فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

بيانات غاضبة واتهامات بسيطرة الناصريين واليسار.. ماذا يحدث داخل الحركة المدنية؟

الحركة المدنية الديمقراطية
الحركة المدنية الديمقراطية

بعد سنوات من العمل كإطار جامع لعدد من أحزاب المعارضة المدنية، تدخل “الحركة المدنية الديمقراطية” مرحلة جديدة من إعادة ترتيب البيت الداخلي، في محاولة لاستعادة حضورها السياسي بعد سلسلة من الخلافات التي انتهت بتجميد أحزاب لعضويتها، وفتحت الباب أمام انتقادات حادة بشأن طريقة إدارة الحركة وتوازناتها الداخلية.

إعادة الهيكلة الجديدة لم تمر بهدوء، فبينما ترى قيادات داخل الحركة أن ما جرى يمثل محاولة جادة لتجديد الدماء وتصحيح المسار، ترى أطراف أخرى أن التشكيل الجديد يعاني من اختلال في التمثيل، وتحديدًا لصالح التيارين الناصري واليساري، على حساب التيار الليبرالي، فضلًا عن اعتراضات على طريقة التعامل مع الأحزاب التي جمدت عضويتها.

إلغاء مجلس الأمناء وتصعيد جيل الشباب

وبحسب بيان الحركة، تقرر إلغاء “مجلس الأمناء” الذي كان يضم شخصيات عامة، واستبداله بلجنة تنفيذية، مع اتجاه واضح نحو تصعيد جيل الشباب في المواقع القيادية.

كما جرى اختيار المهندس أكرم إسماعيل، الذي يشغل موقع منسق الاتصال السياسي بحزب “العيش والحرية” تحت التأسيس، منسقًا عامًا جديدًا للحركة، مع استمرار النقاشات بشأن استكمال تشكيل اللجنة التنفيذية بما يعبر عن مكونات الحركة الحالية وأي قوى أو شخصيات عامة قد تنضم إليها مستقبلًا.

ويرى إسماعيل أن إعادة الهيكلة تستهدف استعادة زخم الحركة وإعادة تقديمها للجمهور باعتبارها كيانًا معارضًا، من خلال أنشطة وفعاليات جديدة، إلى جانب توسيع دائرة التشاور السياسي مع شخصيات عامة من خارج الحركة، معتبرًا أن تصعيد الشباب إلى مواقع القيادة يمكن أن يمنح الحركة دفعة سياسية جديدة.

أزمة «قصر قرطام» وراء إعادة ترتيب البيت الداخلي

إعادة الهيكلة جاءت بعد سلسلة من الأزمات الداخلية، كان أبرزها ما عُرف بأزمة “قصر قرطام”، التي بدأت بعدما أصدرت الحركة في مايو الماضي بيانًا رفضت فيه هدم قصر على النيل مملوك لرئيس حزب المحافظين رجل الأعمال أكمل قرطام.

الحركة ربطت آنذاك قضية القصر، الذي قالت الحكومة إنه مخالف لإجراءات البناء، بقضايا جماهيرية عامة، قبل أن تتراجع لاحقًا عن موقفها وتعتذر وتسحب البيان في أعقاب الانتقادات التي تعرضت لها.

وتطور الخلاف بعد ذلك إلى إعلان أحزاب المصري الديمقراطي الاجتماعي والإصلاح والتنمية والعدل، ثم المحافظين، تجميد عضويتها في الحركة، قبل تشكيل لجنة في يونيو الماضي لفحص المقترحات الخاصة بتطوير الأداء السياسي والتنظيمي.

حزب الدستور: اختلال واضح لصالح الناصريين واليسار

من أبرز الأصوات المعترضة على التشكيل الجديد،  حزب الدستور، الذي أعلن احترامه لدور الحركة وتاريخها، لكنه تحفظ بشكل واضح على تركيبة المكتب التنفيذي.

وقالت الدكتورة وفاء صبري، رئيسة الحزب وعضو أحزاب الحركة المدنية: إن الاعتراض الأساسي يتعلق بغياب التنسيق ووجود “اختلال واضح في التمثيل السياسي”، معتبرة أن التشكيل يغلب عليه تمثيل التيارين الناصري واليساري، مقابل تمثيل غير ملائم للتيار الليبرالي، بما لا يعكس التنوع الموجود داخل الحركة.

ولم يتوقف اعتراض الحزب عند التمثيل السياسي، إذ انتقد أيضًا أسلوب التعامل مع الأحزاب التي جمدت نشاطها، معتبرًا أن الإعلان عن استبعادها يحمل قدرًا من الإقصاء، ولا يتناسب مع طبيعة الحركة باعتبارها إطارًا جامعًا للقوى المدنية والديمقراطية.

كما طالب الحزب بوجود تمثيل واضح لأمانة الشباب داخل المكتب التنفيذي، على أن يتم اختيار ممثليها بالتنسيق مع أعضاء الأمانة والاستماع إلى رؤيتهم.

الكرامة يرد: الحديث عن هيمنة الناصريين واليسار غير صحيح

في المقابل، يرفض المهندس محمد سامي، رئيس حزب الكرامة، الاتهامات المتعلقة بسيطرة الناصريين واليسار على التشكيل الجديد.

