وزير الموارد المائية والري الأسبق الدكتور محمود أبو زيد لـ"فيتو": كل الخيارات مطروحة لحماية مياه النيل.. إثيوبيا لا تستطيع حجز المياه في سنوات الفيضان المرتفع.. ومصر لا تزال تملك أوراق ضغط مهمة
3 سدود إثيوبية جديدة تزيد الأزمة النيل تعقيدا
إسرائيل تقف وراء تضخم مشروع السد الإثيوبي من 14 إلى 74 مليار متر مكعب
انسحاب إثيوبيا من اتفاق سد النهضة جاء تحت ضغط إسرائيلي
كل مليار متر مكعب ينقص من المياه يهدد أكثر من 300 ألف فدان
نواجه عجزا مائيا يصل إلى 20 مليار متر مكعب سنويا
مفيض توشكى صمام أمان مصر ولم تتم الاستفادة منه بالشكل المطلوب
قناة جونجلي ومشروعات أخرى بالنيل الأزرق يمكن أن تضيف لحصة مصر 10 مليارات متر مكعب
البحث العلمي المائي يتراجع ومركز بحوث المياه يفقد مكانته
لم يكن الدكتور محمود أبو زيد مجرد وزير سابق للموارد المائية والري، بل أحد أبرز العقول التي شاركت في إدارة ملف المياه في مصر لسنوات طويلة، وشاهد عيان على تحولات كبرى شهدها نهر النيل وعلاقات مصر بدول حوضه، وبدايات التحركات الإثيوبية نحو بناء السدود على النيل الأزرق، ومنذ توليه مسؤولية وزارة الموارد المائية والري عام 1997 وحتى عام 2009، خاض أبو زيد مفاوضات فنية وسياسية مع دول حوض النيل، وتابع عن قرب المخططات الإثيوبية، وشارك في إدارة ملفات بالغة الحساسية تتعلق بحصة مصر المائية ومستقبل أمنها المائي.
وفي حوار موسع، يكشف وزير الري الأسبق لـ"فيتو" رؤيته لتطورات سد النهضة وحقيقة فيضان النيل خلال العام الجاري، وأخطر السيناريوهات التي يمكن أن تواجه مصر، وموقفه من إعلان إثيوبيا نيتها إنشاء 3 سدود جديدة، والدور الإسرائيلي في ملف مياه النيل، ويتحدث عن مفيض توشكى ومستقبل البحث العلمي المائي، ويوجه رسالة إلى الدولة للحفاظ على الأمن المائي المصري.
وإلى نص الحوار:
بداية، كيف ترى تطورات ملف سد النهضة وفيضان النيل خلال العام الجاري؟
فيضان النيل خلال العام الجاري سيكون أعلى من المتوسط، ولا يوجد تقلص في حصة مصر من مياه النيل، لا سيما أن الجانب الإثيوبي يقوم بتصريف كمية المياه المناسبة لتشغيل التوربينات المولدة للكهرباء، وخلال شهر أكتوبر المقبل سيظهر الوضع بشكل كامل، لكن حتى الآن لا توجد مؤشرات علمية أو شواهد تؤكد أن فيضان النيل هذا العام أقل من المتوسط، وعلى العكس، وفقا لما أراه فإن الفيضان فوق المتوسط.
هل هناك ما يدعو مصر للقلق حاليا بشأن حصتها من مياه النيل؟
طالما أن الفيضان فوق المتوسط أو مرتفع، لا تستطيع إثيوبيا حجز المياه كلها مهما كانت نواياها، لأنها لا تستطيع الاحتفاظ بكل هذه الكميات داخل الخزان، وعندما يكون خزان سد النهضة ممتلئا ستكون مضطرة لتصريف المياه الزائدة وتشغيل التوربينات، لكن الإشكالية الحقيقية ليست في سنوات الفيضان المرتفع، وإنما في حالة الفيضان المنخفض أو الجفاف الممتد، وهنا تظهر الخطورة الحقيقية على مصر والسودان.
