فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

الماجستير والدكتوراه في زمن الذكاء الاصطناعي.. مناقشو الرسائل العلمية يطلقون جرس إنذار: باحثون يعتمدون على التقنيات الحديثة بشكل كامل دون بحث ودراسة ونقد

وزير التعليم العالي
وزير التعليم العالي والبحث العلمي، فيتو

لم يعد دخول الذكاء الاصطناعي إلى الجامعات المصرية احتمالًا مؤجلًا أو سيناريو ينتمي إلى المستقبل، بل أصبح واقعًا يفرض نفسه على الباحثين وأعضاء هيئة التدريس والمشرفين ولجان المناقشة والتحكيم، بعدما تحولت أدوات الذكاء الاصطناعي إلى جزء من الأدوات التي يمكن للباحث اللجوء إليها في مراحل متعددة من العمل العلمي، بدءًا من البحث عن المعلومات وترجمة المراجع وتنظيم الأفكار، مرورًا بالمراجعة اللغوية وتحليل البيانات، وصولًا إلى إعادة صياغة النصوص وإنتاج أجزاء كاملة من الأبحاث والرسائل العلمية.

وفي الوقت الذي ينظر فيه البعض إلى هذه التكنولوجيا باعتبارها ثورة يمكن أن تغير شكل البحث العلمي، وتوفر على الباحث ساعات طويلة من العمل الروتيني، وتساعده على الوصول إلى المعلومات وتحليلها بصورة أسرع، فإن الوجه الآخر لهذه الثورة يطرح أسئلة أكثر تعقيدًا وخطورة، تتعلق بأصالة البحث العلمي، ومصداقية النتائج، وحقوق الملكية الفكرية، وحدود الاستعانة بالآلة، والأهم من ذلك كله: هل لا يزال الباحث هو صاحب العمل الفكري الذي يحصل بموجبه على الدرجة العلمية؟

فالفارق كبير بين باحث يستخدم الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة تساعده على إنجاز بعض المهام، وبين باحث يترك للآلة مهمة صياغة أفكاره وبناء حججه وتحليل نتائجه وإعداد أجزاء واسعة من رسالته، ثم يقدم الناتج النهائي باعتباره ثمرة جهده الشخصي.

وهنا تحديدًا تبدأ المعضلة الحقيقية، فالمشكلة لم تعد مجرد سؤال تقني حول قدرة الجامعات على اكتشاف النصوص التي أنتجها الذكاء الاصطناعي، لأن أدوات هذه التكنولوجيا تتطور بسرعة، كما تتطور في المقابل أدوات إعادة الصياغة والمحاكاة وتغيير الأسلوب، بما يجعل الاعتماد على برامج الكشف وحدها غير كافٍ للحكم على مدى مشاركة الذكاء الاصطناعي في إنتاج نص أو بحث.

وبقدر ما يمثل الذكاء الاصطناعي فرصة حقيقية لتطوير منظومة البحث العلمي، فإنه يفرض في الوقت نفسه إعادة النظر في الطريقة التي يتم بها تقييم الباحثين ورسائل الماجستير والدكتوراه وأبحاث الترقية.

فربما لم يعد السؤال الأهم: "هل استخدم الباحث الذكاء الاصطناعي؟"، وإنما أصبح: "في أي جزء من البحث استخدمه؟ وإلى أي مدى؟ وهل ظل الباحث صاحب الفكرة والتحليل والاستنتاج، أم تحولت الآلة إلى بديل عنه؟".

ومن هنا تتعدد الرؤى بين المتخصصين، لكن معظمها يلتقي عند قاعدة واحدة، أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة قوية في خدمة البحث العلمي، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى صاحب البحث أو منتج المعرفة بدلًا من الباحث.."فيتو" تناقش واقع الرسائل العلمية في زمن الذكاء الاصطناعي في ظل شكاوى متعددة من باحثين وأكاديميين من الاستغلال السيئ للذكاء الاصطناعي ولجوء بعض الباحثين إليه لإنجاز أبحاثهم دون أدنى جهد منهم.