وقال سامي: إن المكتب التنفيذي يضم مؤسسي الحركة الذين وقعوا بيانها التأسيسي الأول، إلى جانب حزب الدستور وحزب المحافظين، معتبرًا أن التشكيل الحالي يستند إلى تركيبة الحركة وتطورها منذ تأسيسها.

ويرى رئيس حزب الكرامة أن اختيار أكرم إسماعيل قد يدفع البعض إلى اعتباره محسوبًا على التيار اليساري، لكنه شدد على أن ذلك لا يعني وجود توجه لاستبعاد الأحزاب الليبرالية أو أي تيارات أخرى.

وبحسب سامي، فإن الحديث عن إقصاء تيارات سياسية لا يعكس حقيقة التوازنات داخل الحركة، مؤكدًا أن تشكيل المكتب التنفيذي لم يستهدف إبعاد أي طرف.

خلافات شخصية أم أزمة سياسية؟

جانب آخر من الأزمة يتعلق بطبيعة الخلافات التي شهدتها الحركة خلال الفترة الأخيرة.

محمد سامي يرى أن هناك “خلطًا شديدًا” بين المنازعات الشخصية وبين توجهات الحركة السياسية، معتبرًا أن بعض الخلافات الشخصية جرى إقحام الحركة فيها رغم عدم ارتباطها بأهدافها أو مواقفها.

وأشار تحديدًا إلى ما وصفه بإقحام أكمل قرطام للحركة المدنية في سجال ذي طابع شخصي، مؤكدًا أن مثل هذه الخلافات لا ينبغي أن تتحول إلى أزمات داخل الكيان المعارض.

المصري الديمقراطي: لسنا في معركة مع الحركة

أما الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، الذي كان واحدًا من الأحزاب السبعة المؤسسة للحركة قبل تجميد نشاطه، فقد اختار في بيانه الأخير التأكيد على تاريخ الحركة ودوره فيها، مع توضيح أسباب موقفه الحالي.

الحزب ذكّر بأنه كان من بين القوى المؤسسة للحركة، وأن الأحزاب المؤسسة تحملت جانبًا كبيرًا من معارك المعارضة في ملفات مهمة، من بينها اتفاقية تيران وصنافير والتعديلات الدستورية.

كما أكد أن الهدف الأساسي من تأسيس الحركة كان جمع القوى الديمقراطية المدنية المصرية في إطار سياسي مشترك، وتقديم بديل عن السلطة القائمة وجماعة الإخوان المسلمين.

“نعمل معًا فيما نتفق عليه”.. رؤية المصري الديمقراطي

جوهر الخلاف بالنسبة للمصري الديمقراطي الاجتماعي يرتبط، وفق بيانه، بطريقة إدارة الائتلاف نفسه.

فالحزب يرى أن الحركة باعتبارها ائتلافًا يضم أحزابًا مختلفة في برامجها وطبيعتها، يجب أن تقوم على التوافق والعمل المشترك في الملفات المتفق عليها، مع ترك مساحة لكل طرف للعمل بشكل مستقل في القضايا التي يختلفون حولها.

وأكد الحزب أنه ظل على تواصل مع مكونات الحركة حتى بعد تجميد نشاطه، وشارك في أنشطة مشتركة، كما دعم مواقفها في مجلس أمناء الحوار الوطني وملفات المحبوسين احتياطيًا والمحكوم عليهم في قضايا الرأي.

وفي رسالة لافتة، أوضح الحزب أنه لم يطلب العودة إلى الحركة، لكنه ربط أي عودة بإعادة بناء الحركة على قاعدة «نعمل معًا فيما نتفق حوله، ويعمل كل منا منفردًا فيما نختلف حوله».

حزب الدستور يطالب بسحب بيان إعادة الهيكلة

الاعتراضات لم تقتصر على الانتقاد السياسي، إذ قدم حزب الدستور مجموعة مطالب محددة، في مقدمتها سحب بيان إعادة الهيكلة وإعادة صياغته بما يحافظ على وحدة الحركة واحترام مكوناتها، وإلغاء أي عبارات تحمل معنى الإقصاء أو استبعاد الأحزاب.

وطالب الحزب كذلك بعرض البيانات والتشكيلات الأساسية على الأمانة العامة قبل اعتمادها أو نشرها، وإعادة النظر في تشكيل المكتب التنفيذي لضمان تمثيل متوازن للتيارات المختلفة، وعلى رأسها التيار الليبرالي والمدني.

كما دعا إلى الالتزام بالآلية المتفق عليها لإعداد التشكيل، والاستفادة من دور أكرم إسماعيل للوصول إلى صيغة أكثر توازنًا وتوافقًا، مع فتح حوار مؤسسي جاد بين مختلف مكونات الحركة.

هل تنجح الحركة في تجاوز الانقسام؟

 تبدو إعادة هيكلة الحركة المدنية الديمقراطية محاولة لإعادة ترتيب صفوف كيان سياسي واجه خلال الفترة الأخيرة خلافات أضعفت تماسكه وأثارت أسئلة حول قدرته على الاستمرار كإطار جامع للمعارضة المدنية.

ففي الوقت الذي تراهن فيه القيادة الجديدة على الشباب وتوسيع دائرة المشاركة واستعادة النشاط السياسي، تضع اعتراضات حزب الدستور وموقف المصري الديمقراطي الاجتماعي تحديًا أساسيًا أمام عملية إعادة البناء، بشكل يهدد حفاظ الحركة على  تنوعها السياسي.