ما السيناريوهات المتوقعة خلال الفترة المقبلة لحماية حقوق مصر المائية؟
المفاوضات مع إثيوبيا بشأن سد النهضة متوقفة حاليا، لكن ما ستفعله الدولة خلال السنوات المقبلة يتوقف بدرجة كبيرة على حجم الفيضانات، فإذا كانت منخفضة ستقوم إثيوبيا بتحديد كمية المياه التي يتم تصريفها لتشغيل التوربينات وما يتم الاحتفاظ به داخل خزان سد النهضة، وبالتالي يمكن أن تتأثر حصة مصر والسودان من المياه القادمة من إثيوبيا، ولذلك لا يجب أن ننتظر حتى يكون الفيضان منخفضا ثم نبحث عن حل، والمفترض أن يكون هناك اتفاق وبرنامج واضح يحدد كيفية التعامل مع الفيضانات المنخفضة والمتوسطة والعالية، ومصر تحاول من خلال التعامل مع الدول الصديقة التأثير على إثيوبيا للتوصل إلى حل، لكن المشكلة أننا كلما حاولنا التوصل إلى اتفاق يزداد العناد الإثيوبي، حتى وصل الأمر مؤخرا إلى إعلانها نيتها إنشاء 3 سدود جديدة، وهو ما يزيد الأمور تعقيدا.
هل تستطيع مصر وضع خطط مستقبلية واضحة دون اتفاق مع إثيوبيا؟
بدون اتفاق أو برامج وخطط مشتركة مع إثيوبيا سيكون من الصعب على مصر التنبؤ والعمل بخطط مستقبلية بعيدة المدى، لأن إدارة هذا الملف لا يمكن أن تعتمد على انتظار حدوث الأزمة ثم التعامل معها، وإنما يجب أن تكون هناك قواعد واضحة ومسبقة لكيفية تشغيل السد والتعامل مع مختلف الظروف المائية.
وماذا عن تشغيل توربينات سد النهضة؟
إثيوبيا فشلت في تشغيل جميع توربينات سد النهضة وعددها 16 توربينا، وما تم تشغيله أقل من العدد الكلي، وهذا له تفسيران، إما أن المياه القادمة لا تكفي لتشغيل جميع التوربينات، أو أن بعض التوربينات ليست في حالة تسمح بتشغيلها بسبب عدم إصلاحها أو صيانتها.
إثيوبيا أعلنت نيتها إنشاء 3 سدود جديدة، كيف تنظر إلى هذا الإعلان؟
إنشاء سد النهضة والإعلان عن إنشاء 3 سدود جديدة يمثلان أدوات للضغط على مصر، وهناك دول تساعد إثيوبيا في ذلك، لكن في الوقت نفسه إثيوبيا لديها استراتيجية قديمة، وهذه السدود الثلاثة كانت ضمن خطط موضوعة منذ الستينيات، وأي سد جديد يحتاج إلى سنوات حتى يبدأ إنشاؤه، وعندما تبدأ إثيوبيا العمل فعليا سيكون لدى مصر علم بذلك لأنها ترصد أي تحرك، ولا أعتقد أن مصر ستقف مكتوفة الأيدي أو تسمح بإنشاء سدود تؤثر على حصتها من مياه النيل، وبلا شك تدرس السيناريوهات المختلفة خاصة فيما يتعلق بكميات المياه التي يمكن استقطاعها في أوقات الفيضان المنخفض.
أين تكمن الخطورة الحقيقية في هذه السيناريوهات؟
الإشكالية الحقيقية تكمن في الجفاف الممتد، فطالما أن الفيضان مرتفع أو فوق المتوسط لا تستطيع إثيوبيا حجز كل المياه، لأنها ستكون مضطرة إلى تصريف المياه الزائدة، خاصة إذا كان الخزان ممتلئا، لكن مصر لا يجب أن تنتظر وقوع كارثة نتيجة إنشاء سدود جديدة أو حدوث جفاف ممتد، وإنما يجب الاستعداد المسبق ووضع السيناريوهات للتعامل مع كل الاحتمالات.
وماذا يمكن أن يحدث إذا دخلنا في جفاف ممتد؟
في حالة حدوث جفاف ممتد، قد تقوم إثيوبيا باستقطاع جزء كبير من حصة مصر والسودان، وهذه ستكون مشكلة كبيرة للغاية، وحينها سيكون أمام الدولة اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لحماية أمنها المائي وحقوقها، بما في ذلك جميع الخيارات والسيناريوهات المتاحة، ويظل التدخل العسكري آخر سيناريو يمكن اللجوء إليه، فمصر لا تقف مكتوفة الأيدي أمام ما تقوم به إثيوبيا، خاصة في ظل ثبات حصتها المائية وزيادة احتياجاتها بشكل مستمر، وأخطر هذه الزيادات بالطبع النمو السكاني، فنحن نزيد بنحو مليوني نسمة سنويا، وهذه إشكالية خطيرة للغاية.
