فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

هتلر يعاود الظهور في صورة امرأة.. شبح الزعيم النازي يزلزل أوروبا.. المهاجرون والأقليات يدفعون الثمن.. والنازيون الجدد يسعون للسيطرة على مؤسسات الاستخبارات والقضاء والتعليم الألمانية

زعيمة حزب البديل
زعيمة حزب البديل من أجل ألمانيا أليس فايدل

في عام 2015، ظهر فيلم ألماني كوميدي ساخر بعنوان "لقد عاد"، متخيلا استيقاظ الزعيم الألماني الراحل أدولف هتلر في القرن الحادي والعشرين وتحوله إلى نجم إعلامي عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ لكن يبدو أن عودة هتلر –كنظريات وأفكار وتوجهات- باتت على بعد أميال قليلة من اعتلاء سدة الحكم في ألمانيا، وسط صعود مماثل في بلدان أوروبية أخرى، خصوصا وأن "تماسك تيار الوسط في ألمانيا، شأنه شأن بقية أنحاء أوروبا، لم يعد بالقوة التي كان عليها في السابق"، بحسب شبكة "سي إن إن" الإخبارية الأمريكية.

وفي السياق، لم يكن غريبا أن يتحول فوز حزب "البديل من أجل ألمانيا" في انتخابات ولاية "ساكسونيا-أنهالت"، بقيادة أليس فايدل، إلى زلزال سياسي ربما امتدت هزاته إلى عواصم العالم كله معيدة إلى الأذهان المد النازي الذي بدأ بوصول أدولف هتلر إلى السلطة في 30 يناير 1933، وانتهى بإسدال الستار على الحرب العالمية الثانية عام 1945.

وبحسب تقرير نشرته جريدة "ذا جارديان" البريطانية، فإن أيام المستشار الألماني فريدريش ميرتس باتت معدودة، مشددة على أنه "غالبا ما يتم تجاهل سمة مميزة لليمين المتطرف في ألمانيا مقارنة بفرنسا أو إيطاليا؛ حيث يختلف حزب البديل من أجل ألمانيا اختلافا ملحوظا عن الأحزاب الشعبوية اليمينية المتطرفة الأخرى في أوروبا، ويزداد تطرفًا كلما اقترب من السلطة".

وقالت الجريدة في مقال كتبه مراسل صحيفة "دي تسايت" الألمانية الأسبوعية يورج لاو: إن قيادة حزب "البديل من أجل ألمانيا" في ماجديبورج توظف عددا من الأعضاء السابقين في جماعات نازية جديدة محظورة. وقد يشغل هؤلاء قريبا مناصب رفيعة في الدولة، بحيث يسيطرون خلالها على الشرطة، وجهاز المخابرات الداخلية والقضاء، والتعليم. 

المستشار الألماني فريدريش ميرتس في مؤتمر صحفي تعقيبا على انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت
المستشار الألماني فريدريش ميرتس في مؤتمر صحفي تعقيبا على انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت

ومن دلائل تدهور المعايير السياسية في ألمانيا أن هذا التوجه الصادم لم يذكر إلا نادرا في أعقاب الانتخاب، حيث تتلاشى المحرمات الألمانية المتعلقة بتولي المتطرفين اليمينيين مناصب تنفيذية، وفق "لاو".

وتشير الجريدة إلى أن الكتب التي تتحدث عن انهيار جمهورية فايمار عاودت الظهور من جديد وتتصدر قوائم الكتب الأكثر مبيعا هذه الأيام، في إشارة إلى تصعيد خطاب الكراهية لفترة ما قبل ظهور النازية.

