موقع "إل سولي 24 أوري" الإيطالي: الأزمة اليمنية تتحول إلى قضية أوروبية
كشفت سيطرة الحوثيين على باب المندب، وعلى مدن هامة تقع عند مدخل البحر الأحمر مثل مدينة المخا، إلى عن سيناريوهات جديدة لأزمة بحرية، تجبر الاتحاد الأوروبي على مراجعة نهجه السياسي والتعاوني تجاه اليمن، حيث يؤثر ما يحدث اليوم في هذه المنطقة بشكل مباشر على أمن خطوط الملاحة التي تربط المحيط الهندي بالبحر الأبيض المتوسط، وعلى أمن الطاقة الأوروبي.
وبعيدا عن التفسيرات العسكرية والروايات التي قدمتها الأطراف المعنية، فإن الحقيقة ذات الأهمية الاستراتيجية واضحة، وهي أن مركز ثقل الصراع اليمني يتحول نحو أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، وأن مدينة مثل المخا ليست مجرد مدينة ساحلية يمنية تطل على ممر بحري يقع في الطرف الجنوبي للبحر الأحمر، بحسب نقرير نشره موقع "إل سولي 24 أوري" الإيطالي المتخصص في الشؤون المالية والاقتصادية.
وتكتسب مدينة المخا، بحسب التقرير الذي كتبه مؤسس ورئيس جمعية الصداقة اليمنية- الإيطالية أرحاب محمد السرحي، أهمية تفوق حجمها بكثير؛ حيث تقع المدينة على الساحل المؤدي مباشرة إلى باب المندب والجزر التي تهيمن جغرافيا على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. لذا، لا يقتصر الأمر على مجرد التساؤل عمن يسيطر على مدينة معينة أو موقع عسكري، ولكن السؤال الأهم هو: ما هو التوازن الأمني الذي سيتشكل على طول الساحل الشرقي لباب المندب؟
خطر تركز الأزمات
يقول أرحاب: لسنوات عديدة، تعامل المجتمع الدولي مع مختلف القضايا الإقليمية كمسائل منفصلة مثل اليمن، وأمن الخليج، وإيران، والبحر الأحمر، والقرن الأفريقي؛ لكن هذا التمييز بات غير واقعي على نحو متزايد. فطرق الطاقة والتجارة تربط هذه القضايا ببعضها البعض بسرعة تفوق قدرة الدبلوماسية.
وقد زادت الصعوبات الحالية التي تواجه الملاحة في منطقة الخليج، وفق التقرير، من الأهمية الاستراتيجية لممر البحر الأحمر. وفي هذا السياق، يحمل أي غموض جديد يحيط بمضيق باب المندب أهمية دولية أكبر من ذي قبل. ولا يشترط تصور إغلاق المضيق بالكامل لفهم العواقب. ففي التجارة البحرية الدولية، قد يكون تصور المخاطرة بنفس أهمية المخاطرة نفسها. فزيادة التهديد المُتصور قد تؤدي إلى ارتفاع أقساط التأمين، وتغييرات في مسارات الشحن، وارتفاع تكاليف النقل، وإطالة أوقات التسليم، واتخاذ مالكي السفن قرارات بالإبحار حول أفريقيا عبر رأس الرجاء الصالحن على الرغم من آلاف الكيلومترات الإضافية التي تترجم حتما إلى تكاليف اقتصادية.
آليات داخلية متجذرة
ويقوا ارحاب: سيكون من الخطأ تفسير ما يحدث في اليمن من منظور التنافس الإقليمي فقط. فالصراع اليمني له آليات داخلية متجذرة، من خلال مؤسسات منقسمة، ومراكز قوة متعددة، ومشكلات اقتصادية، وتنافسات إقليمية وسياسية، فضلا عن أزمة إنسانية لا تزال تلحق أضرارا جسيمة بالسكان.
وفي الوقت نفسه، يصعب تجاهل حقيقة أن اليمن اليوم يقع في قلب نظام إقليمي أوسع بكثير، واعتبار ما يحدث على الساحل الغربي شأنا يمنيا بحتا سيكون على الأرجح خطأ أكبر؛ حيث يظهر تاريخ الشرق الأوسط أن قيمة أي منطقة لا تعتمد بالضرورة على مساحتها.
ويضيف الكاتب: بعض الأماكن تكتسب أهمية لأنها تتيح التأثير على ما يمر بها. وباب المندب يندرج ضمن هذه الفئة. إن السيطرة على السواحل والجزر والمناطق المحيطة بالمضيق، أو القدرة على ممارسة الضغط عليها، قد تترجم إلى شكل من أشكال النفوذ الاستراتيجي يفوق بكثير القيمة الاقتصادية المباشرة للمنطقة نفسها. وهذا العامل تحديدا هو ما ينبغي أن يلفت انتباه المجتمع الدولي، وخصوصا أوروبا.
يشدد التقرير على ضرورة أن يشمل الحل المستدام الإدارة العسكرية للأزمات الداخلية، ومنها الأزمة اليمينة، أمن السواحل، وتعزيز مؤسسات الدولة، وخفر السواحل، ومراقبة الموانئ، والمراقبة البحرية، والتعاون الإقليمي القادر على إشراك الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن.
هل يصبح اليمن جزءا من السياسة الأمنية الأوروبية؟
وبالنسبة لأوروبا، قد يكون الوقت قد حان للنظر إلى اليمن ليس فقط كمتلقي للمساعدات الإنسانية، بل كجزء من سياستها الأمنية البحرية، في ظل ارتباط تلك الأزمة بآسيا بالبحر الأبيض المتوسط وأوروبا، وفق مؤسس ورئيس جمعية الصداقة اليمنية- الإيطالية.
وويضيف أرحاب: إن ما يبدو اليوم معركةً على الساحل الغربي لليمن قد يكون في الواقع مؤشرا على مشكلة أوسع بكثير. كما أن مستقبل الأمن في البحر الأحمر سيعتمد على قدرة المجتمع الدولي على إدراك أن تحقيق الاستقرار في الممرات البحرية دون المساهمة في استقرار الدول المحيطة بها أمر بالغ الصعوبة.
ومن هذا المنطلق، لا تعد المخا منطقة هامشية بعيدة في الجغرافيا السياسية الأوروبية، بل هي إحدى المناطق التي يعاد فيها اليوم تعريف العلاقة بين الأمن الإقليمي والتجارة الدولية والتوازن الاستراتيجي في منطقة البحر الأبيض المتوسط الأوسع، بحسب أرحاب.