كيف تستعد مصر لمواجهة زيادة الاحتياجات المائية؟
مصر لديها استراتيجية 2037 واستراتيجية 2050 للتعامل مع الاحتياجات المتزايدة، وهناك سيناريوهات مختلفة تم إعدادها للتعامل مع أي تطورات مستقبلية، ومنها سيناريوهات قام بها المجلس العربي للمياه، فلو زادت احتياجات مصر من المياه بنحو 5 مليارات متر مكعب سنويا، أو نقصت المياه الواردة من إثيوبيا بنحو 5 مليارات متر مكعب، فلكل حالة سيناريوهات للتعامل معها، لكن الأخطر أن يحدث الأمران في الوقت نفسه، زيادة الاحتياجات 5 مليارات ونقص الوارد من المياه 5 مليارات، وهنا ستكون المشكلة كبيرة للغاية.
وكيف يمكن مواجهة هذه الزيادة؟
مصر تعمل على تطوير نظم الري وترشيد استخدامات المياه والتوسع في تحلية مياه البحر، لكن هذه المشروعات تحتاج إلى وقت وهي ضخمة وتكلفتها كبيرة، والخطورة أن تتزامن زيادة الاحتياجات المائية مع قيام إثيوبيا بإجراءات تؤدي إلى استقطاع جزء من المياه، لا سيما في أوقات الفيضان المنخفض، أما في أوقات الفيضان فوق المتوسط أو المرتفع فلن تستطيع إثيوبيا تخفيض حصة مصر مهما كانت نواياها، لأنها لن تتمكن من حجز كل هذه المياه.
ما حجم التأثير الذي يمكن أن يحدثه نقص المياه على الزراعة المصرية؟
كل مليار متر مكعب ينقص من حصة مصر المائية ستكون له آثار خطيرة للغاية، إذ يمكن أن يترتب عليه بوار وفقدان آلاف الأفدنة الزراعية الخصبة، ويقدر الخبراء حجم التأثير بأكثر من 300 ألف فدان، وفي هذه الحالة ستضطر الدولة إلى زيادة استيراد المحاصيل الزراعية والغذائية لتغطية الفجوة، وهو ما يزيد الضغط على احتياطي النقد الأجنبي مع تراجع الإنتاج الزراعي المحلي، كما ستضطر إلى تقليل المساحات المنزرعة بالمحاصيل الشرهة للمياه مثل الأرز وقصب السكر، ويمكن في المقابل التوسع في زراعة البنجر وتحسين السلالات والأصناف وتقليل كميات المياه المستخدمة للحفاظ على توفير السكر باعتباره سلعة استراتيجية.
ما أسوأ سيناريو قد تواجهه مصر بسبب سد النهضة؟
في أسوأ سيناريوهات تشغيل سد النهضة، أستند إلى دراسة أعدها الدكتور خالد أبو زيد الخبير المائي، ووفقا لدورات الجفاف قد تخسر مصر ما بين نصف مليار و3 مليارات متر مكعب من المياه سنويا لمدة تصل إلى 15 عاما كل 100 عام، وهو ما قد يؤدي إلى انخفاض إنتاج الكهرباء من السد العالي بنسبة تتراوح بين 20 و40%، بإجمالي خسائر اقتصادية تتراوح بين 7 و14 مليار جنيه سنويا، كما ستكون هناك نتائج مباشرة على الزراعة تتمثل في عجز بإنتاج القمح يتراوح بين 250 ألف طن و1.25 مليون طن سنويا، وعجز في محصول الأرز يتراوح بين 72 ألفا و360 ألف طن سنويا، ما يضطر مصر إلى سد هذه الفجوة بالاستيراد بتكلفة اقتصادية تتراوح بين 4 و22 مليار جنيه سنويا.
هل تقف إسرائيل خلف مشروع سد النهضة؟
أعتقد ذلك، تل أبيب لديها هدفان، الأول الضغط على مصر والثاني الحصول على حصة من المياه، وقد سمعت أن إسرائيل طلبت خلال فترة الرئيس الراحل أنور السادات الحصول على حصة من مياه النيل، لكن لا أستطيع أن أجزم بصحة ذلك، وخلال فترة الرئيس الراحل حسني مبارك لم يتم طرح هذا الطلب على مصر أو الحديث عنه بشكل رسمي، لكنني أرى أن تل أبيب لديها رغبة بالفعل في الحصول على حصة من مياه النيل.
