فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

لبنان الحائر بين الضغوط الأمريكية والمؤمرات الإسرائيلية ونزع سلاح حزب الله.. دعوات تحريضية ضد الجيش.. وفرنسا تبحث عن حل على طريقتها الخاصة

التوقيع على اتفاق
التوقيع على اتفاق إنهاء النزاع بين لبنان وإسرائيل في واشنطن

على الرغم من توقيع الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل في واشنطن في 26 يونيو 2026، برعاية أمريكية، إلا أن علامات استفهام كثيرة ما زالت تدور داخل الغرف الأمريكية المغلقة تجاه الموقف من بيروت.

وفي السياق، كشف ديفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى خلال الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض، سلسلة من الضغوط التي حرض الإدارة الأمريكية على اتخاذها ضد لبنان، مشددا على أن مقاربة واشنطن -التي تشترط اتخاذ إجراءات لبنانية ملموسة ضد حزب الله مقابل تقديم مساعدات بمليارات الدولارات- هي السياسة الصائبة.

عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون على مدخل مخيم برج البراجنة جنوب بيروت
عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون على مدخل مخيم برج البراجنة جنوب بيروت

وقال شينكر في مقال نشره موقع "ذا ناشيونال إنترست" الأمريكي المتخصص في الشؤون السياسية: عندما شغلت منصب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى خلال إدارة ترامب الأولى، قضيت وقتا طويلا في محاولة لإثناء نظرائي الفرنسيين عن ميلهم التلقائي لإنقاذ لبنان من أزمته المالية التي تسبب فيها بنفسه. وربطت الإدارة الأمريكية –وقتها- الدعم الأمريكي لبرنامج صندوق النقد الدولي وصرف المساهمات النقدية إلى لبنان بقيام بيروت بتنفيذ إصلاحات اقتصادية جوهرية. وبعد مرور سبع سنوات، لم يتبن لبنان إصلاحات هامة، ولا يزال غارقا في المأزق الاقتصادي. 

نزع سلاح حزب الله

وشدد مساعد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى على أنه "ينبغي للولايات المتحدة أن تتبع النهج ذاته فيما يتعلق بالمساعدات العسكرية للبنان. ففي شهر يونيو، التزم لبنان -خلال مفاوضات مع إسرائيل بوساطة واشنطن- بنزع سلاح حزب الله المدعوم من إيران وتفكيكها".  

ويقول شينكر: كان توقيع بيروت على اتفاق "الإطار الثلاثي" قرارا شجاعا. ولكن، وللأسف، تشير المؤشرات الأولية إلى أن لبنان -على غرار العديد من التعهدات السابقة بشأن الإصلاح الاقتصادي- يخفق في الوفاء بالتزاماته. 

يمثل نزع سلاح حزب الله معضلة بالنسبة للدولة اللبنانية
يمثل نزع سلاح حزب الله معضلة بالنسبة للدولة اللبنانية

وبحسب الكاتب، يقول الرئيس دونالد ترامب إن إدارته تمتلك "خططا ملموسة" لمساعدة القوات المسلحة اللبنانية على نزع سلاح "حزب الله"، مضيففا: قبل تخصيص أي أموال، سيكون من الحكمة أن ينتظر ترامب ليرى ما إذا كانت القوات المسلحة اللبنانية ستظهر أي مؤشر على نيتها تنفيذ هذه المهمة.

مخاوف أمريكية من تحركات ماكرون

لا يخفي مساعد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى تخوفه من تحركات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الملف اللبناني، قائلا: لن تقف فرنسا مكتوفة الأيدي؛ فعلى الرغم من حالة الجمود التي تعتري ملف نزع السلاح في بيروت، تستعد باريس لعقد مؤتمر آخر للمانحين لدعم لبنان في 17 سبتمبر الجاري، حيث يستضيف الرئيس إيمانويل ماكرون جلسة تحضيرية لاجتماع لاحق يستهدف جمع الأموال لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي. 

وتسعى المبادرة الفرنسية إلى تعزيز القدرات التشغيلية لهذه المؤسسات وضمان استدامتها من خلال توفير المعدات والتدريب. ويتمثل أحد الأهداف الرئيسية في تمكين الجيش اللبناني من الانتشار في الجنوب وتولي المهام بدلًا من القوات العسكرية الإسرائيلية التي تحتل حاليًا أراضي لبنانية.

