أحمد رأفت يكتب: حسن رداد «الوزير المفتش».. محاضر بالمئات وإنذارات بالجملة وقرارات بالغلق.. هل تستطيع الرقابة وحدها إصلاح سوق العمل؟
المفتشون في كل مكان.. والمحاضر تتزايد.. وقرارات الغلق حاضرة، لكن المخالفات أيضًا لم تختفِ، هذه هي المعادلة التي فرضت نفسها على وزارة العمل خلال الفترة الأخيرة، بعدما تحولت حملات التفتيش إلى أحد أبرز عناوين إدارة حسن رداد لوزارة العمل، بأرقام وصلت إلى 4372 حملة تفتيشية خلال ثلاثة أشهر، شملت أكثر من 59 ألف منشأة، ثم 2145 عملية تفتيش وإعادة تفتيش خلال أيام قليلة، مع مخالفات للحد الأدنى للأجور وعقود العمل وتشغيل العمالة الأجنبية، وتوصيات بغلق منشآت مخالفة.
قد يبدو المشهد للوهلة الأولى انتصارًا للرقابة، وهو كذلك من زاوية قدرة أجهزة التفتيش على الوصول إلى المنشآت ورصد المخالفات، لكن الصورة الكاملة أكثر تعقيدًا؛ لأن الوزارة لا يفترض أن تكون مهمتها اكتشاف المخالفة فقط، وإنما منعها من الأساس، وهنا تظهر قصة «الوزير المفتش».. وزير يضع التفتيش في مقدمة أدواته، لكنه يجد نفسه أمام اختبار أكبر من عدد الحملات والمحاضر: هل يستطيع تحويل الرقابة من رد فعل بعد وقوع المخالفة إلى منظومة تمنع المخالفة قبل أن تقع؟
59 ألف منشأة في 3 أشهر.. الأرقام الكبيرة تضع الوزير أمام اختبار أكبر
منذ توليه المسؤولية في فبراير 2026، بدأ حسن رداد في إعطاء التفتيش الميداني مساحة واضحة داخل تحركات وزارة العمل، وظهر ذلك في أرقام الحملات التي أعلنتها الوزارة تباعًا، ففي الفترة من يناير إلى مارس 2026، أعلنت الوزارة تنفيذ 4372 حملة تفتيشية على مستوى الجمهورية، أسفرت عن التفتيش على 59 ألفًا و309 منشآت، وهو رقم ضخم يعكس اتساع نطاق الرقابة الميدانية.
ولم تتوقف الأرقام عند هذا الحد، ففي أسبوع واحد أعلنت الوزارة التفتيش على 2476 منشأة يعمل بها 62 ألفًا و196 عاملًا، مع تحرير 1181 إنذارًا ومهلة لتوفيق الأوضاع، و323 محضرًا لمخالفات الحد الأدنى للأجور، و85 محضرًا لعدم توثيق عقود العمل، و33 محضرًا لتشغيل عمالة أجنبية دون تصاريح.
ثم جاءت أحدث حصيلة أعلنتها الوزارة في سبتمبر الجاري لتؤكد أن سياسة تكثيف التفتيش لم تكن حملة مؤقتة، وإنما أصبحت جزءًا أساسيًا من طريقة إدارة ملف سوق العمل؛ ففي الفترة من 30 أغسطس إلى 3 سبتمبر 2026، أعلنت الوزارة تنفيذ 2145 عملية تفتيش وإعادة تفتيش، أسفرت عن استيفاء 221 منشأة للاشتراطات، ومنح 1206 منشآت فرصة لتوفيق أوضاعها، واتخاذ إجراءات قانونية بحق 61 منشأة، إلى جانب التوصية بالغلق لـ40 منشأة مخالفة، فضلًا عن تنفيذ 52 حملة بالتعاون مع الأحياء وأجهزة المدن، و39 لجنة للسلامة والصحة المهنية، و23 ندوة توعوية.