جمهورية فايمار وظهور هتلر

ونشأت جمهورية فايمار في ألمانيا في الفترة من 1919 إلى 1933 نتيجة الحرب العالمية الأولى وخسارة ألمانيا الحرب، وسميت الجمهورية الناشئة باسم مدينة فايمار الواقعة بوسط ألمانيا والتي اجتمع بها ممثلون عن الشعب الألماني في العام 1919 لصياغة الدستور الجديد للجمهورية الذي اتبعته الجمهورية حتى العام 1933 حين تمكن الزعيم النازي أدولف هتلر من إحكام سيطرته على مقاليد الحكم في برلين بعد توليه منصبي المستشارية ورئاسة الجمهورية، واعتبر المؤرخون هذا الحدث نهاية جمهورية فايمار.

مخاوف من سيطرة النازيين الجدد على الشرطة والمخابرات الداخلية والقضاء والتعليم في ألمانيا
مخاوف من سيطرة النازيين الجدد على الشرطة والمخابرات الداخلية والقضاء والتعليم في ألمانيا

ويرى الكاتب أن حزب "البديل من أجل ألمانيا" لا يعد حزبا عاديا؛ إذ ينبغي النظر إليه باعتباره حركة ثورية مضادة تسعى لتغيير النظام من الداخل. وتتجاوز طموحات قادته مجرد إجراء تغييرات في هذه السياسة أو تلك. 

ويبرهن "لاو" على رؤيته قائلا: يواصل اليمين المتشدد نموه وتزايد تطرفه في آن واحد. ويتمحور فكر الحزب حول فكرة "الدولة العرقية" الألمانية التي تضم أقل عدد ممكن من الأجانب؛ إذ لا يستهدف الحزب إعادة المهاجرين "غير الشرعيين" إلى بلدانهم فحسب، بل يشمل جميع المهاجرين وذرياتهم ممن لديهم خلفيات أجنبية غير مرغوب فيها.

مواقف يمينية متشددة

وفي السياق، تعهدت قيادة الحزب بتجنب السير على نهج جورجيا ميلوني؛ إذ إن ميلوني، ورغم جذورها التي تعود إلى الفاشية الجديدة، فاجأت الكثيرين في الداخل والخارج بتحولها نحو التيار السياسي السائد، ووقوفها إلى جانب أوكرانيا، ودعمها لمنطقة اليورو وحلف الناتو ومبدأ حرية التنقل داخل الاتحاد الأوروبي.

فعل النقيض من ميلوني، يعد حزب "البديل من أجل ألمانيابالانسحاب من الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو وإنهاء اتفاقية "شنجن". ويتبنى الحزب موقفا مؤيدا بشدة لروسيا ويسعى لقطع أي دعم لأوكرانيا (بما في ذلك إعادة اللاجئين إليها). 

رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني
رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني

وقد أدى الخوف من التصعيد مع روسيا دورا كبيرا في الانتخابات؛ إذ ربما تكون الهجمات الهجينة الأخيرة التي استهدفت مطار لايبزيج وبنية تحتية أخرى قد رجحت الكفة، خاصة بعد أن وجه ميرتس أصابع الاتهام لروسيا وتعهد بـ"جعل الجناة يدفعون الثمن"، وهو ما شكل مادة دسمة لحملة حزب "البديل من أجل ألمانيا"؛ فقد تم تصوير التخلي عن أوكرانيا، والتقارب مع روسيا، وإعادة تشغيل خط أنابيب "نورد ستريم" في بحر البلطيق، على أنها "سياسة سلام"، فيما يعد انتصارا انتخابيا للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

تنامي قوة النازيين الجدد

وفي تقرير سابق، حذرت مجلة "دير شبيجل" الألمانية ذات التوجه اليساري من تنامي النازيين الجدد في ألمانيا، مشيرة في فيلم وثائقي حمل عنوان "بلاد النازيين.. الجانب المظلم لألمانيا" إلى أن "النازيين الجدد باتوا أكثر استعدادا لارتكاب أعمال عنف ويرتبطون مع بعضهم البعض في شبكة علاقات واسعة ويستقطبون شبابا أصغر سنا".

