زي النهارده 1916، ظهور الدبابات لأول مرة، الوحوش الحديدية التي كسرت الخنادق وغيرت مفاهيم المعارك
في مثل هذا اليوم من عام 1916، شهدت جبهات القتال معركة السوم بشمال فرنسا تحولًا تاريخيا في تاريخ العقيدة العسكرية؛ حيث أدخل الجيش البريطاني لأول مرة في التاريخ، السلاح المدرع الجديد المسمى "الدبابة " إلى ساحة المعركة، ليقطع أوهام حرب الخنادق الاستنزافية ويكسر جمود المواجهات النظامية بين الإمبراطورية البريطانية والجيش الألماني خلال الحرب العالمية الأولى.
قصة ميلاد الدبابات في الحروب
عاشت الجبهة الغربية للحرب العالمية الأولى حالة من العجز الميداني الكامل بين عامي 1914 و1916؛ إذ تحولت المعارك إلى سجن من الخنادق، والأسلاك الشائكة، والرشاشات الثقيلة، وحصدت المدافع أرواح الملايين دون تحقيق أي تقدم استراتيجي يذكر. وأمام الخسائر البشرية الفادحة التي تلقتها القوات البريطانية والفرنسية في معركة السوم التي اندلعت في يوليو 1916، بزغت الحاجة الماسة لابتكار آلة عسكرية مصفحة قادرة على اختراق سواتر الخنادق، وتحمل كثافة النيران، وتمهيد الطريق لعبور المشاة.
بدأ مشروع تطوير هذه الآلة بفضل جهود ونفوذ وينستون تشرشل وكان حينها وزيرًا للبحرية البريطانية الذي أنشأ لجنة السفن البرية لبحث تحويل المكتسبات الصناعية إلى سلاح حسم أرضي.
ولضمان السرية المطلقة ومنع المخابرات الألمانية من اكتشاف المشروع، أطلق على الآلات المصفحة اسم "خزانات المياه" أو "Tanks"، وأُشيع أنها صهاريج مخصصة لنقل المياه للجيش البريطاني في روسيا والمشرق، وأُنتجت الدبابة الأولى بفئتين "الذكر" المزودة بمدافع و"الأنثى" المزودة برشاشات ثقيلة، واعتمدت على جنزير فريد يلتف حول الهيكل لتمكينها من تسلق المرتفعات واجتياز الخنادق الضيقة.
وفي صبيحة 15 سبتمبر 1916، دفع القائد البريطاني السير دوجلاس هيج بـ 49 دبابة من طراز "Mark I" في معركة فليرز كورسيليت ورغم أن المشاكل الميكانيكية تسببت في تعطل معظمها ولم تصل سوى 9 دبابات فقط لخطوط المواجهة المباشرة، إلا أن أثرها النفسي والتكتيكي كان هائلًا، حيث ذُهلت القوات الألمانية عند رؤية الوحوش الفولاذية وهي تتسلق الخنادق وتسحق الأسلاك الشائكة دون أن تؤثر فيها الرصاصات التقليدية، إذ نجحت الدبابات القليلة في اختراق الدفاعات الألمانية وتحقيق تقدم سريع بحد أدنى من الخسائر البشرية مقارنة بالهجمات السابقة.
حروب الدبابات، إعادة صياغة الحروب الحديثة
أثبت السلاح الجديد نجاحه الإستراتيجي رغم العيوب الفنية الأولى. وسرعان ما اندلعت سباقات التسلح بين الدول العظمى لتطوير الأسلحة المدرعة؛ حيث طورت فرنسا دباباتها الخاصة (Renault FT) التي وضعت المعيار الحديث للبرج المائل المتأرجح، بينما أسرعت ألمانيا لتدارك التأخر التكنولوجي وتطوير آلياتها المصفحة.
وتحولت "الدبابة" منذ ذلك التاريخ إلى العمود الفقري للجيوش الحديثة، والركيزة الأساسية لاستراتيجيات الحرب الخاطفة التي رسمت ملامح الحرب العالمية الثانية وتكتيكات الصراعات المعاصرة.