فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

كنيسة أبو فانا الأثرية، صلوات وقرون من الصمت حفظت ذاكرة الرهبنة في صحراء ملوي

البابا تواضروس
البابا تواضروس

في قلب الصحراء الغربية، بالقرب من قصر هور غرب ملوي بمحافظة المنيا، تقف كنيسة القديس آفا ڤيني الأثرية شاهدة على فصل طويل من تاريخ الرهبنة القبطية في مصر؛ جدران قديمة، وأعمدة، وقباب حملت آثار الزمن، ورسومات فريسكا تتوسطها الصلبان بأشكال متعددة، لتبقى الكنيسة واحدة من أبرز الشواهد على ازدهار الحياة الرهبانية في صعيد مصر منذ القرون الأولى للمسيحية.

دير أبو فانا

وترتبط الكنيسة بتاريخ دير أبو فانا، أحد المواقع الرهبانية القديمة في منطقة ملوي، والذي تعود جذور الرهبنة فيه إلى القرن الرابع الميلادي، حيث ارتبط المكان بحياة القديس آفا ڤيني، أحد رهبان الصحراء الذين عاشوا حياة الوحدة والتقشف. ومع اتساع التجمع الرهباني حول المكان، أصبحت الكنيسة مركزا للصلاة والاجتماع، قبل أن تمر المنطقة على مدى قرون بمراحل مختلفة من الازدهار والتراجع.

وتحمل جدران الكنيسة قيمة فنية لافتة، خاصة ما يتعلق بالرسومات الجدارية القديمة التي نفذت بطريقة الفريسكا، إلى جانب الانتشار اللافت للصلبان المرسومة داخلها، وهو ما ارتبط بتسمية الدير في بعض المصادر التاريخية بـ«دير الصليب». وقد لفتت هذه الزخارف اهتمام الباحثين والآثاريين الذين درسوا عمارة الدير وما تبقى من منشآته القديمة.

ولم تكن الكنيسة مبنى منفصلا عن الحياة التي دارت حولها، فالكشوف الأثرية في محيطها أظهرت وجود بقايا لمنشآت مرتبطة بالحياة اليومية للرهبان، بما يعكس طبيعة المجمع الرهباني الذي نشأ في هذه المنطقة الصحراوية. وتشير المصادر إلى أن الدير كان في إحدى فترات ازدهاره يضم عددا كبيرا من الرهبان، حتى تجاوز عددهم ألف راهب بحسب روايات تاريخية، قبل أن تتراجع الحياة الرهبانية فيه تدريجيا وتبدأ الرمال في تغطية أجزاء واسعة من الموقع.

وكانت الرمال واحدة من أبرز التحديات التي واجهت بقايا الدير والكنيسة عبر الزمن، حتى غطت أجزاء كبيرة من الموقع. وفي العصر الحديث بدأت أعمال البحث والترميم بصورة أكثر انتظاما، وكان عام 1987 محطة مهمة مع بدء أعمال البعثة النمساوية بالتعاون مع هيئة الآثار المصرية، للكشف عن المباني القديمة والحفاظ على ما تبقى من العناصر المعمارية والفنية.

وفي السنوات الأخيرة، واجهت الكنيسة تحديا جديدا بعد انهيار جزء من جدارها الخلفي عام 2019 نتيجة تراكم الرمال وزحف الكثبان، لتبدأ أعمال إزالة الرمال والكشف عن أجزاء جديدة من الموقع، بينها قلايات للرهبان وآبار للمياه ومعاصر للزيتون ومطحن للحبوب وحصن من طابقين، وهي تفاصيل أضافت بعدا جديدا لفهم طبيعة الحياة التي كانت قائمة حول الكنيسة.

وتبرز قيمة كنيسة أبو فانا اليوم في أنها لا تقدم مجرد مبنى أثريا قديما، بل تحفظ داخل جدرانها صورة حية عن مرحلة مبكرة من تاريخ الرهبنة المصرية، حين كانت الصحراء المحيطة بملوي والأشمونين مساحة واسعة لانتشار حياة النسك والوحدة، وحين ارتبطت الكنيسة بالدير وبالحياة اليومية للرهبان، وظلت آثار تلك الحياة باقية رغم ما تعرض له المكان من عوامل طبيعية وتاريخية.

ومن هذا المنظور، جاءت أهمية الكنيسة بالنسبة إلى البابا تواضروس الثاني، الذي وصف وجود كنيسة بهذا الإبداع المعماري والفني من تلك العصور بأنه دليل على حيوية الكنيسة القبطية وعراقة التاريخ المصري، مشيرا إلى أن الآثار المسيحية تختلف في طبيعتها عن المعابد القديمة من حيث ارتباطها بحياة البشر، إذ ظلت الأديرة والكنائس مأهولة بالرهبان والمصلين في فترات طويلة، وكان وجودهم عاملا أساسيا في رعايتها والحفاظ عليها.

وفي ختام أعمال الترميم، افتتح قداسة البابا تواضروس الثاني الكنيسة الأثرية بدير القديس آفا ڤيني، لتعود الكنيسة إلى الواجهة من جديد بعد رحلة طويلة من الصمت والرمال والترميم، حاملة معها ذاكرة قرون من الصلاة والرهبنة والفن القبطي في قلب صحراء ملوي.