قبل زيارة شي جين بينج للقاهرة.. اليوان في مواجهة الدولار.. هل تتحول الصين من أكبر مورد إلى شريك في الإنتاج والتصدير ونقل التكنولوجيا؟.. خبراء: 30 مليار يوان تمهد لشراكة صناعية جديدة
تأتي زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج المرتقبة إلى مصر في توقيت تكتسب فيه العلاقات الاقتصادية بين القاهرة وبكين زخما متزايدا، بالتزامن مع تحركات لتعزيز استخدام العملات المحلية في التجارة والاستثمار، وعلى رأسها اليوان الصيني والجنيه المصري.
وتعيد الزيارة إلى الواجهة سؤالا ظل مطروحا على الساحة الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة، هل يستطيع اليوان الصيني أن يتحول تدريجيا من عملة صاعدة ومنافس محتمل الدولار إلى أداة فعلية في التجارة المصرية الصينية؟ ويكتسب السؤال أهمية خاصة بعد رفع قيمة اتفاقية مبادلة العملات بين البنك المركزي المصري وبنك الشعب الصيني إلى 30 مليار يوان، بما يعزز قدرة البلدين على استخدام العملات المحلية في تسوية جانب من المعاملات التجارية والمالية بينهما.
من مستقبل اليوان إلى استخدامه فعليا
وفي هذا الإطار تؤكد الدكتورة يمن الحماقي، أستاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس، في تصريحات خاصة لـ "فيتو" أن اليوان الصيني أصبح من أبرز العملات المنافسة الدولار، مشيرة إلى أن إدراجه ضمن سلة حقوق السحب الخاصة يعزز مكانته داخل النظام الاقتصادي العالمي.
وأوضحت الحماقي أن التحولات الاقتصادية والجيوسياسية العالمية إلى جانب صعود التكتلات الاقتصادية الجديدة دفعت عددا من الدول إلى البحث عن أدوات تقلل الاعتماد على الدولار، لافتة إلى أن اتفاقيات مبادلة العملات بين دول بريكس تمثل إحدى الآليات التي يمكن أن تساهم في هذا الاتجاه، لكن التطور الأهم بالنسبة لمصر الآن هو أن الحديث عن اليوان لم يعد نظريا فقط، إذ أصبحت هناك آلية مالية قائمة بين القاهرة وبكين يمكن أن تدعم استخدام العماني المحليتين في التجارة.
هل تصبح زيارة شي نقطة تحول؟
وتابعت قائلة: وتطرح زيارة الرئيس الصيني تساؤلا جديدا يتجاوز الحديث التقليدي عن قوة الصين ومستقبلة وهل تشهد العلاقات المصرية الصينية خلال المرحلة المقبلة توسعا فعليا في تسوية التجارة بالجنيه واليوان، فوجود اتفاقية مبادلة عملات بقيمة 30 مليار يوان يوفر إطارا يمكن من خلاله زيارة السيولة بالعملتين وتقليل الحاجة إلى المرور بالدولار في بعض المعاملات بين الشركات والبنوك في البلدين.
وأكدت: وفي حال توسع استخدام هذه الآلية يمكن أن تستفيد الشركات المصرية من تقليل بعض تكاليف التحويل بين العملات فضلا عن تنويع أدوات تمويل التجارة وتقليل الاعتماد على الدولار في جانب من العملات مع الصين، وهل ينافس اليوان الدولار في مصر ولا يعني التوسع في استخدام اليوان أن العملة الصينية ستحل محل الدولار بشكل كامل، خاصة أن العملة الأمريكية لا تزال صاحبة الدور الأكبر في التجارة والتمويل الدوليين.
وأشارت الدكتورة يمن إلى أن تقليص الاعتماد على الدولار يحتاج إلى وقت طويل، رغم ظهور عملات وأدوات دفع بديلة، موضحة أن المشهد العالمي يتجه تدريجيا نحو تنويع العملات المستخدمة في التجارة الدولية، ومن هذا المنطلق فإن أهمية اليوان بالنسبة لمصر قد لا تكون في استبدال الدولار، وإنما في إتاحة خيار إضافي لتمويل التجارة مع الصين أحد أهم الشركاء التجاريين لمصر.

اليوان الإلكتروني يعزز فرص الانتشار
وترى الحماقي أن التطور التكنولوجي يمثل عاملا آخر في تعزيز حضور العملة الصينية مشيرة إلى تجربة الصين في إصدار اليوان الإلكتروني.
