أبو شقة: قانون الإجراءات الجنائية الجديد لا يحرم المتهم من توكيل محامٍ وقوة الدولة تكمن في ممارسة سلطاتها
حالة من الجدل أثيرت خلال الأيام القليلة الماضية حول مواد مشروع قانون الإجراءات الجنائية الجديد المزمع تطبيقه في أول أكتوبر القادم، منها ما يتعلق بضبط المتهم المطلوب على ذمة قضايا متعددة هل من حقه توكيل محامٍ وقت الضبط أم لا، وما الضمانات التي تكفل له حرية التقاضي أمام جهات التحقيق.
هذه الأسئلة وغيرها أجاب عنها المستشار بهاء الدين أبو شقة في تصريحات خاصة لفيتو قائلا إنه لا يجوز حرمان المواطن من حقوقه الدستورية بقانون عادي، ولا يجوز الانتقاص من أصل هذه الحقوق أو جوهرها، وإنما يجوز تنظيم ممارستها في الحدود التي رسمها الدستور، والمتهم تحديدًا لا يفقد حقوقه الدستورية بمجرد أن أصبح موضع اتهام؛ بل إن مرحلة الاتهام هي أكثر المراحل التي تتأكد فيها الحاجة إلى تلك الضمانات.

هل يمكن للمواطن أن يُحرم من حقوقه الدستورية؟
وقال إن الدستور هو القانون الأعلى، والقانون لا يملك أن يهدم ما قرره الدستور من حقوق وحريات، وإنما يملك فقط أن ينظم كيفية ممارستها، بشرط ألا يمس أصل الحق أو جوهره.
وأشار أبو شقة إلى أن هذا ما أكدته المادة 92 من الدستور صراحة بقولها: «الحقوق والحريات اللصيقة بشخص المواطن لا تقبل تعطيلًا ولا انتقاصًا. ولا يجوز لأي قانون ينظم ممارسة الحقوق والحريات أن يقيدها بما يمس أصلها وجوهرها».
وأوضح أنه تتأكد هذه القاعدة في المجال الجنائي بصفة خاصة؛ لأن المتهم، بمجرد توجيه الاتهام إليه، لا يفقد صفته كمواطن ولا يسقط عنه ما كفله له الدستور من حقوق.
حق المتهم في توكيل محامٍ في القضايا المختلفة؟
ولفت أبو شقة الى أن ما أثير عن حرمان المتهم من توكيل محامٍ في القانون الجديد غير صحيحا قائلا “لا يجوز القول إن قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 يحرم المتهم من حقه في توكيل محامٍ؛ فهذا الحق أصلٌ من أصول الدفاع، كفله الدستور صراحة، ولم يجعل الاستعانة بالمحامي منحة يجوز سلبها عن المتهم متى شاء المشرع”، موضحا أن المادة 98 من الدستور نصت على أن: «حق الدفاع أصالة أو بالوكالة مكفول»، كما أكدت المادة 96 أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية عادلة تكفل له ضمانات الدفاع عن نفسه.
القانون الجديد لا ينتزع حق المتهم في توكيل محامٍ
وجاء قانون الإجراءات الجنائية الجديد مؤكدًا لهذا الأصل، فنص في المادة 105 على أنه لا يجوز لعضو النيابة العامة استجواب المتهم أو مواجهته بغيره من المتهمين أو الشهود إلا في حضور محاميه، فإذا لم يكن له محامٍ، أو لم يحضر محاميه بعد دعوته، وجب على المحقق أن يندب له محاميًا.
وأشار بهاء أبو شقة إلى أن القانون قرر في المادة 70 حق المتهم ومحاميه في حضور إجراءات التحقيق، وأجاز لهما تقديم الدفوع والطلبات والملاحظات، فضلًا عن الضمانات المتعلقة بالاطلاع على أوراق التحقيق والحصول على صور منها في الحدود التي رسمها القانون.
وشدد بهاء أبو شقة على أنه لا يتوقف الأمر عند مرحلة التحقيق؛ فقد حرص القانون كذلك على عدم ترك المتهم بغير دفاع في الحالات التي تستوجب وجود محامٍ، فأوجب ندب محامٍ للمتهم في الجنايات إذا لم يكن قد وكل محاميًا، كما أوجب ندب محامٍ في الجنح التي يجوز فيها الحبس وفق الضوابط التي حددها القانون.
ومن ثم فإن عدم قدرة المتهم على توكيل محامٍ لا تعني سقوط حقه في الدفاع، وإنما يرتب في الحالات التي أوجب فيها القانون ذلك تدخل جهة التحقيق أو المحكمة لندب محامٍ له.