معضلة المؤسسة العسكرية اللبنانية

يقول شينكر: إن ماكرون محق في قوله إن الجيش اللبناني بحاجة إلى المساعدة؛ فالمؤسسة العسكرية تعاني من شح السيولة، وتعجز عن دفع الرواتب، وتواجه صعوبة في تأمين تكاليف الوقود للمركبات. 

ومع ذلك، يزعم مساعد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى أن الجيش اللبناني يتملص من التزاماته تجنبا للدخول في صراع مع حزب الله، مضيفا: على الرغم من أن الخوف من حزب الله أمر مفهوم، إلا أن عواقب تقاعس الجيش اللبناني عن أداء واجباته جسيمة؛ إذ يتطلب إنهاء الوجود الإسرائيلي في لبنان وتهدئة الصراع، إلزام الجيش اللبناني بنزع سلاح حزب الله.

إسرائيل حولت اتفاق لبنان إلى حبر على ورق

لكن شينكر، يرى في الوقت ذاته، أن لبنان ليس الطرف الوحيد الذي يقل أداؤه عن مستوى التوقعات؛ إذ يتحدث مسؤولون إسرائيليون -ربما بدافع حسابات انتخابية- بلهجة متعجرفة عن ترسيخ وجودهم في مواقع داخل الأراضي اللبنانية استعدادا لبقاء طويل الأمد، وكأن الطرفين لم يوقعا للتو اتفاقا ينص على انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية.

مساعد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق لشؤون الشرق الأوسط ديفيد شنكر
مساعد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق لشؤون الشرق الأوسط ديفيد شنكر

ويضيف: علاوة على ذلك، تشهد المنطقة عمليات عسكرية إسرائيلية شبه يومية تستهدف عناصر "حزب الله" أو مخابئ أسلحته، وتسفر أحيانا عن مقتل مدنيين، مما يذكر اللبنانيين بأن وقف إطلاق النار يبدو حبرا على ورق. 

تحريض ضد لبنان

وعلى الرغم من تلك الرؤية، إلا أن شينكر يواصل تحريض إدارة ترامب على تبني مزيدا من الضغوط على حزب الله، قائلا: قدمت واشنطن للجيش اللبناني، منذ عام 2006، حوالي 3 مليارات دولار لتعزيز قدراته استعدادا لهذه اللحظة بالذات.

ولتشجيع بيروت والجيش اللبناني على اغتنام هذه الفرصة النادرة لفرض سيادة الدولة، يتعين على الإدارة الأمريكية أن توضح للبنان أن أداءه حتى الآن في المناطق التجريبية غير كاف ولا يتماشى مع الالتزامات التي تعهدت بها الحكومة. كما ينبغي لواشنطن أن تؤكد بوضوح أن تقديم أي تمويل أمريكي إضافي للجيش اللبناني سيكون مشروطا بمستوى الأداء، وفق المقال.

الحب الصارم بين واشنطن وبيروت

يعد التشريع المقترح -المعروف باسم "قانون العقوبات وتحقيق الاستقرار ودعم لبنان"- مؤشرا قويا من الكونجرس على تأييده لنهج الإدارة القائم على "الحزم المقترن بالدعم"، أو ما يعرف بـ"الحب الصارم"، بحسب الكاتب.

ويقل مساعد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى: يربط مشروع القانون هذا بين الدعم الأمريكي للجيش اللبناني وبين تنفيذ المؤسسة العسكرية لتوجيهات الحكومة المتعلقة بحزب الله وسلاحه؛ كما يعكس إدراكا عميقا لسجل بيروت الطويل في عدم الوفاء بالتزاماتها.

وينهي شينكر مقاله قائلا: ليس من الواضح ما إذا كان ربط المساعدات العسكرية الأمريكية بشروط معينة سيدفع لبنان إلى تغيير مساره؛ فهذا الأسلوب لم ينجح فيما يخص الإصلاحات الاقتصادية. لكن واشنطن لا تستطيع -ولا ينبغي لها- أن تتحمل تكلفة تردد بيروت؛ فسواء تعلق الأمر بالاقتصاد أو بنزع سلاح حزب الله، لا يمكن للولايات المتحدة مساعدة الحكومة اللبنانية ما لم تساعد الأخيرة نفسها.