144 عاما على مرسوم سبتمبر، هكذا جرد الخديوي توفيق مصر من جيشها الوطني
في مثل هذا اليوم من عام 1882م، أقدم الخديوي توفيق على واحدة من أكثر القرارات الخطيرة في تاريخ مصر الحديث، حيث أصدر مرسومًا رسميًا ُيلغي فيه الجيش المصري تمامًا، وذلك في أعقاب الهزيمة في معركة التل الكبير واحتلال القوات البريطانية للقاهرة، ليطوي بذلك صفحة العسكرية المصرية التي أسسها محمد علي باشا، ويدشن لمرحلة السيطرة الإنجليزية التامة على مقدرات البلاد.
كواليس انتقام الخديوي من مشروع أحمد عرابي
يعتبر مرسوم حل الجيش قرارًا سياسيًا وانتقاميًا بالدرجة الأولى؛ فبعد فشل الثورة العرابية التي قادها أحمد عرابي وضباط الجيش ضد الاستبداد والدخل الأجنبي، اعتبر الخديوي توفيق أن الجيش المصري بات يشكل تهديدًا مباشرًا لعرشه.
وبإيعاز وضغط مباشرين من قائد القوات البريطانية الجنرال سير جارنت جولدسبري، أقر الخديوي توفيق حل العسكرية المصرية وتسريح جميع الضباط والجنود الذين شاركوا في الثورة العرابية، مع تجريدهم من رتبهم ونياشينهم ومحاكمتهم، ليترك البلاد بلا قوة عسكرية وطنية تحمي حدودها أو تدافع عن سيادتها.
إعادة التأسيس تحت قبضة اللورد كرومر
عقب صدور المرسوم، أصبحت مصر بلا جيش لعدة أشهر، قبل أن يعاد تشكيل قوة عسكرية جديدة عام 1883م تحت الإشراف المباشر للاحتلال البريطاني؛ حيث تم تحجيم عدد الجيش ليكون رمزيًا لا يتجاوز بضعة آلاف، وتعيين ضابط بريطاني على رأس قيادته، مع تجريده من أي عقيدة قتالية وطنية وتكليفه فقط بمهام حفظ الأمن الداخلي لحماية مصالح سلطة الاحتلال والعرش.
ماذا بعد المرسوم؟ المأساة التي هزت الوجدان المصري
ترك قرار حل الجيش آثارًا كارثية على كافة الأصعدة، حيث أصبحت الحدود المصرية، لا سيما في جنوب السودان، عرضة للانهيار، وهو ما ظهر جليًا لاحقًا خلال اندلاع الثورة المهدية، بخلاف التنكيل بالضباط الوطنيين، إذ جرى تسريح آلاف الضباط والجنود ونفيهم أو تقديمهم لمحاكمات صورية، وعلى رأسهم أحمد عرابي ورفاقه، ليتم ترسيخ الاحتلال، بعد أن ضمنت بريطانيا بقاءها العسكري والسياسي في مصر لعقود طويلة دون وجود قوة وطنية قادرة على المواجهة الميدانية بعد أن كانت القوات المسلحة جيش إقليمي بمقاييس عالمية شيده محمد علي وبناه المصريون بعرقهم.
ورغم التضحيات والانتكاسة الكبرى التي تلقتها العسكرية المصرية في ذلك التاريخ، إلا أن ذاكرة الوطنية المصرية ظلت تحتفظ بروح الجيش الوطني، والتي أعادت صياغة ذاتها مجددًا عبر عقود من النضال حافلة بالمحطات المفصلية، ليظل درس "مرسوم سبتمبر" شاهدًا على أن تصفية السلاح الوطني كانت دايمًا أولى خطوات سلب الإرادة والسيادة الوطنية.