مضمون الأبحاث العلمية هو الفيصل

يرى الدكتور محمود السعيد، نائب رئيس جامعة القاهرة لشئون الدراسات العليا والبحوث، أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي شهدت تطورًا كبيرًا خلال الفترة الأخيرة، وأصبحت بعض الأدوات قادرة بالفعل على إنتاج رسالة بحثية كاملة من الناحية الشكلية واللغوية، إلا أن النظر إليها من زاوية علمية دقيقة يكشف في كثير من الحالات افتقارها إلى المضمون وإلى الإضافة العلمية الحقيقية التي يفترض أن تميز البحث الأكاديمي.

وأوضح السعيد أن إنتاج نص طويل ومنظم، يحتوي على مقدمة وفصول ومراجع ونتائج وتوصيات، لا يعني بالضرورة أننا أمام بحث علمي حقيقي، لأن قيمة الرسالة العلمية لا تتحدد بالشكل وحده، وإنما بما تتضمنه من فكرة أصيلة، ومشكلة بحثية واضحة، ومنهج علمي سليم، وتحليل للأدلة، وقدرة على الوصول إلى نتائج تضيف جديدًا إلى المجال العلمي، مشيرا إلى أن هذه الجوانب هي التي يستطيع المشرف المتابع للباحث اكتشافها، خصوصًا عندما يكون على دراية بمستوى الباحث وقدراته وطبيعة تطور عمله خلال مراحل إعداد الرسالة.

وأكد السعيد أن قدرة المشرف على اكتشاف استخدام الباحث للذكاء الاصطناعي تختلف من حالة إلى أخرى، موضحًا أن الأمر يصبح أكثر تعقيدًا عندما يستخدم الباحث الذكاء الاصطناعي في أجزاء محددة من الرسالة، بينما يتولى بنفسه صياغة السؤال الرئيسي والأهداف والتوصيات والمضمون الأساسي للعمل.

وفي هذه الحالة، يصبح من الصعب التعامل مع استخدام الذكاء الاصطناعي باعتباره مخالفة لمجرد أن الباحث استعان به، لأن استخدام التكنولوجيا في بعض المهام لا يعني بالضرورة أن الآلة قامت بالعمل الفكري الأساسي، موضحا أن بعض المشرفين يمتلكون خبرة طويلة وحسًا نقديًا يمكنهم من ملاحظة الفروق بين ما ينتجه الباحث بنفسه وما قد يكون قد أُعد بواسطة الذكاء الاصطناعي، خاصة من خلال متابعة تطور الرسالة على مراحل، ومقارنة مستوى الباحث في الكتابة والتحليل بما يقدمه في المراحل المختلفة.

الاستخدام المشروع يختلف عن الاعتماد الكامل

وشدد نائب رئيس جامعة القاهرة لشئون الدراسات العليا والبحوث على أن الذكاء الاصطناعي يمكن استخدامه في الخير أو الشر، شأنه شأن كثير من أدوات التكنولوجيا الحديثة، وأن المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا ذاتها، وإنما في الطريقة التي يتم استخدامها بها، منوها إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي باعتباره أداة مساعدة أمر مشروع ومشجع، ويمكن أن يساهم في رفع كفاءة الباحث وتوفير الوقت والجهد، بينما الاعتماد عليه في كتابة الأبحاث والرسائل العلمية بصورة كاملة يمثل تجاوزًا للحدود الأخلاقية والعلمية والقانونية.

وأشار إلى أن هناك فارقًا واضحًا بين أن يستخدم الباحث أداة للترجمة أو التدقيق اللغوي أو تنظيم البيانات، وبين أن يطلب من الذكاء الاصطناعي إنتاج الرسالة العلمية نيابة عنه، ثم يقدمها إلى الجامعة باعتبارها نتاجًا فكريًا شخصيًا.

وحذر السعيد في الوقت نفسه من التعامل مع برامج كشف المحتوى الناتج عن الذكاء الاصطناعي باعتبارها حلًا نهائيًا وحاسمًا في هذه القضية.

