خبر وتحليل
روسيا تحرك سفنها الحربية نحو مضيق تسوجارو في المحيط الهادئ، ما القصة؟
في وقت تتصاعد فيه التوترات في منطقتي آسيا والمحيط الهادئ، تبدو التحركات البحرية الروسية وكأنها رسالة ردع لفرض نفوذها العسكري؛ حيث أعلنت السلطات الروسية، اليوم الجمعة، مغادرة الفرقاطة الروسية "مارشال شابوشنيكوف"، والسفينة الروسية المضادة للغواصات "الأدميرال تريبوتس"، وناقلة الوقود "بيتشينجا" ميناء فلاديفوستوك لتنفيذ مهمة بحرية بعيدة المدى في هاتين المنطقتين.
وأوضح أسطول المحيط الهادئ الروسي في بيان أن السفن الحربية حملت على متنها مروحيات بحرية من طراز "كا-27"، واتخذت تشكيلا للإبحار، ثم توجهت نحو مضيق "تسوجارو"، بحسب وكالة "تاس" الروسية.
لماذا مضيق تسوجارو؟
مضيق تسوجارو هو قناة مائية تفصل بين جزيرتي هونشو وهوكايدو في شمال اليابان وتربط بين بحر اليابان والمحيط الهادئ، ويمثل أهمية استراتيجية وعسكرية فائقة لروسيا، حيث يعد أحد الممرات المائية الحيوية القليلة التي تمكن الأسطول الروسي في المحيط الهادئ من كسر طوق الجزر اليابانية والانتقال من بحر اليابان المغلق نسبيا إلى المياه المفتوحة للمحيط الهادئ، وفق تقرير نشرته مؤسسة "ذا بروسبكت فاونديشن" التايوانية المتخصص في شؤون السياسات الأمنية الدولية.

وبحسب وكالة "تاس"، أجرى بحارة أسطول المحيط الهادئ تدريبات على صد هجمات معادية -سواء كانت جوية أو تقليدية- باستخدام زوارق سريعة غير مأهولة.
وأضاف البيان أن "مجموعة السفن الحربية التابعة لأسطول المحيط الهادئ ستجري، في إطار الأنشطة المرتقبة، سلسلة من التدريبات البحرية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، كما ستقوم بزيارات إلى موانئ في دول صديقة"، لم يسمها.
كيف تتعامل اليابان مع التحركات الروسية في تسوجارو؟
يفصل مضيق "تسوجارو" بين جزيرة "هونشو" اليابانية الرئيسية وجزيرة "هوكايدو" الشمالية، وتثير التحركات الروسية –والصينية أيضا- قلق اليابان؛ حيث يكتسب المضيق أهمية استراتيجية لكونه يمثل بوابة تربط بين بحر اليابان وغرب المحيط الهادئ.
وعلى الرغم من أن عبور المضيق لا يشكل انتهاكا للمياه الإقليمية اليابانية أو مخالفة للقوانين البحرية الدولية، إلا أنه يؤدي إلى تزايد الشكوك اليابانية في ظل وجود نزاعات إقليمية لدى طوكيو مع كل من موسكو وبكين.
لماذا توسع موسكو انتشار أسطولها في المحيط الهادئ؟
وتأتي التحركات الروسية بعد أكثر من شهر من إعلان وزارة الدفاع الروسية أن قوات أسطول المحيط الهادئ الروسي نفذت انتشارا واسعا في بحر اليابان وبحر أوخوتسك ومياه الشرق الأقصى الروسي، ضمن مناورات عسكرية شارك فيها أكثر من 13 ألف جندي و60 سفينة وغواصة و30 طائرة ومروحية.
وتعكس هذه المناورات، وفق القراءة الروسية، تحولا من تدريبات الجاهزية التقليدية إلى استعراض لقدرات القيادة والسيطرة والانتشار السريع في واحدة من أكثر المناطق حساسية على الصعيد الجيوسياسي، خاصة مع تنامي الوجود العسكري الأمريكي وتوسيع شبكات التحالفات الأمنية في المحيط الهادئ.
هل تستهدف التحركات الروسية تطويق النفوذ الأمريكي؟
وبحسب مراقبين روسيين، تحمل التحركات الروسية رسالة سياسية وعسكرية واضحة بأن موسكو لن تسمح بتحول المحيط الهادئ إلى منطقة نفوذ أمريكية خالصة؛ حيث تنتهج واشنطن سياسة تقوم على عسكرة حلفائها وإغراقهم بالأسلحة الهجومية، وهو ما يدفع روسيا إلى تطوير قدراتها البحرية للحفاظ على ميزان الردع ومنع اختلاله.

ومن هذا المنطلق، لا تقتصر أهداف التحركات الروسية على اختبار الجاهزية القتالية، بل تشمل أيضا رفع كفاءة منظومات القيادة والسيطرة وتعزيز الوعي العملياتي، بما يسمح للقوات الروسية بالتعامل مع سيناريوهات المواجهة عالية الكثافة في بيئة بحرية معقدة.
كيف تقرأ واشنطن رسائل موسكو في المحيط الهادئ؟
ولا تبدو هذه التحركات الروسية منفصلة عن المشهد الأمني المتصاعد في آسيا والمحيطين الهندي والهادئ، حيث يتسابق الطرفان الروسي والأمريكي على تثبيت معادلات ردع جديدة في المنطقة.

ففي 3 أغسطس 2026، أكد قائد القيادة الأمريكية في المحيطين الهندي والهادئ صامويل بابارو أن الولايات المتحدة لن تسمح لأي قوة بفرض هيمنتها على منطقة المحيطين الهندي والهادئ، في رسالة فهمت بأنها موجهة إلى الصين وروسيا.
وأشار قائد القوات الأمريكية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، إلى أن المنطقة لا تزال تمثل "مركز الثقل الجيوسياسي والاقتصادي في العالم"، مضيفا أن "تصاعد التحديات الأمنية يجعل التعاون بين الحلفاء والشركاء أكثر أهمية من أي وقت مضى".