وتعكس هذه الخطوة تحولًا أوسع في طبيعة المنافسة بين العملات التي لم تعد مرتبطة فقط بحجم الاقتصاد والتجارة وإنما أصبحت تشمل أيضا أنظمة المدفوعات الرقمية والبنية التكنولوجية للقطاع المالي.
لكن.. ماذا ستبيع مصر للصين؟
ورغم أهمية التوسع في استخدام اليوان فإن التحدي الأكبر أمام مصر يتمثل في تحقيق توازن أكبر في التجارة مع الصين فإذا توسع استخدام اليوان في تمويل الواردات المصرية من الصين دون زيادة موازية في الصادرات المصرية فإن الاستفادة تظل محدودة وقد يقتصر دور العملة الصينية على تسهيل تمويل جانب من الواردات.
ولهذا تؤكد رؤية الحماقي أن العملات البديلة والتكتلات الاقتصادية لن تحقق مكاسب حقيقية لمصر دون وجود قاعدة إنتاجية قوية وقدرة تنافسية تمكن المنتجات المصرية من الوصول إلى الأسواق الخارجية.
اليوان يحتاج إلى صادرات مصرية
ومن هنا، قالت: زيارة شي جين بينج يمكن أن تفتح نقاشا أوسع من مجرد استخدام العملات المحلية ليشمل إمكانية زيادة الصادرات المصرية إلى السوق الصينية وجذب استثمارات صينية تستهدف التصنيع والتصدير ونقل التكنولوجيا إلى السوق المصرية فكلما زادت الصادرات المصرية إلى الصين أصبح من الممكن أن يكون هناك تدفق أكبر للعملة الصينية إلى السوق المصرية وبالتالي يصبح استخدام الجنيه واليوان في التجارة أكثر توازنا واستدامة.
هل ينتقل اليوان من "المنافس" إلى "الشريك"؟
وأضافت: قد لا تكون القضية الحقيقية هي ما إذا كان اليوان سيحل محل الدولار وإنما إلى أي مدى يمكن أن يصبح اليوان شريكا أساسيا للدولار في تمويل التجارة المصرية الصينية.
تابعت: وهنا تكتسب زيارة شي جين بينج أهمية خاصة لأنها تأتي في توقيت تتوافر فيه الأدوات المالية اللازمة وعلى رأسها اتفاقية مبادلة العملات، بينما يبقى التحدي في تحويل هذه الأدوات إلى استخدام فعلي يرفع حجم التجارة والاستثمار المتبادل، وبالتالي فإن مستقبل اليوان في مصر لن تحدده العملة وحدها، وإنما ستحدده قدرة الاقتصاد المصري على زيادة الإنتاج والصادرات وجذب الاستثمارات والاستفادة من التحول الجاري في النظام الاقتصادي العالمي.
ويساندها الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي، بالتاكيد على أن زيارة الرئيس الصيني لمصر تمثل محطة محورية لتعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين وفتح آفاق جديدة أمام زيادة الصادرات المصرية إلى السوق الصيني بما يسهم في تصحيح الاختلال القائم في الميزان التجاري بين البلدين خاصة في ظل ارتفاع حجم التبادل التجاري إلى نحو 20.78 مليار دولار خلال عام 2025.
وأوضح الشافعي أن العلاقات التجارية المصرية الصينية تشهد عجزًا تجاريًا هيكليًا كبيرًا لغير صالح مصر حيث تسجل الواردات المصرية من الصين نحو 19.9 مليار دولار وتشكل النصيب الأكبر من حجم التبادل التجاري وتتركز بشكل أساسي في الآلات والمعدات الكهربائية والأجهزة والسيارات ومستلزمات الإنتاج.

وفي المقابل، لم تتجاوز الصادرات المصرية للسوق الصيني حاجز 880 مليون دولار سنويًا في عام 2025 وهو ما أدى إلى عجز تجاري يتجاوز 19 مليار دولار لصالح الصين بما يمثل نحو 44% من إجمالي عجز الميزان التجاري غير البترولي لمصر.
طفرة في الصادرات المصرية خلال 2026
وأشار الشافعي إلى أن الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 شهدت تحسنًا ملحوظًا في مسار الصادرات المصرية إلى السوق الصيني بعدما قفزت بنسبة 212.6% لتسجل نحو 737.6 مليون دولار، مقارنة بـ 235.9 مليون دولار خلال نفس الفترة من عام 2025.
