فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

الأقمار الصناعية تكشف دعم إثيوبيا لمليشيات الدعم السريع.. تحركات عسكرية كبيرة في قاعدة أصوصا تزامنا مع تصاعد القتال في النيل الأزرق.. والسودان يواجه السيناريو الأصعب

صور الأقمار الصناعية
صور الأقمار الصناعية فوق قاعدة تابعة للجيش الإثيوبي

تثير التحركات العسكرية المتسارعة في قاعدة أصوصا الإثيوبية، قرب الحدود السودانية، تساؤلات تتجاوز مسألة تعزيز الوجود العسكري إلى طبيعة الدور الذي تؤديه إثيوبيا في المرحلة الجديدة من الحرب السودانية؛ حيث رصدت صور الأقمار الصناعية وصول نحو 100 مركبة عسكرية إلى القاعدة خلال الأسبوع الماضي، إلى جانب ناقلات مدرعة ومعدات لوجستية، بالتزامن مع تصاعد القتال في إقليم النيل الأزرق، ما يعكس تحول الحدود الإثيوبية إلى مصدر امتداد دعم عسكري مباشر لميليشيات الدعم السريع.

وبحسب تحليل مختبر الأبحاث الإنسانية التابع لكلية ييل للصحة العامة، فإن القاعدة شهدت بين 23 و28 أغسطس زيادة كبيرة في أعداد المركبات والمعدات العسكرية، بقدرة تتراوح بين فوج كبير ولواء، الأمر الذي يمنح التحركات بعدا يتجاوز مجرد تعزيز أمني على الحدود، وفق تقرير نشره موقع "أديس ستاندرد"، المحظور إثيوبيا.

هل تستعد إثيوبيا للتدخل العسكري المباشر في الحرب؟

يزيد توقيت الحشد وموقع قاعدة أصوصا مستوى المخاوف بشأن ارتباط هذه التحركات بالصراع الدائر في النيل الأزرق؛ حيث أشار المختبر إلى أن العديد من المركبات كانت مزودة بحوامل أسلحة ظاهرة، بما في ذلك خمس مركبات على الأقل بدت وكأنها تحمل أسلحة مثبتة. كما حدد المختبر مجموعة منفصلة من 15 مركبة تتطابق مع ناقلات الجنود المدرعة.

وبحسب موقع "أديس ستاندرد"، فإن حجم التعزيزات العسكرية يعد كافيا لدعم قوة تتراوح بين فوج كبير ولواء، حيث تستطيع المركبات نقل ما يقدر بنحو 750 إلى 1000 فرد. وتزامن هذا التعزيز مع وصول خمس ناقلات مركبات على الأقل و14 مقطورة مركبات.

يحرص قائد ميليشيات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على زيارة إثيوبيا ولقاء رئيس وزرائها آبي أحمد
يحرص قائد ميليشيات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على زيارة إثيوبيا ولقاء رئيس وزرائها آبي أحمد

كما رصد ما لا يقل عن 60 حاوية شحن جديدة بين 29 يونيو و23 أغسطس، تلتها 15 حاوية أخرى وما لا يقل عن ثماني شاحنات نقل بضائع بين 23 و28 أغسطس؛ فيما  لوحظ اكتمال سقف هيكل يبلغ قياسه حوالي 70 مترا في 17 مترا في 23 أغسطس، وسط احتمالات بأن يكون مبنى لتخزين المركبات.

لماذا تثير أصوصا قلق الخرطوم؟

تتعامل الحكومة السودانية مع التطورات في أصوصا باعتبارها جزءا من نمط أوسع من الدعم الخارجي لمليشيات الدعم السريع؛ حيث تتهم الخرطوم أديس أبابا وحكومة آبي أحمد بالسماح باستخدام أراضيها كنقطة انطلاق لهجمات بطائرات مسيرة وأنشطة مرتبطة بالحرب، بينما تقول السلطات السودانية إن قاعدة أصوصا جرى تخصيصها لأنشطة مرتبطة بميليشيات الدعم السريع.

لكن أهمية هذه الاتهامات لا تكمن فقط في مضمونها، وإنما في توقيتها أيضا؛ حيث يعكس وجود مركبات مزودة بحوامل أسلحة، وناقلات جنود مدرعة، وأعداد كبيرة من المعدات اللوجستية، صعوبة تجاهل البعد العملياتي للتحركات. 

وبحسب مراقبين، فإن السيناريو الأكثر إثارة للقلق لا يتمثل بالضرورة في دخول القوات الإثيوبية الحرب مباشرة، وإنما في تحول أراضيها إلى عمق لوجستي أو قاعدة دعم لمليشيات الدعم السريع، بما يسمح بتغيير قواعد الاشتباك دون إعلان تدخل رسمي.