هناك من يطرح فكرة إعطاء إسرائيل حصة من مياه النيل، ما ردك؟
مصر لا تملك أن تعطي إسرائيل حصة من مياه النيل، لأننا بالفعل نستخدم كامل الحصة المائية المتاحة وهذه الحصة لا تكفي احتياجاتنا، لكن بعض دول حوض النيل تطرح من وقت إلى آخر فكرة بيع المياه، وإثيوبيا من بين الدول التي تثير هذا الأمر بين الحين والآخر.
كنت وزيرا للري في الفترة من 1997 إلى 2009، كيف كانت رؤية إثيوبيا لسد النهضة في ذلك الوقت؟
خلال فترة تولي مسؤولية وزارة الموارد المائية والري، كانت لدى إثيوبيا نية لبناء سد على النيل الأزرق، لكن المخطط لم يكن بالحجم الذي تم تنفيذه حاليا، إذ كانت أديس أبابا ترغب في بناء سد يحجز خلفه نحو 14 مليار متر مكعب فقط، بينما تصل سعة خزان سد النهضة حاليا إلى نحو 74 مليار متر مكعب، فضلا عن إعلان إثيوبيا رغبتها في بناء 3 سدود جديدة، وحجم السد الذي كانت تستهدفه في عصر الرئيس مبارك كان صغيرا ولم يكن يمكن أن يؤثر على مصر بالشكل الذي يمثله السد الحالي.
لماذا تغير حجم المشروع من 14 مليار متر مكعب إلى 74 مليار متر مكعب؟
إذا سألتني لماذا وصلت إثيوبيا بمستهدف ملء وتخزين السد إلى 74 مليار متر مكعب بعدما كان الهدف في أيام الرئيس مبارك نحو 14 مليار متر مكعب، فأنا أرى أن هناك تأثيرا من إسرائيل، وكان هناك دور وتأثير واضح لتل أبيب ضد المصالح المصرية في هذا الملف.
هل كان من الممكن التوصل إلى اتفاق مع إثيوبيا بشأن سد النهضة؟
كنا قريبين من مشروع اتفاق مع الجانب الإثيوبي بشأن سد النهضة خلال الولاية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لكن إثيوبيا انسحبت في اللحظات الأخيرة قبل التوقيع، وأرى أن ذلك جاء تحت ضغط إسرائيلي، بينما كانت واشنطن في ذلك التوقيت جادة في توقيع مصر وإثيوبيا والسودان على اتفاق يتعلق بأسس تشغيل سد النهضة تحت الظروف المختلفة.
هل لا تزال مصر تملك أوراق ضغط على إثيوبيا؟
بالتأكيد، مصر لا تزال تملك أوراقا لم تستخدمها بعد للضغط على إثيوبيا، وهناك أوراق تتعلق بالهيئات المختلفة داخل البنك الدولي وبنوك التنمية المختلفة، وكذلك الدول التي تساعد أديس أبابا وأهمها الولايات المتحدة الأمريكية.
وماذا عن بعض الدول العربية واستثماراتها في إثيوبيا؟
هناك دول عربية تدعم تمويل سد النهضة لأن لديها استثمارات كبيرة في إثيوبيا، وهذا يتم بشكل برجماتي لتحقيق مصالح اقتصادية، خاصة في مجال الزراعة، والمقصد بالنسبة لهذه الدول اقتصادي في المقام الأول بغض النظر عن الضرر الذي يمكن أن يقع على دولتي المصب مصر والسودان، لكن مصر بلا شك تثير هذا الموضوع مع تلك الدول.
كيف كانت الدولة المصرية تتابع التحركات الإثيوبية خلال فترة الرئيس مبارك؟
خلال فترة الرئيس مبارك، كانت كل أجهزة الدولة، بما فيها جهاز المخابرات، تتابع ما تقوم به إثيوبيا بشأن إنشاء السدود، وكانت المتابعة لصيقة للغاية، لكن حجم السد في ذلك الوقت لم يكن بالصورة الخطيرة التي تم تنفيذ المشروع عليها لاحقا، وعلى مستويات عالية تمت مناقشة كل السيناريوهات، بما فيها الحل العسكري حال فكرت إثيوبيا في بناء سد بهذا الحجم، ولم يكن الملف مجرد موضوع يطرح على مستوى مجلس الوزراء فقط، بل كانت هناك متابعة على مستويات أعلى.