وأضاف أن التبادل التجاري الإجمالي ارتفع خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 ليصل إلى نحو 9.1 مليار دولار إلا أن التحدي الرئيسي يتمثل في استمرار العمل على توسيع قاعدة السلع المصرية القادرة على النفاذ إلى السوق الصيني باعتبار ذلك الأداة الأساسية لتقليص الفارق الكبير في الميزان التجاري.
وأوضح في تصريحات خاصة لموقع فيتو أن الصادرات المصرية تعتمد حاليًا بشكل رئيسي على الوقود والزيوت المعدنية بقيمة تقدر بنحو 406 ملايين دولار خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 تليها الفواكه والمنتجات الزراعية بحوالي 122.3 مليون دولار ثم ألياف النسيج والقطن بقيمة تقارب 59.6 مليون دولار إلى جانب الرخام والأحجار والملح والكيماويات غير العضوية بأكثر من 28.1 مليون دولار.
الزراعة والغذاء والقطن والرخام أبرز القطاعات الواعدة
ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن النفاذ الواسع إلى السوق الصيني يمثل فرصة غير مسبوقة أمام قطاعات متعددة لرفع معدلات النمو التصديري وفي مقدمتها القطاع الزراعي والغذائي خاصة الحاصلات البستانية التي تم التوافق على النفاذ الجمركي والاشتراطات الصحية (GACC) الخاصة بها.
وأوضح أن أبرز هذه المنتجات تشمل الموالح وعلى رأسها البرتقال المصري الذي يمتلك حصة تنافسية كبيرة في الصين إلى جانب الفراولة المجمدة (IQF)، والمانجو والرمان والتمور والرمانات فضلًا عن البذور الزيتية مثل الفول السوداني والسمسم والنباتات الطبية والعطرية.
وأضاف الشافعي أن قطاع الغزل والنسيج والقطن طويل التيلة يمثل أيضًا فرصة مهمة في ظل تزايد الطلب الصيني على الألياف الطبيعية والغزل عالي الجودة لاستخدامها في صناعات الملابس الصينية إلى جانب قطاع الرخام والجرانيت ومواد البناء الذي يمتلك فيه المنتج المصري ميزة تفضيلية من حيث التكلفة والجودة.
كما أشار إلى أهمية التوسع في تصدير المخصبات الزراعية والبتروكيماويات باعتبارها من المنتجات التي تدخل في احتياجات التنمية الصناعية الصينية الضخمة مؤكدًا أن زيادة الصادرات المصرية إلى الصين يجب ألا تقتصر على المواد الخام وإنما تمتد إلى المنتجات ذات القيمة المضافة.
وأكد أن تفعيل اتفاقيات تيسير النفاذ إلى السوق الصيني بالتوازي مع زيادة الاستثمارات الصينية المباشرة في مصر يمثلان محورًا أساسيًا لتعظيم الاستفادة من العلاقات الاقتصادية بين البلدين خاصة أن الاستثمارات الصينية سجلت 137.2 مليون دولار في النصف الأول من العام المالي 2025/ 2026 بزيادة 31.9%.
واختتم الشافعي بالتأكيد على أن زيادة الاستثمارات الصينية في مصر يمكن أن تسهم في توطين الصناعة وتعميق التصنيع المحلي وخلق فرص للتصدير العكسي إلى السوق الصيني بما يدعم جهود الدولة لتقليص الفجوة التجارية وتأمين موارد دولارية مستدامة للاقتصاد المصري.
ومن جانبه، أكد الدكتور عبد المنعم السيد، مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، أن الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر تأتي في توقيت استثنائي، وتتجاوز في أهميتها الأبعاد السياسية والدبلوماسية التقليدية، لتكتسب أبعادًا اقتصادية واستثمارية وتكنولوجية أكثر عمقًا وتأثيرًا.
وأوضح لـ"فيتو" أن العالم يشهد حاليًا إعادة تشكيل واسعة لخريطة التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد، في ظل تصاعد المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين، إلى جانب القيود والضغوط المتزايدة على الاستثمارات والمنتجات الصينية في الأسواق الغربية.