اقرأ أيضا:
أحمد رأفت يكتب: خالد عبد الغفار «الوزير المزدوج».. إنفاق مليارات من خزينة الدولة.. وأسعار يحددها القطاع الخاص.. وفاتورة يدفعها المواطن
وهنا تحديدًا تصبح الأرقام سلاحًا ذا حدين؛ فمن ناحية تؤكد أن هناك جهازًا تفتيشيًا يتحرك ولا يكتفي بالمكاتب، ومن ناحية أخرى تفتح الباب أمام سؤال أكثر صعوبة: إذا كان هذا الحجم من التفتيش قادرًا على اكتشاف كل هذه المخالفات في أسابيع وشهور قليلة، فما حجم المخالفات التي ما زالت خارج نطاق الرؤية؟ وهل المشكلة في ضعف الرقابة السابقة، أم في أن سوق العمل نفسه يحتاج إلى تغيير أعمق من مجرد زيادة عدد الحملات؟
الحد الأدنى للأجور والعقود والعمالة الأجنبية
اللافت أن المخالفات التي تظهر في نتائج حملات الوزارة ليست كلها من النوع الهامشي؛ ففي حملات مارس وحدها ظهرت مخالفات لـ الحد الأدنى للأجور، وعدم توثيق عقود العمل، وتشغيل عمالة أجنبية دون تصاريح، كما صدرت إنذارات تتعلق بتطبيق قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
وهذه الملفات تحديدًا هي قلب العلاقة بين العامل وصاحب العمل، وليست مجرد مخالفات إجرائية، فالعامل الذي لا يحصل على الحد الأدنى المقرر له لا يحتاج فقط إلى مفتش يكتشف المخالفة، وإنما يحتاج إلى آلية تضمن حصوله على حقه بالفعل، والعامل الذي يعمل دون عقد موثق لا تكفيه ورقة إنذار للمنشأة، وإنما يحتاج إلى منظومة تجعل العقد الموثق هو القاعدة الطبيعية في سوق العمل، والمنشأة التي تشغل عاملًا أجنبيًا دون ترخيص لا تحتاج فقط إلى محضر، وإنما تحتاج الدولة إلى معرفة لماذا وصلت العلاقة أصلًا إلى هذه المرحلة، وكيف تمنع تكرارها.
وهنا يظهر الفرق بين الرقابة على السوق وإصلاح السوق؛ فالرقابة تكتشف المخالفة بعد حدوثها، أما الإصلاح الحقيقي فيمنع المخالفة قبل وقوعها، والوزارة نفسها بدأت تتحرك في هذا الاتجاه، ففي سبتمبر أطلقت بالتعاون مع منظمة العمل الدولية دليلًا جديدًا لتطوير منظومة التفتيش، وأكد وزير العمل أن تطوير سوق العمل لم يعد قائمًا على الرقابة فقط، وإنما يتجه إلى الوقاية والتصحيح وبناء القدرات والامتثال المستدام، وهذه النقطة بالذات تجعل لقب «الوزير المفتش» أكثر إثارة للنقاش؛ لأن الوزير نفسه يقول إن التفتيش وحده ليس كافيًا، بينما تكشف أرقام الوزارة أن التفتيش أصبح أحد أبرز عناوين المرحلة.
قانون عمل جديد.. لكن السوق يحتاج أكثر من نصوص
حسن رداد لم يبدأ فقط بتكثيف الحملات، وإنما تسلم الوزارة في لحظة انتقال تشريعي مهمة بعد صدور قانون العمل رقم 14 لسنة 2025، ثم بدأ خلال 2026 استكمال أدوات تطبيقه على أرض الواقع، وفي نهاية أغسطس أعلن الوزير القواعد العامة للائحة تنظيم العمل في القطاع الخاص، باعتبارها إحدى الأدوات التنفيذية للقانون، وقالت الوزارة إن القواعد تستهدف وضع إطار موحد لتنظيم العمل داخل المنشآت التي تضم 10 عمال فأكثر، بما يدعم الاستقرار الوظيفي ويحمي حقوق طرفي الإنتاج ويواكب متغيرات سوق العمل والتحول الرقمي.
وهنا تصبح مهمة الوزير أكبر من مجرد إرسال المفتشين إلى المصانع والشركات؛ لأن القانون الجديد لن ينجح بمجرد أن تكون هناك عقوبات لمن يخالفه، وإنما عندما يصبح صاحب العمل يعرف حقوقه والتزاماته بوضوح، ويعرف العامل حقوقه، وتصبح مديريات العمل قادرة على تقديم الخدمة والرد على الشكاوى، وتتحول علاقة العمل من علاقة خوف من التفتيش إلى علاقة مؤسسية واضحة، ولذلك فإن إطلاق اللائحة ليس نهاية الطريق، وإنما بداية الاختبار الحقيقي: ماذا سيحدث عندما تدخل القواعد الجديدة إلى آلاف الشركات؟ وهل ستقل المنازعات؟ وهل سيصبح عقد العمل أكثر انتظامًا؟ وهل ستتراجع مخالفات الأجور؟ وهل سيتغير سلوك أصحاب الأعمال فعلًا، أم سنجد أنفسنا بعد عام أمام موجة جديدة من المحاضر والإنذارات لنفس الأسباب؟
المفارقة الكبرى.. قانون جديد يستثني العمالة المنزلية ثم يبدأ البحث عن تنظيمها
ولعل أكثر الملفات التي تكشف أن سوق العمل في مصر ما زال أمامه طريق طويل هو العمالة المنزلية، فقانون العمل رقم 14 لسنة 2025 يستثني عمال الخدمة المنزلية ومن في حكمهم من نطاق تطبيقه، وهو أمر منصوص عليه صراحة في القانون المنشور بالجريدة الرسمية.