وأوضح أن هذه الأدوات قد تخطئ أحيانًا، وقد تؤدي إلى ظلم بعض الباحثين، خصوصًا في الحالات التي يكون فيها الباحث قد كتب العمل بنفسه، لكنه استعان بالذكاء الاصطناعي فقط لتحسين الصياغة أو اللغة أو معالجة بعض الجوانب الشكلية.

كما أن بعض الأدوات قد تتعامل مع محتوى بشري موجود بالفعل باعتباره محتوى مولدًا بواسطة الذكاء الاصطناعي، وهو ما يعني أن نتائج هذه البرامج لا يمكن أن تكون وحدها أساسًا لاتخاذ قرار يتعلق بنزاهة الباحث أو سحب درجة علمية منه.

المناقشة قد تصبح خط الدفاع الأول عن الدرجات العلمية

ويرى السعيد أن التطور المتسارع في قدرات الذكاء الاصطناعي يفرض عبئًا أكبر على المشرفين الأكاديميين، الذين أصبح مطلوبًا منهم متابعة الباحثين بصورة أكثر قربًا واستمرارًا، وعدم الانتظار حتى الانتهاء من الرسالة للحكم على مستوى الباحث ومدى فهمه للعمل الذي قدمه.

كما يرى أن لجان التحكيم والمناقشين يمثلون خط دفاع أساسيًا عن نزاهة الدرجات العلمية، لأن المناقشة المباشرة يمكن أن تكشف بدرجة كبيرة مدى فهم الباحث لما ورد في رسالته.

ودعا إلى تغيير طريقة مناقشة رسائل الماجستير والدكتوراه، بحيث تعود المناقشة إلى كونها امتحانًا حقيقيًا للباحث، وليس مجرد مناسبة أو احتفالية بمنحه الدرجة العلمية، في حضور أسرته وأصدقائه.

ويعني ذلك أن يواجه الباحث أسئلة تفصيلية حول اختياراته العلمية، والمنهج الذي استخدمه، وأسباب الوصول إلى نتائج معينة، ونقاط القوة والضعف في بحثه، وأن يكون قادرًا على الدفاع عن أفكاره أمام اللجنة.

ويرى السعيد أن هذا الأسلوب يمكن أن يكشف بسهولة أكبر ما إذا كان الباحث يفهم بالفعل ما قدمه، أم أنه مجرد ناقل لمحتوى تم إنتاجه بواسطة أدوات الذكاء الاصطناعي.

وأوضح أن استخدام الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون مسموحًا به في عدد من المهام البحثية، مثل الترجمة والصياغة اللغوية وتصحيح الأخطاء وتحليل البيانات، بشرط الإفصاح عن استخدامه وتحديد طبيعة الأجزاء التي تمت الاستعانة به فيها، مع بقاء الباحث مسؤولًا بصورة كاملة عن المحتوى النهائي للبحث.

واختتم السعيد بالتأكيد أن الحل لا يتمثل في منع الذكاء الاصطناعي، وإنما في تنظيم استخدامه بصورة مشروعة وأخلاقية، من خلال وضع أدلة إرشادية تحدد أخلاقيات استخدام هذه الأدوات، وتنظيم دورات تدريبية للباحثين، وإلزامهم بالإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي عندما يكون استخدامه مؤثرًا في العمل، مع منح لجان التحكيم والمناقشين الحق في تقييم هذا الاستخدام وتحديد ما إذا كان مقبولًا من الناحية العلمية والأخلاقية أم لا.

المشكلة تبدأ عندما يتحول الذكاء الاصطناعي من مساعد إلى بديل

من جانبه، أوضح الدكتور ياسر حسان، الباحث، أن منع الذكاء الاصطناعي بشكل كامل لم يعد أمرًا واقعيًا، كما أنه لا ينبغي التعامل معه باعتباره عدوًا للبحث العلمي، لأن التكنولوجيا أصبحت جزءًا من البيئة التي يعمل فيها الباحثون.

لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يظل أداة مساعدة، لا بديلًا عن الباحث، موضحا أن الباحث يمكنه الاستفادة من هذه التكنولوجيا في البحث عن المعلومات، وترجمة المراجع، وتنظيم الأفكار، والمراجعة اللغوية، وتحليل البيانات، وغيرها من المهام التي تساعده على إنجاز عمله بكفاءة أكبر.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاعتماد من الاستعانة الجزئية إلى الاعتماد الكامل، بحيث يصبح الذكاء الاصطناعي هو الذي ينتج أجزاء كبيرة من الرسالة أو البحث، أو يقوم بإعداد العمل بالكامل، بينما يقتصر دور الباحث على تقديمه باسمه.

وطالب حسان بوضع تشريع وضوابط واضحة تضمن التعامل بحسم مع الحالات التي يثبت فيها اعتماد الباحث بصورة كاملة على الذكاء الاصطناعي وتقديم إنتاجه باعتباره جهدًا شخصيًا.

ويرى أن الأمر قد يصل في بعض الحالات إلى سحب أو إلغاء الدرجة العلمية أو بحث الترقية إذا ثبت أن العمل لم يكن نتاجًا فكريًا حقيقيًا للباحث، محذرا من الوصول إلى مرحلة يصبح السؤال فيها حول الرسالة العلمية ليس: من كتبها؟، وإنما: هل كتبها الباحث أصلًا؟

وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح واقعًا حاضرًا في الجامعات المصرية، وأن كثيرًا من الباحثين يمكنهم استخدامه في مراحل مختلفة من إعداد رسائلهم، بداية من البحث عن المعلومات والمراجع، مرورًا بتنظيم الأفكار والمراجعة اللغوية، وصولًا إلى تحليل البيانات وإعادة صياغة النصوص.

لكنه شدد على أن استخدام هذه الأدوات لا يمثل مشكلة في حد ذاته، وإنما المشكلة تكمن عندما تتحول من وسيلة مساعدة إلى بديل عن الباحث، ويتم الاعتماد عليها في كتابة أجزاء كبيرة من الرسالة أو إعدادها بالكامل دون أن يكون هناك جهد علمي وفكري حقيقي من صاحب الرسالة.

خطرالمراجع والمعلومات الوهمية

ولفت حسان إلى أحد أخطر الجوانب المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي، وهو إمكانية إنتاج معلومات غير دقيقة أو مراجع وهمية.

وأوضح أن بعض أدوات الذكاء الاصطناعي قد تقدم للباحث معلومات تبدو صحيحة من الناحية الشكلية، أو تشير إلى دراسات ومراجع قد لا تكون موجودة بالفعل، وهو ما يجعل مسؤولية الباحث في التحقق من كل معلومة ومصدر مسؤولية أساسية لا يمكن نقلها إلى الآلة.

وأكد أن الباحث لا يستطيع الدفاع عن نفسه بالقول إن الذكاء الاصطناعي هو الذي قدم له المعلومة أو المرجع، لأن المسؤولية العلمية عن المحتوى النهائي تظل في النهاية مسؤوليته.

كما أشار إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على إعادة صياغة النصوص وتغيير أسلوبها، الأمر الذي يجعل اكتشاف بعض صور الاقتباس غير المشروع أكثر صعوبة، ومن هنا، لم يعد الاعتماد على برامج كشف التشابه أو أدوات اكتشاف النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي كافيًا وحده للحكم على أصالة البحث.

واقترح حسان الجمع بين أدوات الفحص الإلكتروني وبين المراجعة العلمية للمراجع والمنهجية والنتائج، إلى جانب مناقشة الباحث بصورة مباشرة للتأكد من فهمه الحقيقي لما قدمه، مؤكدا أن الرسالة العلمية لا تقاس بجمال صياغتها أو سلامة لغتها فقط، وإنما بقدرة صاحبها على الدفاع عن فكرتها ومنهجها ونتائجها، والإجابة عن الأسئلة المتعلقة بها، والتعامل مع الملاحظات والانتقادات التي يطرحها المناقشون.