وأضاف أن الصين تبحث في المقابل عن أسواق جديدة ومراكز صناعية واستثمارية تتيح لها مواصلة توسعها الاقتصادي والوصول إلى مناطق وأسواق جديدة، بينما تسعى مصر إلى جذب شراكات قادرة على دعم الصناعة وزيادة الصادرات ونقل التكنولوجيا وتوفير العملة الأجنبية، وهو ما يمنح الزيارة المرتقبة أهمية اقتصادية كبيرة.
العلاقات المصرية الصينية.. قاعدة اقتصادية قابلة للتوسع
وأشار عبد المنعم السيد إلى أن العلاقات المصرية الصينية ليست وليدة المرحلة الراهنة، إذ كانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية، قبل أن تتطور العلاقات على مدار العقود الماضية بصورة متسارعة، وصولًا إلى إعلان الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2016.
وأكد أن الأهم في المرحلة الحالية هو امتلاك هذه العلاقات قاعدة اقتصادية حقيقية يمكن البناء عليها، موضحًا أن حجم التبادل التجاري بين مصر والصين بلغ نحو 20.78 مليار دولار بنهاية عام 2025، مقابل نحو 17.37 مليار دولار خلال عام 2024، بمعدل نمو يقارب 19.6%.
وقال: إن هذه الأرقام تعكس المكانة المتزايدة للصين داخل الاقتصاد المصري، مشددًا على أن الوقت حان للانتقال بالعلاقات بين البلدين من مجرد علاقة تجارية إلى شراكة صناعية، ومن تنفيذ المشروعات إلى توطين التكنولوجيا، ومن استيراد المنتجات إلى إنتاجها وتصديرها.
«الإنتاج مع الصين» بدلًا من «التجارة مع الصين»
وشدد مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية على ضرورة أن تقوم المرحلة المقبلة على الانتقال من مفهوم «التجارة مع الصين» إلى مفهوم «الإنتاج مع الصين».
وأوضح أن مصر لا تحتاج فقط إلى زيادة حجم رؤوس الأموال الوافدة، وإنما تحتاج بصورة أكبر إلى استثمارات منتجة تؤدي إلى إنشاء مصانع جديدة، وتوفير فرص عمل، ونقل التكنولوجيا، وزيادة الصادرات، وخفض فاتورة الواردات.
ولفت إلى أن الصين تعد من أكثر الشركاء قدرة على تقديم هذا النموذج في المرحلة الراهنة، في ظل امتلاكها فوائض رأسمالية وصناعية ضخمة تبحث عن فرص جديدة خارج حدودها، فضلًا عن الضغوط المتزايدة التي تواجهها شركاتها في بعض الأسواق الأمريكية والأوروبية، وهو ما يدفعها إلى البحث عن وجهات استثمارية بديلة ومراكز إنتاج جديدة.

مصر منصة صناعية ولوجستية للشركات الصينية
وأشار إلى أن مصر تمتلك مجموعة من المزايا التي تجعلها وجهة جاذبة للاستثمارات الصينية، في مقدمتها السوق المحلية التي يتجاوز عدد سكانها 120 مليون نسمة، والموقع الجغرافي الاستراتيجي، وقناة السويس باعتبارها أحد أهم الممرات التجارية العالمية، إلى جانب البنية التحتية والموانئ والمناطق الصناعية والاقتصادية، فضلًا عن شبكة الاتفاقيات التجارية التي تتيح النفاذ إلى الأسواق العربية والأفريقية والأوروبية.
وأكد أن مصر يجب ألا تقدم نفسها للصين باعتبارها مجرد سوق كبيرة للمنتجات الصينية، وإنما باعتبارها منصة صناعية ولوجستية تستطيع الشركات الصينية من خلالها الوصول إلى مئات الملايين من المستهلكين في أفريقيا والعالم العربي، فضلًا عن الأسواق الأوروبية.
وقال: إن «المعادلة الأكثر نجاحًا هي أن تصبح مصر مركزًا لإنتاج المنتجات الصينية خارج الصين، وليس مجرد سوق لاستهلاكها».
«تيدا – مصر» نموذج ناجح للتعاون الصناعي
وأوضح عبد المنعم السيد أن التجربة القائمة بالفعل تؤكد تجاوز التعاون المصري الصيني مرحلة التصريحات والاتفاقيات، مشيرًا إلى أن منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري «تيدا – مصر» داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تمثل نموذجًا واضحًا لهذا التعاون.
