من منازل المماليك لأول موسوعة علمية، قصة تأسيس المجمع العلمي في مصر بقرار نابليون بونابرت
في مثل هذا اليوم من عام 1798، أصدر القائد الفرنسي نابليون بونابرت قرارًا بإنشاء المجمع العلمي المصري في القاهرة، لتشهد البلاد ولادة أول مؤسسة أكاديمية وبحثية حديثة على طراز المجمع العلمي الفرنسي في باريس، لكن ما الدافع خلف القرار، وهل كان نابليون يرغب في نهضة علمية في مصر رغم غزوه للبلاد وطمعه في ثرواتها؟
خلفيات تأسيس المجمع العلمي
لم تكن الحملة الفرنسية على مصر مجرد حملة عسكرية لقطع طريق التجارة على الإمبراطورية البريطانية، بل كانت مشروعًا استعماريًا متكاملًا يتغطى بالغطاء الحضاري والفلسفي لـ عصر التنوير.
أصطحب نابليون معه في سفنه أكثر من 160 عالمًا وباحثًا وفنانًا في مختلف التخصصات الرياضيات، الهندسة، الطب، الفلك، الآثار، والأدب، ورأى أن فرض السيطرة الدائمة على بلد بحجم وموقع مصر يستلزم دراسة جغرافيتها، وتاريخها، واقتصادها، وطبيعة مجتمعها دراسة علمية شاملة، وهو ما تطلب إيجاد مقر ومؤسسة تنظم جهود هؤلاء العلماء.
كواليس تأسيس المجمع العلمي وأوراق العمل الأولى
اختار نابليون منزلين من منازل أمراء المماليك الفارّين بكفر الزغاري بمحيط منطقة الناصرية بالقاهرة مقرًا للمجمع، وقسم المؤسسة الجديدة إلى أربعة أقسام رئيسية، الرياضيات، والطبيعة، والاقتصاد السياسي، والآداب والفنون.
وضعت اللائحة الداخلية للمجمع أهدافًا صريحة تمثلت في، تقدم العلوم ونشرها في مصر عبر دراسة الأحداث الطبيعية والصناعية والتاريخية، وتقديم الاستشارات العلمية والحكومية لجيش الحملة والإدارة الفرنسية وحل المشكلات الميدانية مثل تحسين مياه النيل، وإنشاء طواحين الهواء، وبناء المستشفيات، وإصدار دوريات علمية ومجلات لنشر أبحاث العلماء، حيث صدرت عن المجمع مجلة "Decade Egyptienne" وصحيفة "Courier de l'Egypte".
نتائج تأسيس المجمع العلمي، وصف مصر والصدمة الحضارية
شكل تأسيس المجمع العلمي نقطة التحول الأساسية في إنتاج أعظم موسوعة علمية وإثنوغرافية عن البلاد، وهي موسوعة وصف مصر التي رصدت بالرسومات والدراسات الدقيقة كل ما يتعلق بجغرافيا مصر وآثارها وحياتها الاجتماعية، فضلًا عن نجاح علماء المجمع في اكتشاف حجر رشيد الذي فك رموز اللغة المصرية القديمة.
وعلى الجانب الآخر، أحدث إنشاء المجمع صدمة حضارية وثقافية لدى المصريين؛ إذ ارتاب الشارع والمؤرخون وفي مقدمتهم عبد الرحمن الجبرتي في أغراض هذا المؤسسة، ورأوا فيه أداة ناعمة لخدمة الاحتلال وتسهيل نهب ثروات البلاد، لكن رغم خروج الحملة الفرنسية بعد سنوات قليلة، ظل المجمع العلمي شاخصًا في الذاكرة المصرية كأول جسر نقل العلوم الحديثة والمناهج البحثية الغربية إلى الشرق، ممهدًا الطريق لاحقًا لمشروع محمد علي باشا التحديثي.