"المياه الخضراء".. ثروة مائية تحت التربة هل تخفف الضغط على نهر النيل؟
في الوقت الذي تواجه فيه مصر تحديات متزايدة بسبب محدودية الموارد المائية وارتفاع الطلب على المياه، برز مصطلح «المياه الخضراء» كأحد المسارات التي يمكن أن تساعد في تعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية المتاحة، خاصة مياه الأمطار ورطوبة التربة.
وأعاد الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، خلال مشاركته في فعاليات مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر COP17، تسليط الضوء على أهمية إدماج المياه الخضراء في سياسات إدارة المياه والزراعة والأراضي والتكيف مع تغير المناخ، مؤكدًا أن تعظيم الاستفادة منها يمكن أن يخفف الضغط على الموارد المائية التقليدية.
ما المقصود بالمياه الخضراء؟
المياه الخضراء هي الجزء من مياه الأمطار الذي يصل إلى الأرض ويتم تخزينه في صورة رطوبة داخل التربة، ثم تستفيد منه النباتات والمحاصيل، قبل أن يعود جزء منه إلى الغلاف الجوي من خلال عمليتي التبخر والنتح.
وبالتالي، فهي تختلف عن «المياه الزرقاء» التي تشمل المياه الموجودة في الأنهار والبحيرات والخزانات والمياه الجوفية، والتي تعتمد عليها منظومات الري ومياه الشرب والاستخدامات المختلفة بصورة مباشرة.
ولا تعني زيادة «المياه الخضراء» أن مصر تستطيع ببساطة إضافة كميات جديدة من المياه إلى حصتها من نهر النيل، وإنما المقصود هو تعظيم الاستفادة من مياه الأمطار المتاحة ومن الرطوبة الموجودة بالفعل في التربة، وتقليل الفاقد منها، وتحويل أكبر قدر ممكن منها إلى إنتاج زراعي مستدام.
كم تبلغ المياه الخضراء في مصر؟
أوضح خبراء الري أنه لا يوجد رقم محدد يوضح إجمالي حجم المياه الخضراء التي تستفيد منها مصر سنويًا، والسبب أن المياه الخضراء ليست موردًا مائيًا ثابتًا مثل حصة مصر من مياه النيل، وإنما تتغير وفقًا لكميات الأمطار، ومعدلات الرطوبة، ونوع التربة، واستخدامات الأراضي، والمحاصيل، ودرجات الحرارة ومعدلات البخر والنتح.
لكن وزير الري قدم مؤشرًا مهمًا على مستوى حوض نهر النيل بالكامل؛ إذ أوضح أن المياه الزرقاء لا تمثل سوى نحو 5% من إجمالي المياه التي يستقبلها الحوض، بينما تمثل مياه الأمطار والمياه الخضراء الجزء الأكبر من المياه الداخلة إلى منظومة الحوض.
وهذا الرقم لا يعني أن مصر تمتلك 95% من هذه المياه أو أنها تستطيع الحصول عليها كبديل مباشر لمياه النيل، فمعظم هذه المياه يسقط ويتحرك ويتبخر أو يُمتص داخل أراضي دول حوض النيل المختلفة.
لماذا تهتم مصر بالمياه الخضراء رغم قلة الأمطار؟
تعتمد مصر بصورة أساسية على نهر النيل في مواردها المائية العذبة، في ظل محدودية الأمطار التي تسقط داخل الأراضي المصرية؛ ولذلك فإن التعامل مع الأمطار ورطوبة التربة باعتبارهما جزءًا من منظومة الأمن المائي يمكن أن يفتح مجالًا لتحسين كفاءة استخدام المياه، خصوصًا في المناطق التي تتلقى كميات من الأمطار مثل الساحل الشمالي وسيناء ومناطق أخرى.
وتتمثل الفكرة الأساسية في إدارة المياه الموجودة في الأرض بصورة أفضل، وليس انتظار كميات ضخمة من الأمطار لتعويض مياه النيل.
هل يمكن زيادة المياه الخضراء في مصر؟
كشف خبراء الري أنه يمكن زيادة الاستفادة الإنتاجية من المياه الخضراء، لكن لا يمكن التحكم في كمية الأمطار التي تسقط على مصر بشكل مباشر.
وهناك عدة وسائل يمكن من خلالها تحسين الاستفادة منها، أبرزها:
1. حصاد مياه الأمطار
يمكن الاستفادة من الأمطار المحدودة من خلال إنشاء وتطوير نظم لحصاد مياه الأمطار، خصوصًا في المناطق التي تشهد سقوطًا مطريًا موسميًا، وتخزينها أو توجيهها لاستخدامات مناسبة بدلًا من فقدها بالجريان السطحي. وقد أشار وزير الري إلى حصاد مياه الأمطار باعتباره أحد مسارات تعظيم الاستفادة من الموارد المائية المحدودة.