وبعد أكثر من عام على صدور القانون، عقدت وزارة العمل في سبتمبر الجاري ورشة بالتعاون مع منظمة العمل الدولية لوضع إطار تشريعي وتنفيذي لتنظيم العمل المنزلي، وأعلن حسن رداد أن الدولة تتجه إلى إقرار منظومة متكاملة تشمل قواعد تشريعية وآليات تنفيذية وحماية اجتماعية وتأمينات للعمالة المنزلية.
اقرأ أيضا:
أحمد رأفت يكتب: شريف فاروق «الوزير العالق».. من الخبز المدعم إلى الدعم النقدي.. منظومة تتغير والملفات القديمة باقية
هذه الواقعة وحدها تقول إن قصة سوق العمل ليست مجرد مفتش يدخل منشأة ويحرر محضرًا؛ هناك قطاعات كاملة تحتاج إلى بناء قواعدها من الأساس، وهناك عمال خارج التغطية الكاملة للمنظومة التشريعية، وهناك حاجة إلى تحويل العمل غير المنظم إلى علاقة عمل واضحة يمكن متابعتها وحمايتها، وإذا كانت الوزارة الآن تبدأ في وضع إطار تشريعي وتنفيذي للعمالة المنزلية، فهل يمكن اعتبار التفتيش هو الحل السحري لمشكلة سوق العمل؟ وكيف يمكن التفتيش أصلًا على علاقة عمل غير منظمة لا توجد لها عقود واضحة ولا إطار قانوني متكامل؟ هنا يصبح بناء المنظومة أهم من زيادة عدد المفتشين.
من المفتش إلى الميكنة.. هل تستطيع الوزارة الوصول إلى العامل قبل أن يصل إلى المكتب؟
الوزير نفسه أدرك أن المعركة ليست تفتيشًا فقط، ولذلك تحرك في اتجاه آخر يتعلق بميكنة الخدمات والوصول إلى المواطن وتقليل الوسطاء، ففي يونيو أطلق مبادرة «اسأل وزارة العمل» عبر تطبيق واتساب لاستقبال استفسارات المواطنين والرد عليها، كما أكد أن خدمات الوزارة مجانية ولا تحتاج إلى وسطاء، وفي يونيو أيضًا أجرى زيارة مفاجئة لمنطقة عمل العاشر من رمضان، وهي منطقة تضم أكثر من 3500 منشأة ونحو 600 ألف عامل، لمتابعة خدمات التشغيل والتفتيش وعلاقات العمل واستخراج شهادات القيد وقياس مستوى المهارة.
وهذه النقطة مهمة جدًا، لأن وزارة العمل لا تتعامل فقط مع أصحاب المصانع والشركات، وإنما مع ملايين المواطنين الذين يبحثون عن وظيفة، وعمال يريدون معرفة حقوقهم، وشباب يحتاجون إلى التدريب، وعمالة غير منتظمة تحتاج إلى الحماية، ومصريين يعملون بالخارج ويحتاجون إلى الدعم، وأصحاب أعمال يريدون فهم القواعد الجديدة، وبالتالي فإن نجاح الوزير لا يمكن أن يقاس بعدد المنشآت التي دخلها المفتش، وإنما بمدى قدرة الوزارة على جعل المواطن يصل إلى حقه دون واسطة، وصاحب العمل يعرف المطلوب منه دون تعقيد، والعامل يعرف أين يشتكي وكيف يحصل على حقه.