المتهم بريء حتى تثبت إدانته
وأكد أبو شقة أن المادة 96 نصت على أن «المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية عادلة، تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه»، كما كفلت المادة 98 حق الدفاع أصالة أو بالوكالة، وقررت المادة 54 ضمانات جوهرية لمن تقيد حريته، من بينها تمكينه من الاتصال بمحاميه فورًا، وعدم بدء التحقيق معه إلا في حضور محاميه، فإن لم يكن له محامٍ نُدب له محامٍ.
ومن ثم، فإن قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025، شأنه شأن أي قانون عادي، لا يجوز أن يُفسر أو يُطبق على نحو ينتقص من هذه الضمانات الدستورية. فالمشرع يستطيع أن ينظم الحق، لكنه لا يستطيع أن يصادره؛ ويستطيع أن يضع له إجراءات وضوابط، لكنه لا يستطيع أن يجعل هذه الإجراءات وسيلة لإفراغ الحق من مضمونه.

هناك فارق جوهري بين تنظيم الحقوق والانتقاص منها
وأوضح المستشار بهاء الدين أبو شقة أن الفارق هنا دقيق ولكنه جوهري؛ فتنظيم الحق يعني وضع القواعد التي تكفل ممارسته بصورة منضبطة، أما الانتقاص منه فيعني أن يصبح الحق موجودًا في النص، لكنه معطل أو صوري في الواقع.
ولذلك فإن أي نص إجرائي يجب أن يُقرأ دائمًا في ضوء الدستور، وألا يتحول ما يسمى «تنظيمًا للحق» إلى وسيلة للالتفاف عليه.
قوة الدولة ليست في مواجهة المتهم بل قدرتها على ممارسة سلطاتها
ولفت المستشار بهاء أبو شقة إلى أن الحقيقة أن قوة الدولة لا تظهر في قدرتها على مواجهة المتهم وحدها، وإنما في قدرتها على ممارسة سلطتها في إطار القانون والدستور؛ فالدولة التي تحمي حق المتهم في الدفاع لا تحمي المتهم وحده، وإنما تحمي العدالة نفسها من أن تتحول من ميزان للحق إلى مجرد أداة للعقاب.
لا يجوز حرمان المواطن من حقوقه الدستورية
لا يجوز حرمان المواطن من حقوقه الدستورية بقانون عادي، ولا يجوز الانتقاص من أصل هذه الحقوق أو جوهرها، وإنما يجوز تنظيم ممارستها في الحدود التي رسمها الدستور. والمتهم تحديدًا لا يفقد حقوقه الدستورية بمجرد أن أصبح موضع اتهام؛ بل إن مرحلة الاتهام هي أكثر المراحل التي تتأكد فيها الحاجة إلى تلك الضمانات.
هناك إجراءات ترتبط بالظروف الاستثنائية
إلا أن أبو شقة عاد وقال إن القانون وضع بعض الاستثناءات الإجرائية المرتبطة بظروف استثنائية محددة، ومنها الحالات التي تتوافر فيها ضرورة عاجلة يحددها القانون، وهو ما يجب فهمه في نطاقه الضيق دون أن يتحول الاستثناء إلى أصل أو إلى وسيلة لتجاوز الضمانة الدستورية. فالأصل هو حضور المحامي، والاستثناء لا يقاس عليه ولا يجوز التوسع فيه بما يؤدي إلى إهدار حق الدفاع.
ومن هنا، فإن المسألة ليست في أن المتهم «سيُحرم من المحامي»، وإنما في مدى كفاية الضمانات التي أحاط بها القانون ممارسة هذا الحق، ومدى التزام سلطات التحقيق والمحاكمة بها عمليًا. فوجود النص وحده لا يكفي إذا تحولت ضمانة الدفاع إلى مجرد حضور شكلي لا يستطيع المحامي معه الاطلاع أو المناقشة أو إبداء الطلبات والدفوع بصورة حقيقية.
وأوضح أبو شقة أن الخلاصة أن المتهم لا يفقد حقه في توكيل محامٍ بسبب الاتهام، ولا يجوز للقانون العادي أن يصادر أصل هذا الحق الدستوري؛ وإنما ينظم القانون كيفية ممارسته، ويُلزم في الحالات التي حددها بندب محامٍ عند عدم وجود محامٍ موكل. ويبقى التحدي الحقيقي هو ضمان أن يكون الدفاع حقيقيًا وفعالًا، لا مجرد وجود محامٍ في الأوراق.