زي النهارده 1970، القصة الكاملة لأحداث أيلول الأسود، الصدام الدامي الذي اقتلع جذور المقاومة الفلسطينية من الأردن
في مثل هذا اليوم من عام 1970، أعلن الجيش العربي الأردني فرض حظر التجوال الشامل وتشكيل حكومة عسكرية، لتبدأ أشرس مواجهة مسلحة في تاريخ البلاد الحديث بين القوات المسلحة وفصائل المقاومة الفلسطينية؛ وهي المواجهات الدموية التي أُطلق عليها تاريخيًا "أحداث أيلول الأسود"، وراحت ضحيتها آلاف الأرواح، وغيرت معها مستقبل العمل الفلسطيني المسلح في المنطقة.
أسباب اندلاع المواجهة بين الجيش الأردني والمقاومة الفلسطينية
لم يندلع الصدام وليد تصرف فردي، بل جاء نتاج تراكمات أمنية وسياسية معقدة أعقبت هزيمة يونيو 1967، حيث تحولت المدن الأردنية وعلى رأسها عمان وعجلون إلى قواعد عسكرية وشعبية للفدائيين، مما خلق حالة من صراع سيادة مزدوج بين الحكومة الأردنية الساعية لفرض القانون، وفصائل المقاومة التي أقامت أجهزة أمنية ومحاكم خاصة بها خارج سلطة الدولة.
وبلغت الأزمة ذروتها في سبتمبر 1970 حين أقدمت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين على اختطاف ثلاث طائرات مدنية دولية وأجبرتها على الهبوط اضطراريًا في مدرج "داوسون" بمدينة الزرقاء، ثم تفجيرها أمام وسائل الإعلام؛ وهو الخط الأحمر الذي اعتبرته عمان تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي وسيادتها، وأسقط آخر محاولات الوساطة للحل السياسي.
كواليس الصراع بين الأردن والمقاومة الفلسطينية
أصدر الملك حسين أوامره للجيش بتحريك مدرعاته وتطهير العاصمة والمناطق المتاخمة، وخوض حرب شوارع ضد تحصينات المقاومة، ورغم دخول وساطات عربية تقودها مصر برئاسة الرئيس جمال عبد الناصر للتوصل إلى اتفاق يوقف نزيف الدماء، لكن الصراع اندلع واستمر القتال حتى صيف 1971، وأسفر عن إخراج الفصائل الفلسطينية بالكامل من الأردن، لتنتقل المقاومة إلى الأراضي اللبنانية.
وعقب حسم المواجهة وتفكيك البنية العسكرية للفصائل الفلسطينية، دخلت العلاقة بين النظام الأردني والمقاومة الفلسطينية مرحلة من الجفاء السياسي والرقابة الأمنية المشددة التي استمرت لسنوات طويلة، حيث أعادت عمان صياغة مفهوم عقيدتها الوطنية على قاعدة فرض سيادة الدولة المطلقة ومنع قيام أي كيانات موازية داخل حدودها، مما حوّل الساحة الأردنية إلى منطقة محظورة على العمل الفدائي المسلح.
موقف العرب والعالم من أحداث أيلول الأسود
تسببت أحداث أيلول الأسود في انقسام حاد في المواقف العربية والدولية؛ على الصعيد العربي، اتخذت الصومال وسوريا والعراق وتونس موقفًا رافضًا وشديد الهجوم على عمان، واعتبرت ما جرى ضربة موجهة لجوهر القضية الفلسطينية، وهو ما تجسد في التدخل العسكري السوري المحدود لدعم الفدائيين.
بينما اتخذت مصر والخليج موقفًا متوازنًا سعى لوقف نزيف الدماء والحفاظ على كيان الدولة الأردنية دون تصفية المقاومة، وهو ما أثمر عن قمة القاهرة الطارئة بزعامة جمال عبد الناصر، وعلى المستوى الدولي، أبدت واشنطن وعواصم الغرب تفهمًا كاملًا للإجراءات الأردنية بوصفها حماية للاستقرار الإقليمي ومنعًا لسقوط حليف استراتيجي، في حين اكتفى الاتحاد السوفيتي بالدعوة للتهدئة وتجنب التصعيد.
علاقة الأردن والمقاومة بعد أحداث أيلول الأسود
تركت أحداث أيلول الأسود جرحًا سياسيًا عميقًا لدى قيادة منظمة التحرير، واتجهت الفصائل نحو تخوين النظام الأردني، قبل أن تحكم العلاقة لاحقًا قواعد الواقعية السياسية، والتي تجسدت في الاقتصار على التمثيل الدبلوماسي الحذر والمشروط برعاية الأجهزة الأمنية.