ذكرى استقالة مناحم بيجن، هكذا كسرت حرب لبنان «رجل إسرائيل الحديدي»
في مثل هذا اليوم من عام 1983، دخلت إسرائيل واحدة من أكثر اللحظات غموضًا في تاريخها السياسي، بعدما وضع رئيس الوزراء مناحم بيجن نهاية مفاجئة لمسيرته في الحكم، معلنًا انسحابه من الحياة السياسية في أعقاب سنوات عاصفة امتزجت فيها الانتصارات السياسية بالحروب والأزمات والانتقادات الداخلية.
من هو مناحم بيجن ؟
ولد مناحم بيجن عام 1913، وتطور سياسيا حتى أصبح قائد حركة «إيتسل» قبل قيام إسرائيل، ثم أصبح زعيمًا لحركة حيروت والليكود، قبل أن يصل إلى رئاسة الحكومة عام 1977. وتصفه الكنيست بأنه رئيس وزراء إسرائيل خلال الفترة من 1977 إلى 1983.
وخلال سنوات حكمه، حقق بيجن ما اعتبره مؤيدوه تحولًا استراتيجيًا تاريخيًا عندما وقع مع مصر معاهدة السلام عام 1979، بعد مفاوضات كامب ديفيد. إلا أن سياسته لم تخل من ملفات شديدة الصدام، وعلى رأسها الاستيطان في الأراضي الفلسطينية، ثم الحرب في لبنان.
وفي السادس من يونيو 1982، أطلقت إسرائيل عملية «سلامة الجليل» التي تحولت إلى حرب لبنان الأولى. وكان الهدف المعلن إبعاد القوات الفلسطينية المسلحة عن مدى الصواريخ بالنسبة للمستوطنات الإسرائيلية في الشمال، لكن العملية تطورت إلى حرب واسعة وصلت فيها القوات الإسرائيلية إلى بيروت.
ومع امتداد الحرب، تصاعد الجدل داخل إسرائيل بشأن نتائجها وتكلفتها البشرية والسياسية. وزادت أزمة الحكومة بعد أحداث مخيمي صبرا وشاتيلا في بيروت عام 1982، والتي قادت إلى تشكيل لجنة كاهان للتحقيق، وانتهت إلى توصية بإبعاد وزير الدفاع أرييل شارون عن منصبه.
وفي الوقت نفسه، كان بيجن نفسه يواجه عبئًا شخصيًا ونفسيًا متزايدًا. وتشير المصادر الرسمية الإسرائيلية إلى أن الحرب وتداعياتها سببت له معاناة نفسية شديدة، بينما شكل تدهور حالته الصحية عاملًا إضافيًا في نهاية عهده.
كواليس استقالة مناحم بيجن
وفي 28 أغسطس 1983 أعلن بيجن عزمه على الاستقالة والاعتزال السياسي، ثم قدم استقالته رسميًا في 15 سبتمبر. ولم يكشف عن سبب محدد، كما أنه ابتعد بعدها عن الحياة العامة ورفض لسنوات الخوض في دوافع قراره أو التعليق على القضايا السياسية.
وتكتسب استقالة بيجن أهميتها من التناقض الكبير في مسيرته السياسية، فالرجل الذي عرفته إسرائيل لعقود باعتباره مقاتلًا وزعيمًا يمينيًا صارمًا، هو نفسه الذي وقع مع مصر اتفاق سلام تاريخيًا، وحصل مع الرئيس أنور السادات على جائزة نوبل للسلام.
لكن سنواته الأخيرة في الحكم كشفت الوجه الآخر لهذه التجربة، حرب لبنان، والخلافات السياسية الداخلية، والانتقادات المتزايدة، ثم الانسحاب المفاجئ من السلطة.
وتشير سجلات مركز بيجن إلى أن الرجل، بعد استقالته، انزوى بصورة شبه كاملة داخل منزله في القدس، ولم يعد إلى ممارسة الحياة السياسية، وبقي بعيدًا عن الأضواء حتى وفاته عام 1992.
ولهذا ظلت استقالته واحدة من أكثر اللحظات إثارة للتساؤلات في التاريخ السياسي الإسرائيلي: هل كان السبب الحرب وتداعياتها؟ أم تدهور حالته الصحية؟ أم وفاة زوجته إليزا والصدمة النفسية التي تعرض لها؟ أم مزيج من كل ذلك؟
لم يسقط مناحم بيجن في انتخابات، ولم تتم الإطاحة به بانقلاب سياسي؛ بل اختار بنفسه أن يغادر المشهد في لحظة بدا فيها أن أعباء السلطة والحرب والسنوات الثقيلة قد تجاوزت قدرته على الاستمرار.