خضت المفاوضات الفنية مع الجانب الإثيوبي، ما أكثر نقطة كانت تثير غضبك؟
خضت جميع المفاوضات الفنية مع الجانب الإثيوبي، وكان أكثر ما يغضبني ويتسبب في استيائي الشديد إصرارهم على عدم ذكر نص صريح يتعلق بحصة مصر المائية في نهر النيل، وأتحدث هنا عن المادة 14 الشهيرة في اتفاقية عنتيبي المتعلقة ببند الأمن المائي، إذ كانت مصر والسودان تصران على وضع الحقوق التاريخية والمائية في الاتفاقية بشكل واضح، بينما كانت دول أخرى ترفض ذلك، وكان هذا أحد أهم مجالات الخلاف.
هل ترى أن لإسرائيل دورا في مواقف بعض دول حوض النيل من اتفاقية عنتيبي؟
أرى أن موقف إثيوبيا وبعض دول حوض النيل في اتفاقية عنتيبي، خاصة فيما يتعلق بعدم ذكر حصة مصر والسودان بشكل صريح، جاء نتيجة ضغوط إسرائيلية واهتمام واضح بالتأثير على التوازنات داخل دول حوض النيل بما لا يخدم المصالح المصرية، لكن هناك دولا كانت مواقفها أكثر اعتدالا تجاه مصر مثل تنزانيا وكينيا وأوغندا.
لماذا كانت مواقف تنزانيا وكينيا وأوغندا أكثر اعتدالا؟
لأن مصر قدمت لهذه الدول مساعدات كبيرة جدا على مدار سنوات طويلة، وانظر إلى سد جوليوس نيريري في تنزانيا والدور المصري في إنشائه، وفي أوغندا وكينيا قامت مصر بحفر مئات الآبار وتنفيذ مشروعات لمقاومة الحشائش المائية، ولذلك كان من الطبيعي أن تكون مواقف هذه الدول أكثر اعتدالا، وخلال فترة الرئيس مبارك كان الدعم لهذه الدول هائلا، وكانت هناك يقظة للتحركات الإسرائيلية ضد المصالح المصرية في مياه النيل، على الأقل حتى نهاية فترتي في وزارة الري.
ماذا عن مفيض توشكى ودوره في حماية مصر؟
مفيض توشكى لم يتم استخدامه بالشكل الأفضل حتى الآن، ولم يتم توظيفه بالشكل الإيجابي المطلوب، فهو في الأساس أنشئ للتعامل مع الفيضانات العالية التي يمكن أن تؤثر على السد العالي أو جسور النيل أو الأراضي الزراعية، فإذا جاء الفيضان مرتفعا للغاية وكان الخزان ممتلئا ولا نستطيع تصريف سوى كمية معينة من المياه من السد العالي، فهنا تظهر الخطورة، وقد حدث في بعض السنوات أن جاء الفيضان مرتفعا وأثر على جسور النيل وأدى إلى غرق أراض، ولذلك فإن مفيض توشكى ومنخفضاته يمثلان مجالا لتصريف أي مياه زائدة قادمة.
هل تم إعداد خطة واضحة للتعامل مع أي فيضان خطير أو طارئ يتعلق بسد النهضة؟
لا أعتقد أنه تم تنفيذ خطة واضحة أو إعداد دراسة واضحة في مفيض توشكى للتعامل مع أي فيضان عال وخطير قادم من إثيوبيا، كما أرى أنه لم يتم اتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة للتعامل مع أي فيضان عال أو أي طارئ يمكن أن يحدث في سد النهضة، لا سيما فيما يتعلق بالسلامة الإنشائية للسد، والمفيض يمثل صمام الأمان للسد العالي ولنهر النيل ولمصر، ولذلك لابد من اتخاذ الإجراءات اللازمة بشأنه.
ما الذي كنتم تقترحونه لتطوير الاستفادة من منخفضات توشكى؟
كنا اقترحنا عمل فتحة في أحد منخفضات مفيض توشكى بحيث إذا زادت المياه وامتلأت جميع المنخفضات يمكن تصريف أي مياه إضافية إلى الوادي الجديد، ومن الممكن أيضا عمل موازنات على هذه المنخفضات لتصريف المياه، وليس بالضرورة فقط عند حدوث فيضان عال، وإنما عندما تحتوي المنخفضات على كميات كبيرة من المياه، وهذا لم يتم، ولا أعتقد أيضا أنه تمت دراسة التعامل مع هذه المنخفضات بشكل كاف في حالات الفيضانات المنخفضة، وأرى أن التعامل مع هذا الملف لم يتم دراسته جيدا من قبل المعنيين والأجهزة المختلفة.
