اللواء أركان حرب محمد الشهاوي مستعيدا ذكريات النصر: الصواريخ الدخانية فاجأت العدو ومكنتنا من اقتحام النقاط الحصينة.. نجحنا في إفساد فعالية النابلم ومنظومات الاستطلاع الكيماوي والإشعاعي
بعد نكسة عام 1967 واحتلال سيناء، لجأ العدو الإسرائيلى إلى الحرب النفسية والتضخيم الإعلامى ليشيّد أسطورة «الجيش الذى لا يُقهر»، فبنى من إشاعات الخوف ما يؤدى إلى تثبيط العزائم، وكان من أهم هذه الادعاءات أن الخطر الأكبر يكمن فى منظومة أنابيب نابالم حارق مدفونة على امتداد الضفة الشرقية لقناة السويس، زاعمين أنها قادرة بلمحة واحدة على تحويل المياه إلى جحيم ملتهب حال بدء أى عملية عبور.
إلا أن يقظة رجال الاستطلاع المصريين نقضت هذه الأوهام بتحديد مواقع تلك المواسير بدقة متناهية، فباشر سلاح المهندسين ابتكار مادة خاصة تمكّن رجال الصاعقة الأبطال من سدّ الفتحات وإبطال مفعولها قبل ساعات من اندلاع القتال، فبدت محاولات العدو لزرع الرعب عاجزة أمام التخطيط الفنى المتمرّس.
ولم يكتفِ المخطط المصرى بذلك، بل أضاف سلاح الحرب الكيماوية إلى ترسانة الدفاعات بابتكار مادة واقية توضع على ملابس الجنود وعلى القوارب العابرة للقناة، فتمنع الاشتعال وتحمى عناصر العبور من حرائق النابالم المحتملة، فكان هذا الجمع بين الاستطلاع والهندسة والعلوم الكيماوية عاملًا حاسمًا فى تحييد تهديدٍ بدا عظيمًا فى ظاهره.
وفى هذا السياق، أجرت «فيتو» لقاءً مع أحد أبطال سلاح الحرب الكيماوية، اللواء أ.ح د. محمد الشهاوي، رئيس أركان سلاح الحرب الكيماوية الأسبق، ومستشار كلية القادة والأركان، وأحد أبطال حرب أكتوبر المجيدة.
بداية حدثنا عن تفاصيل مشاركتك فى حرب أكتوبر وكيف بدأت معركة العبور؟
شرفت بالاشتراك فى ملحمة العبور العظيمة، تلك الملحمة التى منحتنا – نحن الضباط والجنود – شرف تقديم الفكر والتخطيط تحت قيادة حكيمة استطاعت أن تُسقط أسطورة الأمن الإسرائيلي، وتُحطم ذراعه الطولى المتمثلة فى قواته الجوية، فقد تمكن الطيران المصري بنحو ٢٢٠ طائرة مختلفة الطرازات، من عبور قناة السويس على ارتفاع منخفض، ليُدكّ حصون العدو وتمركزاته، ويُدمّر مطاراته، بينما تصدّى الدفاع الجوى ببسالة لكل طائرة إسرائيلية حاولت اختراق القناة، لقد كان التمهيد النيرانى الكثيف بركانًا هادرًا من اللهب، حوّل الضفة الشرقية إلى جحيم مشتعل يلتهم أوهام التفوق الإسرائيلي.
وفى غضون ست ساعات فقط نجحنا فى عبور القناة، وفى ستة أيام استطعنا أن نهزم إسرائيل هزيمةً مدوّية، بفضل تلاحم الشعب المصرى العظيم مع قواته المسلحة ووقوفه صفًا واحدًا خلفها، وأثبتت العبقرية العسكرية المصرية، رغم محدودية الإمكانات، أنها قادرة بعقيدتها الصلبة وإيمانها العميق بعدالة قضيتها على قهر أحدث الوسائل والأسلحة المتطورة التى كانت بحوزة العدو الإسرائيلي”.