وأشار إلى أن المنطقة تضم أكثر من 200 شركة باستثمارات تراكمية تجاوزت 4.7 مليار دولار، فيما تجاوزت مبيعاتها التراكمية 7.3 مليار دولار، وأسهمت في توفير أكثر من 10 آلاف فرصة عمل مباشرة.
وأكد أن هذه التجربة يجب أن تتحول من نموذج ناجح محدود إلى قاعدة يمكن البناء عليها لإنشاء تجمعات صناعية صينية أكبر وأكثر تنوعًا.
البنية التحتية تفتح الباب أمام توطين التكنولوجيا
ولفت إلى أن الشركات الصينية أصبحت لاعبًا مهمًا في تنفيذ عدد كبير من مشروعات البنية التحتية المصرية، بدءًا من منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية الجديدة، وعلى رأسها البرج الأيقوني الذي يبلغ ارتفاعه 385.8 متر، ويعد أطول مبنى في أفريقيا، مرورًا بمشروعات النقل، ومنها القطار الكهربائي الخفيف «LRT»، وصولًا إلى التعاون في مجالات الفضاء والأقمار الصناعية وتطوير قدرات التجميع والدمج والاختبار.
وأكد أن المرحلة المقبلة يجب أن تختلف عن المرحلة السابقة، فبعد استفادة مصر من الخبرات الصينية في مجال البنية التحتية، أصبح من الضروري أن يتحول التركيز إلى توطين الصناعة والتكنولوجيا.
السيارات والبطاريات والذكاء الاصطناعي.. قطاعات واعدة
وشدد على أن المباحثات المرتقبة يمكن أن تركز على التوسع في عدد من القطاعات ذات الأولوية، وفي مقدمتها صناعة السيارات، خاصة السيارات الكهربائية، والبطاريات، والإلكترونيات، ومراكز البيانات، والذكاء الاصطناعي، والطاقة الجديدة والمتجددة، والصناعات الكيماوية، والمنسوجات والملابس الجاهزة.
وأضاف أن المنافسة المتوقعة بين الشركات الصينية والأمريكية في مشروعات التكنولوجيا المتقدمة، ومنها مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية، يمكن أن تمثل فرصة مهمة لمصر.
وأوضح أن المصلحة المصرية لا ينبغي أن تقوم على الانحياز إلى طرف على حساب آخر، وإنما على خلق منافسة حقيقية بين القوى الدولية بما يضمن الحصول على أفضل الشروط الممكنة.
وأكد ضرورة أن تقترن أي حوافز استثمارية واضحة بمؤشرات قابلة للقياس، مثل حجم الاستثمار، وعدد المصانع التي سيتم إنشاؤها، ونسبة المكون المحلي، وحجم العمالة المصرية، ومراكز البحث والتطوير، ونسبة الإنتاج الموجهة للتصدير.
الاستثمار الصيني.. تمويل وتكنولوجيا وسرعة تنفيذ
وأشار مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية إلى أن رأس المال الصيني يمتلك في المرحلة الحالية مجموعة من المزايا المهمة بالنسبة للسوق المصرية، من بينها قدرة الشركات الصينية على الجمع بين التمويل والتكنولوجيا وسرعة التنفيذ.
وأضاف أن الصين تمتلك خبرة واسعة في بناء منظومات صناعية متكاملة، وليس مجرد إنشاء مصانع منفصلة، وهو النموذج الذي تحتاج إليه مصر، خاصة في صناعات السيارات والإلكترونيات والبطاريات والطاقة الجديدة.
ولفت إلى أن الصين قد تكون أكثر استعدادًا في بعض القطاعات لإنشاء مراكز إنتاج في الأسواق الناشئة، في وقت تركز فيه شركات أمريكية وأوروبية كثيرة على الأسواق الكبرى أو الأكثر تقدمًا في مجالات التكنولوجيا والبرمجيات والذكاء الاصطناعي.
وأوضح أن ذلك يمنح مصر فرصة لجذب جزء من الاستثمارات الصينية التي تبحث عن أسواق جديدة، خاصة إذا تم تقديم حوافز مرتبطة بالإنتاج والتصدير ونقل التكنولوجيا.