2. الحفاظ على رطوبة التربة
كلما نجحت الزراعة في الاحتفاظ برطوبة التربة لفترة أطول، زادت استفادة النباتات من المياه المتاحة، وهو ما يمكن دعمه من خلال تحسين إدارة الأراضي واستخدام أساليب زراعية وري حديثة.
3. استخدام أجهزة الاستشعار
تساعد أجهزة استشعار رطوبة التربة والتكنولوجيات الحديثة في تحديد احتياجات المحاصيل الفعلية من المياه، وبالتالي تجنب الري الزائد أو غير الضروري.
وأكد وزير الري أن مصر تعمل على تحسين إدارة رطوبة التربة من خلال أساليب الري الحديثة وأجهزة الاستشعار والتكنولوجيات التي تساعد على تحديد الاحتياجات المائية للمحاصيل بدقة.
4. تطوير الزراعة المطرية
يمكن للمناطق التي تتمتع بفرص مطرية أفضل أن تستفيد من تطوير الزراعة المطرية واختيار المحاصيل وأساليب الزراعة المناسبة للظروف المناخية والمائية لكل منطقة.
5. استعادة الأراضي المتدهورة
إعادة تأهيل الأراضي المتدهورة وتحسين قدرتها على الاحتفاظ بالمياه يمكن أن يعزز الاستفادة من الأمطار ورطوبة التربة، إلى جانب استخدام حلول قائمة على الطبيعة.
وهذا يتفق مع رؤية وزارة الري التي تدعو إلى تحسين إدارة الأراضي، وتطوير الزراعة المطرية، والحفاظ على رطوبة التربة، واستعادة الأراضي المتدهورة، ودمج هذه الإجراءات في سياسات التكيف مع تغير المناخ.
هل تستطيع المياه الخضراء تخفيف الضغط على مياه النيل؟
نعم، ولكن بصورة غير مباشرة، فالمياه الخضراء لن تحل محل مياه النيل، خصوصًا أن مصر من أكثر دول العالم اعتمادًا على موارد مائية محدودة، والأمطار داخل مصر محدودة للغاية.
لكن الاستفادة الأفضل من مياه الأمطار ورطوبة التربة يمكن أن تقلل الاحتياجات من المياه الزرقاء في بعض الاستخدامات الزراعية، وتحسن إنتاجية كل وحدة مياه، وتدعم الزراعة في المناطق المطرية، وتزيد قدرة الأراضي على مواجهة فترات الجفاف.
وهنا تكمن أهمية المياه الخضراء: ليست مصدرًا بديلًا للنيل، وإنما مورد إضافي داخل الدورة المائية يجب عدم إهداره.
المياه الخضراء وحوض النيل.. فرصة تتجاوز حدود مصر
وكشف خبير في الموارد المائية أن أهمية طرح وزير الري تكمن أيضًا في النظر إلى المياه على مستوى حوض نهر النيل بالكامل وليس داخل الحدود السياسية لكل دولة فقط.
وأضاف أن معظم المياه التي تصل إلى الحوض تأتي في صورة أمطار، ولا تتحول جميعها إلى مياه نهرية؛ إذ يذهب جزء منها إلى رطوبة التربة، ويستخدمه الغطاء النباتي، ويتسرب إلى باطن الأرض، أو يعود إلى الغلاف الجوي من خلال التبخر والنتح.
ومن هنا، فإن إدارة المياه والأراضي والنظم البيئية بصورة متكاملة يمكن أن تحقق فوائد أكبر، سواء في مواجهة الجفاف أو دعم الأمن الغذائي أو التكيف مع تغير المناخ.
التنبؤات المناخية تدخل على الخط
لا تقتصر رؤية «المياه الخضراء» على الزراعة فقط، بل ترتبط أيضًا بالتنبؤات المناخية، وقد أشار الدكتور هاني سويلم إلى تأثير ظاهرة «النينيو» في أنماط درجات الحرارة والأمطار والجفاف عالميًا، مؤكدًا أهمية أخذ هذه التأثيرات في الاعتبار عند إعداد التنبؤات الموسمية وإدارة المنظومة المائية.
ويعني ذلك أن معرفة توقيت وكميات الأمطار المتوقعة، إلى جانب مراقبة رطوبة التربة، يمكن أن تساعد في اتخاذ قرارات أكثر دقة بشأن الزراعة والري وإدارة الأراضي.