من مركاتور إلى الأرض المتساوية.. خريطة العالم تدخل معركة جديدة بين التصحيح العلمي ومواجهة الإرث الاستعماري.. وأفريقيا تعيد رسم صورتها الجغرافية والذهنية في مواجهة واشنطن
من خطوط رسمها ملاح بحري أوروبي في القرن الـ16 إلى معركة سياسية وعلمية في القرن الـ21، تعود خريطة العالم إلى صدارة الجدل الدولي، بعدما اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا بإعادة تمثيل أحجام القارات بصورة أكثر دقة، في خطوة تقودها توجو والاتحاد الأفريقي، وتضع أفريقيا في قلب محاولة لتصحيح صورة جغرافية يرى أصحابها أنها ظلت لعقود تحمل تشوهات تعكس إرث الحقبة الاستعمارية.
لم يكن القرار مجرد نقاش حول خطوط الطول والعرض أو شكل القارات على الورق، بل فتح مواجهة أوسع حول الطريقة التي يرى بها العالم نفسه، بعدما ظل "إسقاط مركاتور" مهيمنا على الخرائط العالمية لنحو 457 عاما.
وبأغلبية ساحقة بلغت 164 دولة، مقابل اعتراض الولايات المتحدة وامتناع ست دول عن التصويت، تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا يدعو إلى اعتماد خرائط أكثر دقة في تمثيل المساحات الحقيقية للقارات، وفي مقدمتها "إسقاط الأرض المتساوية"، بدلا من الاعتماد الواسع على إسقاط مركاتور.

وأرجعت الدول الست التي امتنعت عن التصويت (إستونيا، جورجيا، ليتوانيا، مولدوفا، صربيا، وأوكرانيا) قرارها إلى الخوف من استخدام اعتماد إسقاطات خرائطية جديدة أو تعديلات بصرية بشكل سياسي أو قانوني لخلق غموض أو إشكاليات حول ترسيم الحدود والسيادة على الأراضي الخاضعة للنزاعات أو مناطق التوتر الإقليمي.
ما هو إسقاط مركاتور؟
يعود "إسقاط مركاتور" إلى عام 1569؛ وهو طريقة تعتمد على رسم خرائط أسطوانية صممها العالم الجغرافي الفلمنكي (بلجيكا حاليا) جيراردوس مركاتور لتسهيل الملاحة البحرية، بحيث تبدو المناطق القريبة من القطبين أكبر بكثير من مساحتها الحقيقية، بينما تظهر المناطق الاستوائية، وفي مقدمتها أفريقيا، أصغر مما هي عليه في الواقع.

وعلى الرغم من أن "إسقاط مركاتور" هو أحد أكثر النماذج الخرائطية تأثيرا في التاريخ الحديث، حيث جمع بين عبقرية رياضية وضرورة ملاحية ملحة، لكنه في الوقت ذاته أسهم في إنتاج تصور بصري "مشوه" عن العالم، بحسب تقارير إعلامية.
لماذا تحولت الخريطة إلى معركة للوعي؟
بدأ إسقاط مركاتور كحل تقني لمشكلة عملية في الملاحة البحرية. فعندما قدم مركاتور تصميمه، كان الهدف مساعدة البحارة على رسم مساراتهم، إذ حافظ الإسقاط على اتجاهات البوصلة وجعل الخطوط المستقيمة على الخريطة مفيدة في تحديد المسارات البحرية.

لكن الميزة الملاحية جاءت على حساب دقة المساحات. فكلما ابتعدت المناطق عن خط الاستواء، بدت أكبر من حجمها الحقيقي. وتظهر جرينلاند، على سبيل المثال، بحجم يقارب حجم أفريقيا بصريا، رغم أن القارة الأفريقية أكبر منها بنحو 14 مرة، بحسب وكالة "فرانس 24".
ويرى مؤيدو المبادرة الأفريقية أن التشوه البصري ساهم في ما وصفه قرار الأمم المتحدة بـ"التصغير الرمزي" لأفريقيا، وأثر في التصورات التعليمية والثقافية والجيوسياسية والاقتصادية للعالم.
هل يمكن للخريطة أن تواجه إرثا استعماريا؟
تقول توجو، التي قادت المبادرة باسم الاتحاد الأفريقي، إن المسألة لا تستهدف دولة أو حضارة بعينها، وإنما تتعلق بالانتقال إلى تمثيل أكثر دقة للواقع الجغرافي.
وقال وزير خارجية توجو روبير دوسي: إن "الخرائط ليست مجرد أدوات تقنية، بل تشكل فهم الإنسان للعالم، وتؤثر في التعليم والخيال والتصورات الجماعية"، مشددا على أن "تقديم صورة مشوهة لكوكب الأرض يمكن أن يؤدي إلى استمرار تصورات خاطئة تنتقل من جيل إلى آخر".