نريد معرفة المزيد حول دور سلاح الحرب الكيماوية فى المعركة؟
الحرب الكيماوية لعبت دورًا وقائيًا ومحوريًا فى المعركة من خلال إعداد وتأهيل القوات بشكل جيد وتزويدها بكافة وسائل الحماية اللازمة، ورغم الإجراءات الاستباقية التى اتخذتها القوات المسلحة قبل العبور، كانت هناك استعدادات احترازية تحسبًا لاحتمال استخدام العدو لأسلحة الدمار الشامل من كيماوية أو نووية أو بيولوجية، شملت توفير منظومات للاستطلاع الكيميائى والإشعاعى واتخاذ تدابير الحماية والوقاية قبل تنفيذ عملية العبور.
وكيف لعب سلاح الحرب الكيماوية دوره فى لحظات العبور؟
عبرنا القناة مع موجات العبور الأولى، واستطعنا تدمير النقاط القوية باستخدام قاذفات اللهب الخفيفة، كما قمنا بحجب الرؤية عن نقاط الملاحظة والمراقبة للعدو ووسائل قذائفه الموجهة والمضادة للدبابات عبر صواريخ دخانية أعمت العدو، فكانت بمثابة مفاجأة ميدانية مكنتنا من إتمام اقتحام النقاط الحصينة من دون أن تُكشف مواقع قواتنا، وبالإضافة إلى ذلك، ساهمت جهود سلاح الحرب الكيماوية فى إخفاء الكبارى الهيكلية والحقيقية من نيران العدو من خلال استخدام مولدات دخان آلية، مما عزز حماية عناصر العبور ومعداته أثناء التقدم.
كيف استطاعت الحرب الكيماوية التعامل مع أنابيب النابالم التى كان يخيف العدو بها قوات العبور؟
الجندى والضابط المصرى لا يرهبه الكلام، ورجال الحرب الكيماوية نجحوا فى إفساد فاعلية أنابيب النابلم، وهذا يعكس عبقرية التخطيط الجيد للمعركة، والتى أفشلت مخطط العدو الإسرائيلى بتحويل مياه القناة إلى كتلة من اللهب بارتفاع يصل إلى خمسة أمتار ودرجة حرارة تُقدّر بـ 700 درجة مئوية، وتم ابتكار مادة خاصة أُغلقت بواسطتها الفتحات التى كان العدو يعتزم صب المواد الحارقة من خلالها، ونفّذ ذلك الضفادع البشرية من الصاعقة قبل ساعات من ساعة الصفر، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل ابتكر رجال الحرب الكيماوية مادةً تعالج أفرولات الجنود وتُغطَّى بها القوارب المطاطية لتمنع الاشتعال أثناء العبور حال محاولة العدو تنفيذ مخططه، وهو ما فشل فى تحقيقه بفضل الإعداد والتخطيط الدقيق لمسرح العمليات السابق لساعة الصفر ولعملية العبور.
كيف استطاع المخطط المصرى أن يتغلب على حصون العدو وتقدمه فى مجال التسليح؟
قبل أن تبدأ حرب أكتوبر المجيدة، واجهتنا سلسلة من التحديات الجسيمة التى بدت فى ظاهرها مستحيلة، لكن العبقرية العسكرية المصرية، وبعونٍ من الله، تمكنت من التغلب على خطة العدو الإسرائيلية القائمة على استخدام النابالم على امتداد القناة، كما استطاعت التعامل مع كلاب الحراسة المدربة فى المواقع الحصينة على خط بارليف، وتجاوز الساتر الترابى الذى بلغ ارتفاعه نحو 22 مترًا، إضافة إلى الموانع المقامة فوقه، حيث نجحت قواتنا فى فتح الثغرات رغم تزويد العدو لدفاعاته بأحدث أجهزة الكشف الراداري.
وقد كان لخطّة الخداع الاستراتيجى التى انتهجتها الدولة بكامل مؤسساتها، وبدعم من القيادة السياسية آنذاك، فضلٌ كبير فى تحقيق عنصر المفاجأة، إذ أُحيطت عملية الحرب بسرية تامة من الجانب المصري، ما أسهم بقدرٍ عظيم فى صنع النصر الخالد.