب يجب أن يسيرا معًا في خدمة الناس، ونشأ نشأة صاغت وجدانه على القيم، وتوقير العلم، والانفتاح الإنساني، وفي ساحة الطيب التي جمعت القريب والغريب، تشكّل وعيه المبكر بأن الناس سواسية، وأن الرحمة أساس العمران.
تميزت مسيرة العالم الجليل، بأنه شاهد على التاريخ والحروب والأحداث الكبرى في مصر والعالم العربي؛ فقد عاش طفولته أثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وعاصر مرارة هزيمة 1967، وفرحة نصر 1973، ورأى الأزمات والحروب الممتدة من العراق إلى سوريا واليمن وليبيا، وحروب العصر الحديث.
ليكون قلبه واعيًا بمعاناة الشعوب ومرتاحًا لقيمة السلام والعدل، ويصف تجربته بقوله: «حياتي كلها لطف من الله»، ومقولة أخرى له تجسد فلسفته في الحياة: «لا يعلو الباطل إلا في غفلة الحق»، مشيرًا إلى أن مواجهة الظلم مسؤولية كل صاحب حق.
تولّى فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، خلال مسيرته، العديد من المناصب التي جمعت بين العلم والدعوة والعمل الإنساني، فهو شيخ الأزهر منذ 19 مارس 2010م، ورئيس هيئة كبار العلماء، ومجمع البحوث الإسلامية، والمجلس الأعلى للأزهر، والمنظمة العالمية لخريجي الأزهر، ويشرف على بيت الزكاة والصدقات المصري، لدعم الفقراء والمحتاجين منذ إنشائه عام 2014..
ويرأس فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر مجلس حكماء المسلمين منذ يوليو 2014م، سبق له أيضًا أن تولّى رئاسة جامعة الأزهر، وعمادة كلية الدراسات الإسلامية والعربية، ومنصب مفتي الديار المصرية، مسجّلًا آلاف الفتاوى، لتكون مسيرته نموذجًا للعلم والعمل والخدمة الإنسانية المتكاملة.
برزت الإنسانية العملية للإمام الأكبر في عدة مواقف ملهمة، أبرزها زيارته مسجد الروضة ببئر العبد بعد الهجوم الإرهابي، حيث أعاد إعمار المسجد، وقدم الدعم والمواساة لأمهات الشهداء وعائلات الضحايا، مؤكدًا أن دماء الأبرياء أمانة في أعناق الجميع، وأن الإرهاب لا دين له، كما تجلّت رؤيته الإنسانية في رعاية ذوي الهمم وتشجيع دمجهم في المجتمع، وفي دعم الشباب من خلال منتدى شباب صُنّاع السلام، إضافة إلى رعايته طلاب الأزهر، حفّاظ القرآن، والوافدين.
ولطالما كان الإمام الطيب قريبًا من الأطفال، يحتضنهم بابتسامة، ويستمع إلى أسئلتهم، ويشجعهم ويحفزهم على العلم والقيم الإنسانية، يلتقط الصور مع الأطفال، ويدخل البهجة في قلوبهم، ويصفق لتشجيع خطواتهم الأولى في حفظ القرآن وتعلم الدين والتفوق العلمي، مؤكّدًا أن تنشئة الجيل الصاعد على المعرفة والخلق الحميد واجب مقدس.
امتد عطاء شيخ الأزهر عالميًا بتوقيعه وثيقة الأخوة الإنسانية مع بابا الفاتيكان، إضافة إلى وثائق الأزهر لدعم القدس والحريات، لتكون هذه المبادرات ترجمة عملية لمبدأ أن الدين والتعليم الشرعي يجب أن يقترنا بالحوار والتعايش والسلام، مؤكّدًا أن العمل الفكري والدعوي للأزهر يمتد أثره ليشمل المجتمع والدين والعالم أجمع.
ظل فضيلة الإمام الأكبر داعمًا لحقوق المرأة، مستشهدًا في خطاباته بحديث الرسول الكريم "النساء شقائق الرجال"، ودائم الدعم للفقراء وذوي الحاجات، وطلاب الأزهر، وحفّاظ القرآن، والوافدين، كما حافظ على الدفاع عن القضية الفلسطينية وحقوق المستضعفين، رابطًا بين العمل الاجتماعي والخدمة الدينية، مؤكدًا أن خدمة الإنسان جزء لا يتجزأ من رسالة الأزهر الشريف.
ثمانون عامًا من الخير والعطاء، وما زال فضيلة الإمام الأكبر نموذجًا حيًا للعلم، والوسطية، والرحمة، والاعتدال، دعاؤنا له أن يحفظه الله، ويبارك جهوده، وأن تستمر مسيرته في بناء جيل واعٍ قادر على ربط الماضي بالحاضر، والعلم بالقيم، والدين بالإنسانية، وأن يظل الأزهر الشريف منارة للوسطية والسلام في عالم يحتاج إلى الرحمة والتعايش أكثر من أي وقت مضى.