اغتيال أقطاي على يد أيبك، الليلة التي حسمت صراع السلطة ودشنت دولة المماليك
في مثل هذا اليوم من عام 1254 ميلادية، شهدت قلعة الجبل بالقاهرة فصلًا دمويًا حاسمًا في تاريخ مصر الإسلامية؛ حيث التفت الحيلة بالسياسة ليتخلص السلطان عز الدين أيبك من غريمه القوي ومنافسه الشرس الأمير فارس الدين أقطاي، ليطوي بذلك صفحة الصراع الداخلي المحتدم، وتتوطد أركان دولة المماليك الصالحية على عرش مصر بصورة ممتدة.
كواليس الصراع.. تغول "البحرية" واستعلاء أقطاي
لم يكن الخلاف بين عز الدين أيبك وفارس الدين أقطاي مجرد تنافس شخصي على الألقاب، بل كان صراعًا على رأس السلطة الفعلية لإدارة البلاد، فبعد مقتل توران شاه وانتقال الحكم شكليًا إلى شجر الدر ثم لأيبك، برز أقطاي كقائد قوي لـ "المماليك البحرية"، واستبد بالنفوذ داخل القاهرة حتى أصبح يتصرف كحاكم فعلي؛ يفرض المكوس، ويستعلي على السلطان أيبك نفسه، ويشاركه في الموكب والسلطة.
زاد الطين بلة حين أقدم أقطاي على خطوة استفزازية بحسم خياراته للزواج من ابنة صاحب حماة (الملك المظفر)، واشتراطه أن تسكن بالقصر السلطاني بالقلعة، مما اعتبره أيبك إعلانًا صريحًا لإزاحته وتجريده من بقايا سلطته التنفيذية.
كمين القلعة.. كواليس مقتل اقطاي
أدرك أيبك أن استمرار أقطاي يعني حتمية زواله، فنسج بالتعاون مع مملوكه المقرب سيف الدين قطز خطة محكمة لاستدراج غريمه. استدعي أقطاي إلى قلعة الجبل بحجة المشورة في أمور الدولة ودخول زفافه، وبمجرد دخوله صحن القلعة وإغلاق الأبواب خلفه دون مماليكه، انهال عليه قطز ومجموعة من المماليك المعزية بالسيوف حتى قتلوه.
وعندما تجمهر مماليك أقطاي عند أسوار القلعة بزعامة ركن الدين بيبرس وقلاوون مطالبين برؤية زعيمهم، أُلقي إليهم برأس أقطاي من أعلى الأسوار، مما أحدث صدمة مدوية أربكت صفوفهم، وأجبرت كبار قادة المماليك البحرية على الفرار ليلًا نحو الشام، ليتنفس أيبك الصعداء ويستقر له حكم مصر بلا منازع.
مصير أيبك بعد مقتل أقطاي
لم تدم فرحة أيبك بالنصر الطويل؛ فدماء أقطاي التي خضبت صحن القلعة لم تفتح له أبواب الأمان، بل دشن بها معركة جديدة من الشك والريبة عاشها طيلة ثلاث سنوات فقط هي كل ما تبقى له من العمر، حيث توفي عام 1257م بعد أن تحول أيبك إلى حاكم مطارد بهواجسه؛ يخشى انتقام المماليك البحرية الفارين في الشام بقيادة بيبرس من جهة، وينام بعين واحدة تخوفًا من كيد زوجته شجر الدر من جهة أخرى، بعدما أدركت أن رجلها الذي ساندته بات يسعى للتخلص من نفوذها والانفراد بعرش مصر.
وجاءت نهاية أيبك سينمائية لا تقل دراما وغدرًا عن نهاية غريمه أقطاي؛ فبعد أن أعلن خطبته من ابنة بدر الدين لؤلؤ حاكم الموصل لتأمين حلف عسكري، اعتبرت شجر الدر الخطوة خيانة عظمى وإعلان حرب شخصية عليها.
أعدت الملكة مكرها بالليل، واستدرجت أيبك إلى القصر السلطاني بحمام القلعة، وهناك انهال عليه غلمانها المتآمرون بالضرب والخنق وهو يصيح مستغيثًا حتى فارق الحياة. ليُقتل أيبك بنفس الممر وبذات القلعة التي قتل فيها أقطاي، تاركًا خلفه عرشًا ممرغًا بالدماء وشبكة صراعات معقدة مهدت الطريق لاحقًا لظهور سيف الدين قطز على رأس السلطة.