خطر فقدان البصمة الفكرية للباحث

وأكدت الدكتورة دينا أحمد، الباحثة بمركز بحوث الصحراء، أن الذكاء الاصطناعي أصبح واحدًا من أهم التحولات التكنولوجية التي فرضت نفسها على منظومة البحث العلمي والتعليم العالي.

وترى أن التعامل معه لم يعد خيارًا مؤجلًا يمكن للجامعات والباحثين تأجيله إلى المستقبل، وإنما أصبح واقعًا يتطلب وضع قواعد واضحة تضمن الاستفادة من إمكاناته، دون أن يتحول إلى أداة تهدد أصالة البحث العلمي ومصداقيته.

وأوضحت أن القضية لا تتعلق بمجرد استخدام الذكاء الاصطناعي في إعداد الرسائل العلمية، وإنما تتعلق بكيفية استخدامه وحدود هذا الاستخدام.

فالذكاء الاصطناعي، من وجهة نظرها، يمكن أن يكون مساعدًا للباحث، لكنه لا يمكن أن يكون بديلًا عنه، لأن القيمة الحقيقية للرسالة العلمية لا تكمن فقط في الكلمات التي تحتوي عليها، ولا في جودة الصياغة والأسلوب، وإنما في الفكرة والمنهج والتحليل والقدرة على النقد والاستنتاج وإضافة معرفة جديدة.

وأكدت أن الرسالة العلمية يمكن أن تكون مكتوبة بلغة ممتازة ومنظمة بصورة شديدة الاحتراف، لكنها تظل ضعيفة علميًا إذا لم يكن صاحبها قادرًا على فهم الفكرة التي تقوم عليها أو الدفاع عن منهجها ونتائجها.

فوائد كبيرة في مقابل مخاطر حقيقية

وترى دينا أحمد أن للذكاء الاصطناعي فوائد كبيرة في مجال البحث العلمي، فهو يساعد الباحث على الوصول السريع إلى المعلومات، وتنظيم البيانات، وتحليل كميات ضخمة منها، واكتشاف الأنماط والعلاقات، والمساعدة في مراجعة الأدبيات العلمية، وتحسين الصياغة والترجمة، وتوفير الوقت والجهد في العديد من المهام الروتينية.

وهذه القدرات يمكن أن تكون ذات قيمة كبيرة للباحث، خصوصًا في ظل الحجم المتزايد للمعلومات والدراسات المنشورة، والحاجة إلى التعامل مع كميات كبيرة من البيانات والمراجع خلال وقت محدود.

لكنها في المقابل تحذر من مخاطر حقيقية لا يمكن تجاهلها، وفي مقدمتها إنتاج معلومات غير دقيقة أو مراجع وهمية، والاعتماد المفرط على مخرجات الذكاء الاصطناعي، وضعف قدرة بعض الباحثين على التمييز بين المعلومة الصحيحة والخاطئة.

كما تشمل المخاطر الانتحال العلمي، وفقدان البصمة الفكرية للباحث، وانتهاك حقوق الملكية الفكرية والخصوصية عند إدخال بيانات أو مواد بحثية حساسة إلى بعض أدوات الذكاء الاصطناعي.

وترى أن الخطر الأكبر يتمثل في تحول الباحث من منتج للمعرفة إلى مجرد ناقل لما تنتجه الآلة، فإذا كانت الرسالة مكتوبة بصورة جيدة، ومنظمة بشكل احترافي، لكنها لا تعكس فهم الباحث الحقيقي لمشكلته البحثية ومنهجه ونتائجه، فإن الأزمة هنا لا تتعلق بالشكل وإنما تصل إلى جوهر العملية العلمية نفسها.

تغيير معايير تقييم الرسائل العلمية

كما ترى أن مواجهة هذه المخاطر لا تكون بمنع الذكاء الاصطناعي بصورة مطلقة، لأن المنع الكامل قد يحرم الباحثين من أدوات علمية مهمة يمكن أن ترفع من كفاءة العمل البحثي، بينما يكمن الحل الأفضل في الاستخدام المسؤول والمنظم، ووضع سياسات مؤسسية واضحة تحدد ما يجوز استخدام الذكاء الاصطناعي فيه وما لا يجوز.