هل تستغل مليشيات الدعم السريع الحدود الإثيوبية لتوسيع جبهاتها؟

تؤكد السودان أن تصعيد ميليشيات الدعم السريع لعملياتها في النيل الأزرق يرتبط بأنشطة تنطلق من الجانب الإثيوبي، وهو اتهام تعززه تحليلات مستقلة وصور الأقمار الصناعية. كما أعلنت السلطات السودانية إسقاط طائرة مسيرة قالت إنها دخلت أجواء ولاية النيل الأزرق قادمة من الأراضي الإثيوبية.

وقال مستشار رئيس مجلس السيادة للشؤون السياسية والعلاقات الخارجية، أمجد فريد في بيان على منصة "إكس": "يتزامن وصول محمد حمدان دقلو (حميدتي) إلى أديس أبابا اليوم مع تصاعد هجمات ميليشيا قوات الدعم السريع على النيل الأزرق، على الجبهة الشرقية للسودان".

وأضاف: "تشن هذه الهجمات من الأراضي الإثيوبية، وتحديدا من قاعدة أصوصا التابعة للجيش الإثيوبي، التي جرى تخصيصها لمليشيات الدعم السريع".

اتهامات سودانية لحكومة آبي أحمد بدعم ميليشيات الدعم السريع
اتهامات سودانية لحكومة آبي أحمد بدعم ميليشيات الدعم السريع

وتابع مستشار رئيس مجلس السيادة للشؤون السياسية والعلاقات الخارجية: هذه ليست اتهامات جديدة ولا ادعاءات غير موثقة، إذ وثقتها صور الأقمار الصناعية وتحليلات مستقلة، من بينها تحقيق أجراه مختبر الأبحاث الإنسانية التابع لجامعة ييل، والذي وثق استمرار أنشطة لوجستية وعسكرية مرتبطة بقوات الدعم السريع في أصوصا.

وفي السياق ذاته، كشفت تصريحات عسكرية سودانية أن "ميليشيات الدعم السريع تلقت إمدادات عبر مطار قاعدة أصوصا خلال الهجمات الأخيرة التي شهدها إقليم النيل الأزرق جنوب شرقي السودان، حيث شنت مليشيات الدعم السريع بالتحالف مع الحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال (جناح جوزيف توكا) هجمات برية وجوية واسعة النطاق استهدفت محوري الكرمك وقيسان الشريطيين المحاذيين للحدود الإثيوبية".

هل تمتد المعركة من النيل الأزرق إلى شمال كردفان؟

يحذر تحليل ييل من أن التصعيد في النيل الأزرق قد يكون مرتبطا بهدف أوسع يتمثل في إبعاد قوات الجيش السوداني عن شمال كردفان، بما يسمح بزيادة الضغط على الأبيض ومناطق أخرى.

وفي حال تحقق هذا السيناريو، فإن الحرب ستدخل مرحلة أكثر تعقيدا؛ إذ لن تكون المعارك مجرد عمليات للسيطرة على المدن، وإنما جزءا من استراتيجية لإعادة توزيع القوات وفتح ممرات جديدة للحركة والإمداد. وهذا قد يجعل المدنيين أكبر الخاسرين، خصوصا في ظل احتمالات النزوح الجماعي من النيل الأزرق إلى داخل السودان أو عبر الحدود نحو إثيوبيا، بحسب "أديس ستاندرد".

صوة توضح أحد معسكرات مليشيات الدعم السريع في إثيوبيا
صوة توضح أحد معسكرات مليشيات الدعم السريع في إثيوبيا

ويرى المراقبون أن انخراط أديس أبابا -المباشر أو غير المباشر- في الحرب السوادنية قد يفتح عليها جبهة سياسية وأمنية جديدة؛ حيث ترتبط إثيوبيا –أصلا- بملفات شديدة الحساسية مع السودان، أبرزها الحدود وسد النهضة، وأي تورط في الصراع الداخلي السوداني قد يحول هذه الملفات من خلافات ثنائية إلى عناصر ضمن مواجهة إقليمية أوسع.

وتأتي قاعدة أصوصا في قلب هذه المعادلة؛ فالحشد العسكري الذي ترصده صور الأقمار الصناعية لا يثبت فقط وجود قرار إثيوبي بالتدخل، لكنه يبعث بإشارة سياسية وأمنية واضحة إلى أن الحدود الشرقية للسودان قد تصبح واحدة من أهم مسارح الحروب الإقليمية التي يصعب احتواؤها.