زي النهاردة عام 1171م، زوال الدولة الفاطمية وعودة مصر للخلافة العباسية
في 17 سبتمبر من عام 1171م شهدت مصر تحولًا تاريخيًا وسياسيًا فارقًا؛ حيث أُعلن رسميًا عن نهاية الدولة الفاطمية التي استمرت أكثر من قرنين من الزمان، وعادت مصر إلى الخلافة العباسية في بغداد، على يد الناصر صلاح الدين الأيوبي، وذلك عشية وفاة آخر الخلفاء الفاطميين العاضد لدين الله.
كواليس العودة لـ الدولة العباسية
جاء هذا التغيير التاريخي في خضم صراع حاد شهدته مصر أواخر العصر الفاطمي؛ حيث كانت البلاد تعاني من ضعف الخلفاء واستبداد الوزراء، بالتوازي مع تهديدات الصليبيين المستمرة لاقتطاع مصر. وكان نور الدين محمود، حاكم الشام، قد أرسل جيشه بقيادة أسد الدين شيركوه وبصحبته ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي لإنقاذ مصر وتوحيد الجبهة الإسلامية.
عقب وفاة شيركوه، تولى صلاح الدين الوزارة للخليفة الفاطمي العاضد لدين الله، واستطاع بحنكة سياسية وعسكرية إحكام قبضته على مفاصل الدولة. ومع استمرار مرض الخليفة العاضد واشتداده عليه، اتخذ صلاح الدين خطوة حاسمة بقطع الخطبة للخليفة الفاطمي في مساجد الفسطاط والقاهرة، وإعادة الدعاء للخليفة العباسي المستضيء بأمر الله على منابر مصر في أول جمعة من شهر محرم سنة 567
رحيل العاضد ونهاية عصر الفاطميين
لم يلبث الخليفة الفاطمي الأخير، العاضد لدين الله، أن توفي بعد أيام قليلة من قطع الخطبة عنه دون أن يعلم بحقيقة ما جرى على المنابر لشدة مرضه، ليتوفى عن عمر ناهز الحادية والعشرين عامًا.
وبوفاته، أغلق دفتر حكم الدولة الفاطمية في مصر (969 - 1171م)، ودخلت البلاد مرحلة جديدة تحولت فيها من مركز لدولة فاطمية منافسة للعباسيين إلى النواة الأولى لتأسيس الدولة الأيوبية، والتي قادت لاحقًا حركة تحرير بلاد الشام ومواجهة الحملات الصليبية، معلنةً حطين وتحرير بيت المقدس.
وحسب خبراء في التاريخ، هذا التحول لم يكن وليد المصادفة، بل جاء جراء سلسلة طويلة من المناورات السياسية الذكية التي أدارها صلاح الدين الأيوبي منذ توليه الوزارة عام 1169م، حيث استغل حالة التفكك والتصارع الداخلي بين أمراء القصر الفاطمي، فبدأ بتفكيك مراكز النفوذ والميلشيات المقربة من العرش تدريجيًا، وأحكم سيطرته على المؤسسات المالية والعسكرية في القاهرة.
وفي الوقت نفسه، استمال القضاة والعلماء ووجه أئمة المساجد للتهيؤ للتحول المذهبي، مع حرصه على عدم مواجهة الخليفة العاضد لدين الله بشكل مباشر تفاديًا لاندلاع أي قلاقل شعبية داخل العاصمة المحصنة.
ردود الأفعال في بغداد والشرق على عودة مصر للعباسيين
أحدث نبأ عودة مصر إلى أحضان الخلافة العباسية صدىً هائلًا في أرجاء العالم الإسلامي؛ حيث عمّت الفرحة العارمة أروقة بغداد، وأمر الخليفة العباسي المستضيء بأمر الله بخلع الهدايا على نور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي، ودعي لهما على منابر العراق والشام، لأنها كانت خطوة إستراتيجية فارقة نجحت في توحيد الشام ومصر تحت راية واحدة ومذهب رسمي متجانس، مما أنهى الانقسام التاريخي الذي أثمر لاحقًا عن تحشيد الطاقات الإسلامية وكسر شوكة القوة الصليبية في معركة حطين.