كما دعت إلى إلزام الباحث بالإفصاح عن استخدامه لهذه الأدوات متى كان استخدامها مؤثرًا في العمل البحثي، حتى يكون هناك وضوح في طبيعة العلاقة بين الباحث والأداة.

وأكدت كذلك ضرورة تغيير آليات تقييم الرسائل العلمية، بحيث لا يعتمد التقييم على جودة الصياغة فقط، وإنما يركز بصورة أكبر على أصالة الفكرة، وقدرة الباحث على المناقشة والدفاع عن اختياراته العلمية، وفهمه للمنهج والنتائج، وقدرته على تقديم إضافة حقيقية للمعرفة.

توفير الوقت قد يكون على حساب مهارات الباحث

ويرى الدكتور عاصم حجازي، أستاذ علم النفس التربوي بكلية الدراسات العليا للتربية بجامعة القاهرة، أن الذكاء الاصطناعي يستطيع بالفعل إنجاز الكثير من المهام الأكاديمية التي كان الباحث يقوم بها بعقله وذهنه في السابق، وكانت تستغرق منه وقتًا وجهدًا كبيرين.

لكن حجازي يرى أن توفير الوقت والجهد قد تكون له تكلفة أخرى إذا لم يتم استخدام التكنولوجيا بصورة صحيحة، إذ قد يأتي ذلك على حساب المصداقية والأمانة العلمية والدقة، وكذلك على حساب نمو وتطور القدرات الذهنية والبحثية للباحث واكتسابه المهارات الأساسية التي يحتاج إليها في البحث العلمي.

وحذر من أن الإفراط في استخدام الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى إضعاف بعض المهارات التي يفترض أن يكتسبها الباحث خلال رحلته الأكاديمية، مثل القراءة النقدية، وتحليل المعلومات، والمقارنة بين الدراسات، واكتشاف مواطن الضعف والقوة، وبناء الاستنتاجات اعتمادًا على الأدلة.

كما حذر من أن كثيرًا من البرامج والتطبيقات يمكن أن تصنع للباحث مراجع وهمية أو تصيغ علاقات وروابط بين متغيرات قد لا يوجد دليل علمي حقيقي على وجود ارتباط بينها، وهنا تكمن مشكلة شديدة الخطورة، لأن النص الناتج قد يبدو مقنعًا ومنظمًا من الناحية اللغوية، لكنه قد يكون قائمًا على معلومات غير صحيحة أو استنتاجات لا تدعمها الأدلة العلمية.

وبالتالي، يرى حجازي أن الإفراط في استخدام الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تزييف الحقائق والنتائج دون أن يدرك الباحث بالضرورة أنه وقع في هذا الخطأ.

مساعد لا صاحب البحث

ويؤكد حجازي أن استخدام الباحث للذكاء الاصطناعي ينبغي أن يقتصر على بعض المهام التي تستغرق وقتًا وجهدًا، لكنها لا تمس النزاهة والدقة والأمانة العلمية والمهارات البحثية الأصيلة.

وضرب أمثلة على ذلك بالتلخيص، ومراجعة أوجه الاتفاق والاختلاف بين الدراسات، والمساعدة في بعض المهام التي توفر وقت الباحث وتتيح له التركيز بصورة أكبر على الجوانب الفكرية والعلمية الأساسية.

ويرى أن الاعتماد الكلي على الذكاء الاصطناعي لا يخدم البحث العلمي، وإنما يصبح مفيدًا عندما يستخدم كوسيلة مساعدة تعزز قدرات الباحث ولا تلغيها.

وفي مواجهة هذه المخاطر، يرى حجازي أن الذكاء الاصطناعي لا يواجه إلا بذكاء اصطناعي، داعيًا إلى استخدام برامج للكشف عن المحتوى المكتوب بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب وضع ضوابط تحدد الأجزاء التي يسمح فيها باستخدامه والنسبة المسموح بها.