كيف ترى دور السد العالي في حماية مصر بعد إنشاء سد النهضة؟
السد العالي حمى مصر، خاصة فيما يتعلق باستمرار الزراعة خلال الفيضانات المنخفضة بعد بناء سد النهضة الإثيوبي، وأتذكر أنه خلال فترة السبعينيات كان الفيضان منخفضا وتم تصريف كميات كبيرة من المياه المخزنة خلف السد العالي لتوفير الاحتياجات المائية اللازمة، وهذه واحدة من أهم المزايا الاستراتيجية للسد العالي، وهي حماية مصر من تقلبات الفيضانات وتوفير المياه في سنوات الشح.
هل يمكن لمصر الحصول على حصة إضافية من مياه النيل؟
بالطبع هناك مشروعات يمكن أن توفر لمصر والسودان كميات إضافية من المياه، فقناة جونجلي على سبيل المثال كانت ستعطي البلدين حصة إضافية، وهو أحد المشروعات التي توقفت ولا أعرف السبب الحقيقي وراء توقفه، كما أن قطاع مياه النيل التابع لوزارة الري لديه مشروعات مختلفة، وهناك فروع من النيل الأزرق يمكن أن يؤدي تنفيذ مشروعات عليها إلى توفير حصة إضافية من المياه، وقد تصل الكميات التي توفرها هذه المشروعات إلى نحو 10 مليارات متر مكعب.
وماذا عن نصيب الفرد من المياه في مصر حاليا؟
نصيب الفرد من المياه في مصر انخفض إلى أقل من 500 متر مكعب سنويا، أي أقل من نصف حد الفقر المائي، بعدما كان أكثر من 1000 متر مكعب في عام 2010، والعجز في الميزان المائي وصل إلى نحو 20 مليار متر مكعب سنويا وفقا لحصة مصر من مياه النيل واحتياجاتها، ويتم توفير جزء من هذا العجز من خلال مشروعات إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي.
هل يحصل البحث العلمي المائي حاليا على الاهتمام الكافي؟
من وجهة نظري، البحث العلمي المائي لا يحصل حاليا على الاهتمام الكافي، وأنا أشارك في مركز بحوث المياه والري بأكاديمية البحث العلمي وأرى أن الميزانيات ضعيفة جدا، ونسبة الإنفاق على البحث العلمي مقارنة بما تنفقه دول كثيرة ما زالت ضئيلة، وهو ما يحد من فرص التوصل إلى نتائج كبيرة وتنفيذ مشروعات بحثية مؤثرة.
بعد هذه الرحلة الطويلة في ملف المياه، ما رسالتك الأخيرة للدولة؟
رسالتي هي الاهتمام بشباب الباحثين وإعطاؤهم الفرصة وزيادة اعتمادات البحث العلمي، وأتمنى من أجهزة الدولة الحفاظ على الأمن المائي المصري حتى لا يكون هناك أي خطر يهدد حياة المصريين ومستقبلهم.
أشعر أن هناك غصة بداخلك وأنت تتحدث عن البحث العلمي المائي، لماذا؟
نعم، أشعر بغصة بالفعل، وأتمنى أن يأخذ المركز القومي لبحوث المياه وضعه الذي يستحقه، لأنه مؤسسة وصلت إلى مرحلة قوية جدا وكان لها اسم كبير في العالم كله من خلال الدراسات والأبحاث التي قدمتها، لكن هناك تقلصا في أعداد الباحثين بالمركز وتراجعا في أعداد البحوث، وهذا أمر يحزنني، وأتمنى أن يكون هناك اهتمام حقيقي بهذه المؤسسة وبالبحث العلمي المائي، لأن مصر تواجه تحديات مائية كبيرة ولن نستطيع مواجهة المستقبل إلا بالعلم والبحث والتخطيط، فالأمن المائي ليس مجرد ملف داخل وزارة، وإنما قضية أمن قومي ترتبط بحياة كل المصريين ومستقبل الدولة كلها.
نقلا عن العدد الورقي