7 أيام إضافية للعامل.. عندما يتحول القانون إلى حماية فعلية
وفي المقابل، هناك قرارات تكشف الوجه الآخر لعمل الوزير بعيدًا عن المحاضر والغلق؛ ففي مارس أصدر حسن رداد القرار الوزاري رقم 49 لسنة 2026 بشأن تحديد الأعمال الخطرة والصعبة والمناطق النائية التي يستحق العاملون فيها زيادة سبعة أيام على الإجازة السنوية، وشمل القرار عشرات الأعمال في قطاعات الصناعات الكيماوية والهندسية والمعدنية والغذائية والغزل والنسيج والطاقة والبيئة وإدارة النفايات وغيرها، وهذه النوعية من القرارات هي التي تجعل تقييم الوزير أكثر تعقيدًا؛ لأنه لا يتحرك فقط بعقلية «المفتش» الذي يبحث عن المخالفة، وإنما يحاول أيضًا ترجمة قانون العمل الجديد إلى حقوق وتفاصيل عملية تخص العامل.
كما تحرك الوزير في ملف العمالة غير المنتظمة من خلال جولات ميدانية داخل مواقع الإنشاءات والاستماع إلى العمال، وهي فئة يصعب اختزال مشكلاتها في محضر تفتيش، لأنها مرتبطة بطبيعة العمل نفسها، وبالحماية الاجتماعية والتدريب والسلامة والدخل والاستمرارية.
«الوزير المفتش» أمام الاختبار الحقيقي
القضية إذن ليست في أن حسن رداد يكثر من التفتيش، ولا في أن الوزارة تعلن أرقامًا كبيرة للحملات؛ بالعكس، وجود رقابة قوية على سوق العمل أمر ضروري، وترك المنشآت المخالفة بلا متابعة أخطر بكثير من كثرة الحملات، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الحملة إلى هدف بدل أن تكون وسيلة، وعندما يصبح الرقم الذي نعلنه كل أسبوع هو عدد المنشآت التي جرى التفتيش عليها، دون أن نعرف بالقدر نفسه كم منشأة صححت أوضاعها بالفعل، وكم عاملًا استرد حقه، وكم مخالفة لم تتكرر، وكم منشأة تحولت من الالتزام المؤقت خوفًا من المفتش إلى الالتزام الدائم لأن النظام نفسه أصبح أكثر وضوحًا.
فماذا يعني أن نفتش على آلاف المنشآت إذا كانت المخالفات نفسها تعود؟ وماذا يعني أن نحرر مئات المحاضر إذا كان العامل لا يزال يحتاج إلى شكوى جديدة للحصول على حقه؟ وماذا يعني أن نوصي بغلق منشأة إذا لم نعرف ما إذا كان الإجراء التالي هو تصحيح الأوضاع أم مجرد عقوبة تنتهي بانتهاء الحملة؟ وهل يمكن أن نقول إن سوق العمل أصبح منضبطًا لمجرد أن الوزارة أصبحت أكثر نشاطًا في التفتيش؟
اقرأ أيضا:
أحمد رأفت يكتب: محافظو «اللقطة».. حين تتحول الجولات المفاجئة من رقابة على الأداء إلى مشاهد توبيخ أمام الكاميرات
الاختبار الحقيقي لحسن رداد لن يكون في عدد الحملات التي أعلنتها الوزارة، رغم أهميتها، وإنما في ما ستنتجه هذه الحملات بعد شهور، إذا انخفضت مخالفات الحد الأدنى للأجور، وأصبح توثيق العقود قاعدة، وتحسنت اشتراطات السلامة، وانتظمت علاقة العامل بصاحب العمل، وتراجعت الحاجة إلى الشكاوى، وأصبحت المنشآت تعرف القانون وتطبقه قبل وصول المفتش، عندها فقط يمكن القول إن «الوزير المفتش» نجح في الانتقال من مرحلة مطاردة المخالفة إلى مرحلة منعها.
أما إذا ظل الرقم يرتفع من 2476 منشأة في أسبوع إلى 2145 عملية تفتيش وإعادة تفتيش في أسبوع آخر، ومن 4372 حملة إلى عشرات الآلاف من المنشآت التي جرى المرور عليها، بينما تتكرر نفس المخالفات، فهنا لن تكون المشكلة في نشاط المفتش، وإنما في منظومة لم تنجح بعد في تحويل الرقابة إلى التزام مستدام.
وهنا تحديدًا سيكون السؤال الأصعب أمام وزير العمل: هل يريد أن يظل وزيرًا يطارد المخالفات بعد وقوعها، أم يستطيع أن يجعل سوق العمل نفسه أقل احتياجًا إلى المفتش؟ لأن الوزير الأقوى في النهاية ليس من يملك أكبر عدد من المحاضر، وإنما من يستطيع أن يجعل القانون حاضرًا في المنشأة حتى عندما يغيب المفتش.