لكن استخدام هذه البرامج، وفقًا للرؤية العامة التي طرحها المتخصصون، لا ينبغي أن يكون منفصلًا عن التقييم البشري والعلمي، لأن أدوات الكشف نفسها ليست معصومة من الخطأ.

انتاج نص يشبه الدكتوراة

أما الدكتور محمد كمال، أستاذ الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة، فيرى أن التطور المتسارع في أدوات الذكاء الاصطناعي جعلها قادرة تقنيًا على إنتاج أجزاء كبيرة من الرسائل العلمية.

ويمكن لهذه الأدوات، وفقًا لرؤيته، التعامل مع مراحل مختلفة من العمل، بداية من المقدمة ومراجعة الأدبيات، وصولًا إلى الفصول والنتائج والتوصيات، فضلًا عن قدرتها على إعادة صياغة النصوص بصورة تجعلها تبدو أقرب إلى الأسلوب البشري.

لكن كمال يضع فارقًا جوهريًا بين القدرة على إنتاج نص أكاديمي وبين إنتاج بحث علمي حقيقي، فمن الممكن تقنيًا إنتاج نص يبدو أكاديميًا ومتماسكًا، بل ويمكن أن يكون منظمًا بصورة تجعل القارئ غير المتخصص يعتقد للوهلة الأولى أنه أمام رسالة علمية قوية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه بحث علمي حقيقي

وأوضح أن جوهر الدكتوراه، على سبيل المثال، لا يتمثل في عدد صفحات الرسالة أو جودة اللغة المستخدمة فيها، وإنما في قدرة الباحث على تحديد مشكلة بحثية حقيقية، وبناء منهج علمي مناسب، وتحليل الأدلة، ونقد الدراسات السابقة، والوصول إلى نتائج جديدة يمكنه الدفاع عنها، ومن هنا، يمكن للذكاء الاصطناعي أن ينتج نصًا يشبه الدكتوراه، لكنه لا يستطيع أن يحول هذا النص تلقائيًا إلى بحث علمي أصيل لمجرد أنه مكتوب بلغة أكاديمية ومنظمة بصورة جيدة.

برامج الكشف ليست عصا سحرية

وحذر كمال من الاعتماد على قراءة المشرف للفصول بعد كتابتها باعتبارها الوسيلة الوحيدة لاكتشاف استخدام الذكاء الاصطناعي، خصوصًا مع قدرة الباحث على إعادة صياغة المحتوى وإضافة مراجع حقيقية وتعديل الأسلوب، مؤكدا أن أدوات الكشف عن المحتوى الناتج عن الذكاء الاصطناعي لا تزال غير موثوقة بشكل كامل، فقد تخطئ هذه الأدوات في تصنيف نصوص بشرية باعتبارها مولدة بالذكاء الاصطناعي، كما قد تفشل في اكتشاف نصوص تم إنتاجها أو تعديلها بالذكاء الاصطناعي ثم أعيدت صياغتها بطريقة مختلفة.

وبالتالي، يرى كمال أن القضية الأساسية ليست في استخدام الأداة من عدمه، وإنما في الإجابة عن سؤال جوهري: من قام بالعمل الفكري الأساسي؟، فاستخدام الذكاء الاصطناعي في التدقيق اللغوي أو الترجمة الأولية أو تنظيم الأفكار وتحليل البيانات يختلف جذريًا عن استخدامه في بناء الحجج العلمية وتفسير النتائج وصياغة الاستنتاجات.

الحل في اختبار الباحث وليس فقط فحص النص

واقترح كمال الاعتماد بصورة أكبر على المناقشة الشفهية للرسائل العلمية، بحيث يخضع الباحث لاختبارات تكشف مدى فهمه لبحثه، ويمكن أن تتضمن هذه الاختبارات طلب شرح المنهجية التي استخدمها، وتحديد نقاط الضعف في البحث، والدفاع عن النتائج التي توصل إليها، وتفسير أسباب اختياره لأدوات معينة دون غيرها، فضلًا عن التعامل مع حالات أو أسئلة جديدة لم يتناولها في رسالته.

