من خلع الأحذية بالمطارات إلى اختراق الهواتف، كيف حولت هجمات 11 سبتمبر العالم إلى سجن كبير
أعادت هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 تعريف مفهوم الأمن الإنساني، إذ في غضون أيام قليلة، انطوت صفحة عصر الانفتاح والعولمة التي سادت تسعينيات القرن الماضي، ليحل محلها جدار عازل من إجراءات التفتيش الصارمة، وقوانين الطوارئ الدائمة، وتقنيات التجسس العابرة للحدود، وانتقل العالم من مجتمعات الحرية الفردية إلى عصر الدولة الأمنية المطلقة، التي ترفع شعار الأمن الفوقي كشرط أساسي للبقاء.
وهم الأمان والعولمة بلا أسوار
قبل صبيحة 11 سبتمبر، كان العالم يعيش في نشوة انتهاء الحرب الباردة، ويحتفي بالحدود المفتوحة وحرية السفر والتبادل التجاري، تساهل أمني وإجراءات مرنة، وكانت المطارات الدولية تشهد إجراءات دخول وسفر مرنة؛ إذ لم تكن بروتوكولات التفتيش تتطلب خلع الأحذية أو المعاطف، أو فحص السوائل، وكانت الهويات تُراجع يدويا وبسطحية بالغة مقارنة باليوم.
وكانت العقيدة الأمنية للدول تعتمد على حماية الحدود من الجيوش النظامية والدول المنافسة، دون تصور حقيقي لإمكانية تحويل طائرات ركاب تجارية إلى صواريخ موجهة تضرب العواصم الكبرى من الداخل.
لكن في أعقاب الهجمات مباشرة، اتخذت واشنطن خطوات تشريعية وعسكرية أحدثت تأثيرًا كاسحًا امتد لكل عواصم العالم، حيث أقرت قانون باتريوت آكت، وهو قانون استثنائي يمنح الأجهزة الأمنية والاستخباراتية صلاحيات غير مسبوقة لمراقبة الاتصالات الهاتفية، وتتبع الحسابات البنكية، واختراق البريد الإلكتروني دون الحاجة لإذن قضائي تقليدي.
وأعلن الرئيس جورج بوش الابن نسخة جديدة من السياسة الخارجية تعتمد على تحييد المخاطر قبل وقوعها؛ حيث لم تعد واشنطن تنتظر وقوع الهجوم لتسترد حقها، بل أصبحت تمنح نفسها الحق في شن حروب استباقية ضد دول وجماعات تصنف كـ "تهديد محتمل"، وهو التأسيس الفكري لغزو العراق عام 2003.
تداعيات هجمات 11 سبتمبر مجتمعات تحت المراقبة الدائمة
تحولت بروتوكولات الاستثناء التي فرضتها أمريكا إلى معايير قياسية عالمية اعتمدتها غالبية الحكومات، وتأسست هيئات أمنية جديدة مثل إدارة أمن النقل الأمريكية TSA)، وبدأت تقنيات الماسحات الضوئية الكلية للجسد، والبصمات البيومترية، وتنسيق قوائم الحظر والمراقبة بين دول العالم.
وفتحت الهجمات الباب لتأسيس أنظمة مراقبة رقمية هائلة، تجسدت لاحقًا في برامج مثل "بريزم" (PRISM) التابع لوكالة الأمن القومي الأمريكية، والتي كشفت كيف أصبحت البيانات الشخصية لكل مستخدمي الإنترنت تحت المجهر الأمني.
وحسب كتاب "عصر رأسمالية المراقبة للبروفيسورة الأمريكية شوشانا زوبوف، كانت هجمات الحادي عشر من سبتمبر طوق النجاة لشركات التكنولوجيا وليدة اللحظة ومؤسسات الاستخبارات الأمريكية على حدٍّ سواء.
وأضافت: قبل الهجمات، كانت هناك اعتراضات قانونية وأخلاقية صارمة ضد جمع البيانات الشخصية للمواطنين ودراسة سلوكياتهم، لكن الصدمة جعلت الأولوية المطلقة تُمنح لمفهوم المعرفة الكلية الاستباقية، حيث ألغت الحكومة الأمريكية كل القيود المتعلقة بالخصوصية، وتحالفت الأجهزة الأمنية مع شركات التكنولوجيا الكبرى لوضع البنية التحتية لعصر المراقبة الشاملة، وأصبح تتبع المواقع الإلكترونية، وسجل المكالمات، والرسائل، يبرر علنًا بوصفه الضريبة الضرورية للحفاظ على السلامة العامة ومنع هجمات جديدة".
وحسب دراسة بعنوان مفهوم الاستثناء والدولة الأمنية" للمفكر السياسي الأمريكي جورجيو أجامبين، النتيجة الأكثر خطورة لهجمات 11 سبتمبر لا تتمثل في الحروب الخارجية فحسب، بل في تحويل حالة الطوارئ الاستثنائية إلى نمط حكم دائم داخل المجتمعات الحديثة، حيث نجحت الحكومات في دمج الإجراءات الاستثنائية التي كانت تفرض سابقًا فقط أثناء الحروب الكبرى داخل القوانين المدنية اليومية.
وأصبح المواطن العالمي يقبل تقييد حرياته الحركة، والتفتيش العاري في المطارات، واختراق بياناته المالية والشخصية كجزء طبيعي من الحياة اليومية، وأوجدت هجمات سبتمبر نمطًا جديدًا من الحكم لا يستمد مشروعيته من رفاهية المواطن، بل من قدرته المستمرة على تخويفه وإبقائه تحت المراقبة لمنع خطر مفترض.