وأضافت: هناك جيل جديد من النازيين الجدد الذين يتدربون في انتظار لحظة الصفر التي يستخدمون فيها العنف ضد الخصوم السياسيين.

وبلغة  الأرقام، يقدر المراقبون والتقارير الأمنية في ألمانيا عدد اليمينيين المتطرفين والنازيين الجدد بنحو 50 ألف شخص في عموم ألمانيا.

كما ارتفع عدد جرائم العنف المنسوبة لأقصى اليمين بولاية براندنبورج في عام 2025 بنسبة 28٪ مسجلا 3557 اعتداء تنوعت بين الاعتداءات الجسدية وتخريب الممتلكات والتحريض على الكراهية والشتم والتشهير؛ فيما جرى توثيق 157 هجوما في ولاية مِكلنبورج فوربمبرن، أي بمعدل ثلاث هجمات في الأسبوع، بحسب تقارير إعلامية ألمانية.

196 مقعدا لأقصى اليمين في البرلمان الأوروبي

وتشغل ثلاث مجموعات تنتمي إلى أقصى اليمين 196 مقعدا في البرلمان الأوروبي، وهي تمثل أحزابا من أكثر من 12 دولة عضوا. وتعد هذه المجموعات مجتمعة ثاني أكبر قوة في البرلمان من حيث عدد المقاعد، بحسب "سي إن إن".

مارين لوبان زعيمة اليمين المتطرف في فرنسا
مارين لوبان زعيمة اليمين المتطرف في فرنسا

وعلى الصعيد الوطني، تقود أحزاب أقصى اليمين حاليا ائتلافات حكومية في كل من إيطاليا وجمهورية التشيك، كما تشارك كشريك أصغر في الائتلافات الحاكمة في فنلندا وكرواتيا وسلوفاكيا والسويد. وحتى في الدول التي لا تتولى فيها هذه الأحزاب السلطة، فإنها تظل هي من يحدد مسار النقاش العام؛ فقد تصدر "حزب الحرية" نتائج الانتخابات الوطنية في النمسا عام 2024، ويشكل الحزب بقيادة خيرت فيلدرز –حتى اللحظة- إحدى أكبر الكتل البرلمانية في هولندا رغم انهيار الائتلاف الحكومي الذي كان يشارك فيه العام الماضي.

كما ظل حزب "التجمع الوطني" بقيادة مارين لوبان الحزب الأكثر شعبية واستقرارا في فرنسا لسنوات عديدة. وفي إيطاليا، أمضت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني أربع سنوات في إثبات أن حزبا ذا جذور "ما بعد الفاشية" قادر على الحكم من موقع يمين الوسط دون إثارة مخاوف الأسواق المالية.

ما الخطوة التالية؟

في غياب أغلبية مطلقة، قد يضطر حزب "البديل من أجل ألمانيا" للاعتماد على تعاون حزب منشق صغير؛ إذ قد تبدي قيادة "تحالف سارة فاجنكنشت" ذات التوجهات اليسارية المتشددة- رغبة في المساعدة.

ويمثل هذا التحالف –بحسب "ذا جارديان"- نمطا جديدا من القومية اليسارية التي تعارض بشدة الهجرة وتؤيد روسيا، وهي توجهات تتوافق -بهذا المعنى- مع حزب "البديل من أجل ألمانيا". 

لكن "لاو" يرى في الوقت ذاته أن تشكيل حكومة في "ماجديبورج" لن يكون أمرا سهلا، كما أن الطريق لا يزال طويلا أمام الحزب للوصول إلى السلطة في برلين، محذرا في الوقت ذاته من أنه "سيكون من الصعب تجاهل هذا الانتصار على المشهد السياسي الألماني.

ويخلص مراسل صحيفة "دي تسايت" الألمانية إلى أن الأمر الكؤكد الوحيد هو أن "الأسابيع المقبلة ستشكل تحديا للمشهد السياسي، ولن يقتصر هذا التحدي على الألمان وحدهم".