ويرى أن قدرة الباحث على التعامل مع أسئلة جديدة تمثل اختبارًا مهمًا، لأن الباحث الذي قام بالفعل بالعمل الفكري سيكون أكثر قدرة على تفسيره وتطبيقه على مواقف مختلفة، بينما قد يجد من اعتمد بصورة أساسية على إنتاج الآلة صعوبة في الدفاع عن التفاصيل التي وردت في بحثه.

وأكد كمال أن منع الذكاء الاصطناعي بالكامل في البحث العلمي غير واقعي، وأن الحل الأفضل هو التنظيم وليس المنع، ويتطلب ذلك أن تحدد الجامعات الاستخدامات المسموح بها والممنوعة، وأن تلزم الباحث بالإفصاح عن أدوات الذكاء الاصطناعي التي استخدمها وطبيعة استخدامها.

كما يرى أن المبدأ نفسه يجب أن ينطبق على أبحاث أعضاء هيئة التدريس وأبحاث الترقية، فلا يجوز للباحث أن ينسب لنفسه مساهمة فكرية لم يقم بها، سواء كان العمل متعلقًا برسالة طالب أو بحث علمي مقدم للترقية.

وفي حال ثبوت أن رسالة علمية أو بحثًا للترقية أُنجز في جوهره بواسطة الذكاء الاصطناعي أو طرف خارجي، يرى كمال أن ذلك يمكن اعتباره إخلالًا جسيمًا بالنزاهة الأكاديمية، وقد يستوجب سحب الدرجة أو الترقية.

لكنه يشدد في الوقت نفسه على ضرورة أن يتم ذلك من خلال تحقيق عادل وشفاف، وتوافر أدلة متعددة، وضمان حق الباحث في الدفاع عن نفسه والطعن في القرار.

الأعلى للجامعات يحدد ضوابط استخدام الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي

وفي خضم هذا الجدل، لم تقف الجامعات المصرية موقف المتفرج أمام الانتشار المتسارع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وإنما بدأ المجلس الأعلى للجامعات في وضع إطار استرشادي ينظم التعامل مع هذه التكنولوجيا داخل منظومة التعليم العالي والبحث العلمي.

ويؤكد الدليل الاسترشادي لضوابط استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم العالي والبحث العلمي، الصادر في إصداره الثاني في فبراير 2025، أن الهدف ليس إقصاء الذكاء الاصطناعي من العملية البحثية، وإنما توظيفه بصورة آمنة وفعالة، باعتباره أداة داعمة لتحسين البحث العلمي وليس بديلًا عن البحث أو عن الباحث، ويضع الدليل إطارًا يتناول استخدامات الذكاء الاصطناعي في مختلف مراحل البحث، من توليد الأفكار وصياغة الفرضيات وتصميم الدراسات وتحليل البيانات، إلى الكتابة العلمية وتقييم الأبحاث ونشرها، مع التأكيد على ضرورة بقاء الباحث مسؤولًا عن العمل العلمي ومخرجاته.

والأهم أن الدليل لا يترك حدود الاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي غامضة، بل يميز بوضوح بين الاستخدام المسموح والاستخدام غير المسموح في البحث العلمي، فيسمح بالاستعانة بهذه الأدوات في جمع البيانات وتنظيمها ومعالجتها، وتحليل البيانات باستخدام الأدوات الإحصائية، وكذلك تحسين الكتابة من خلال إعادة الصياغة وتصحيح الأخطاء اللغوية والإملائية وتحسين الأسلوب.
وفي المقابل، يعتبر الدليل الاستبدال الكامل للكتابة من الاستخدامات غير المسموح بها، أي الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في كتابة الرسائل والبحوث بصورة كاملة دون مشاركة الباحث بأسلوبه الخاص، كما يرفض التحريف والانتحال العلمي وتزييف الحقائق، ويحذر من عدم الشفافية في استخدام هذه الأدوات عند إعداد البحث أو تحليله.

 

نقلا عن العدد الورقي