وتربط أفريقيا حملتها بمواجهة أوسع لإرث الحقبة الاستعمارية، معتبرة أن الانتشار العالمي لإسقاط مركاتور أصبح، بمرور الزمن، جزءا من الإرث البصري لذلك العصر، حتى وإن كان الإسقاط قد صمم أساسا لأغراض ملاحية وليس سياسية.
وبحسب جريدة "ذا جارديان" البريطانية، يقول دوسي: هذا النقاش ليس نقاشا سياسيا، بل هو نقاش علمي؛ إذ توجد أدلة علمية، وعلينا جميعا تقبل الواقع.
لكن مراقبين يرن أن معركة أفريقا هي معركة ضد "خريطة الألم" بمعناها الأوسع؛ فهي ليست خريطة للحدود والصراعات فقط، وإنما خريطة لتعديل الصور الذهنية التي تراكمت حول مركزية بعض مناطق العالم وهامشية مناطق أخرى.
ويمد الكاتب الصحفي والباحث المتخصص في الشؤون الأفريقية خالد محمود الخطوط على استقامتها، مؤكدا أن "المعركة ليست أفريقية فقط؛ بل تمثل جيلا من المهاجرين العرب والأفارقة في الولايات المتحدة وأوروبا والذين يسعون إلى الحصول على مساحتهم الليبرالية المستحقة، بعد أن تكلس المكون الأبيض، وأصبح رجعيا، ومعاديا حتى للديمقراطية ذاتها".
حملة "صححوا الخريطة"
وتقول "ذا جارديان": يمكنك وضع الولايات المتحدة والصين والهند واليابان والمكسيك وجزء كبير من أوروبا داخل قارة أفريقيا، ومع ذلك تتبقى مساحة إضافية من الأرض، بحسب حملة "صححوا الخريطة"، والتي حظيت بأكثر من 11 ألف توقيع. وقد أعلن الاتحاد الأفريقي تأييده للحملة في أغسطس 2025، ثم طلب من دولة توجو قيادة جهود اعتمادها.

ودعت الحملة إلى دعم إسقاط الأرض المتساوية الذي طوره فريق دولي من رسامي الخرائط عام 2018، باعتباره نموذجا أكثر قدرة على الحفاظ على المساحات الحقيقية للقارات؛ فيما تخطط الحكومة التوغولية لتنظيم فعالية في العاصمة لومي بمشاركة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "يونسكو" والاتحاد الأفريقي وشركات تكنولوجية، من بينها "جوجل مابس"، لبحث كيفية تنفيذ القرار وتوسيع نطاق استخدام الخرائط الجديدة.
لماذا تعارض واشنطن القرار؟
في المقابل، جاءت المعارضة الأمريكية الوحيدة للقرار لتمنحه بعدا سياسيا أكبر. واعتبرت ممثلة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة يارينا فيرينسيفيتش أن مثل هذه القرارات والأجندات التي وصفتها بأنها "إيديولوجية" تقوض عمل المنظمة ومصداقيتها.
وترى واشنطن أن الجمعية العامة ينبغي أن تركز على قضايا السلام والازدهار والعلاقات بين الدول بدلا من الانشغال بمشاريع تتعلق بخرائط تعود جذورها إلى القرن السادس عشر.
لكن توجو –باعتبارها ممثلة للقارة السمراء- ترفض تقديم المبادرة باعتبارها مواجهة سياسية مع الولايات المتحدة أو أوروبا، وتؤكد أن النقاش في جوهره علمي، وأن الأدلة العلمية تثبت أن بعض الإسقاطات تشوه الأحجام الحقيقية للقارات.
وفي الوقت نفسه، لا تسعى المبادرة إلى إلغاء إسقاط مركاتور من جميع الاستخدامات؛ إذ تؤكد تودو أنه سيظل صالحا للملاحة البحرية والجوية، حيث لا تزال خصائصه المتعلقة بالحفاظ على الاتجاهات مفيدة؛ حيث تستهدف أفريقيا إنهاء الصورة التي تقلل من حجمها، وإعادة تقديمها وفق حقيقتها الجغرافية والبشرية والجيوسياسية.
تغيير الخريطة الذهنية للعالم
لكن نجاح هذه المعركة لن يقاس بقرار أممي غير ملزم فقط، بل بمدى وصول الخريطة الجديدة إلى المدارس والكتب والمنصات الرقمية وشاشات الهواتف. وعندها فقط يمكن القول إن أفريقيا لم تغير شكلها على الخريطة، بل بدأت في تغيير الخريطة الذهنية للعالم.
ويقول الباحث المتخصص في المخاطر الجيوسياسية جي جي إينوك في تصريحات لجريدة "ذا جارديان": إن إسقاط مركاتور يقلل بصريا من الحجم الحقيقي لأفريقيا؛ واعتماد خريطة تحافظ على المساحات الحقيقية من شأنه أن يوفر أساسا أكثر دقة للتعليم والفهم العام، فضلا عن كونه مؤشرا على ضرورة الكف عن النظر إلى الأهمية السكانية والاقتصادية والجيوسياسية لأفريقيا من خلال مفاهيم موروثة ومشوهة.