شروط مصرية لتعظيم عائد الاستثمارات
وأكد عبد المنعم السيد أن نجاح الشراكة المصرية الصينية لا يعني فتح السوق المصرية بلا شروط، مشيرًا إلى أن التجارب الاقتصادية العالمية تؤكد أن الاستثمار الأجنبي يحقق أعلى قيمة عندما يرتبط بزيادة القيمة المضافة المحلية.
وشدد على ضرورة أن تتضمن أي اتفاقيات جديدة مع الشركات الصينية برامج واضحة لزيادة نسبة المكون المحلي، ونقل التكنولوجيا، وتدريب العمالة المصرية، وتوطين الموردين المحليين، وإنشاء مراكز للبحث والتطوير.
وقال إن الهدف لا يجب أن يكون دخول الشركات الصينية إلى مصر لبيع منتجاتها فقط، أو حتى لتجميع منتجات مستوردة، وإنما أن تتحول مصر تدريجيًا إلى مركز صناعي حقيقي داخل سلاسل الإنتاج الصينية العالمية.
«بريكس» والحزام والطريق يدعمان فرص التعاون
وأوضح أن انضمام مصر إلى تجمع «بريكس» يفتح آفاقًا جديدة لتعزيز التعاون التجاري والاستثماري بين الدول الأعضاء، فضلًا عن إمكانية دراسة زيادة استخدام العملات المحلية في بعض المعاملات التجارية، بما قد يساهم على المدى الطويل في تخفيف جزء من الضغوط المرتبطة بالطلب على الدولار، وإن كان ذلك يتطلب آليات مالية وتجارية واضحة وقابلة للتنفيذ.
وأشار إلى أن التكامل بين مبادرة «الحزام والطريق» الصينية و«رؤية مصر 2030» يمكن أن يمنح العلاقات بين البلدين بعدًا اقتصاديًا أكثر استدامة، خاصة أن مصر تستهدف التحول إلى مركز إقليمي للصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة والتجارة، بينما تبحث الصين عن ممرات وأسواق ومراكز إنتاج جديدة.
وأكد أن هذه الأهداف تخلق مساحة واسعة من المصالح المشتركة بين القاهرة وبكين.
3 أهداف يجب أن تحققها زيارة الرئيس الصيني
وشدد عبد المنعم السيد على أن نجاح الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني إلى مصر لا ينبغي أن يقاس بعدد مذكرات التفاهم أو الاتفاقيات التي سيتم توقيعها فقط، وإنما بنوعية المشروعات التي ستخرج بها.
وأوضح أن مصر تحتاج اليوم إلى استثمارات تحقق ثلاثة أهداف في الوقت نفسه: زيادة الإنتاج المحلي، ورفع الصادرات، ونقل التكنولوجيا بصورة حقيقية.
وأضاف أن الفرصة المتاحة أمام القاهرة وبكين تتجاوز مجرد توسيع حجم التجارة، فالصين تحتاج إلى مصر باعتبارها بوابة استراتيجية إلى أفريقيا والشرق الأوسط، بينما تحتاج مصر إلى الصين باعتبارها قوة صناعية وتكنولوجية ومالية عالمية قادرة على دعم عملية التحول الاقتصادي.
واختتم عبد المنعم السيد تصريحاته بالتأكيد على أن القيمة الحقيقية للزيارة المرتقبة تكمن في قدرتها على نقل العلاقات المصرية الصينية إلى مرحلة جديدة؛ من التبادل التجاري إلى التكامل الصناعي، ومن تنفيذ المشروعات إلى توطين التكنولوجيا، ومن استيراد المنتجات إلى إنتاجها وتصديرها.
وأكد أنه إذا استطاعت مصر إدارة هذه الشراكة وفق رؤية اقتصادية واضحة تحمي مصالحها الوطنية، وتربط الاستثمار بالإنتاج والتصدير ونقل المعرفة، فإن الصين لن تكون مجرد شريك تجاري كبير، بل يمكن أن تصبح أحد أهم الشركاء في بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية جديدة للاقتصاد المصري.
وأوضح أن الفرصة الحقيقية لا تكمن فقط في استثمار الصين داخل مصر، وإنما في أن تصبح مصر جزءًا من السلسلة الصناعية العالمية للصين، مع استخدام هذه الشراكة في الوقت نفسه لبناء القدرات الوطنية المستقلة، وهو ما يمثل جوهر الأهمية الاقتصادية للزيارة المرتقبة للرئيس الصيني إلى القاهرة.