خبر وتحليل
تصريحات بن غفير بشأن قتل الفلسطينيين تكشف تراجع المعارضة أمام تيار التطرف فى إسرائيل
أثار مقطع فيديو لوزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير موجة من الانتقادات، بعد أن دعا فيه إلى تكثيف عمليات الاستهداف في قطاع غزة، متحدثا عن قتل عشرات الفلسطينيين كل ليلة، بمن فيهم أشخاص لا يمثلون تهديدا مباشرا للكيان الصهيوني.
وبينما أثارت تصريحاته ردود فعل واسعة في العالم العربي ووسائل الإعلام الدولية، ترى الكاتبة الإسرائيلية كسينيا سفيتلوفا أن وقع هذه التصريحات داخل إسرائيل بات أقل صدمة، في ظل تطبيع الخطاب الكاهاني وتحوله إلى جزء من التيار السياسي السائد.
أفكار الحاخام الإسرائيلي الأمريكي مائير كاهانا
والخطاب الكاهاني هو أيديولوجية سياسية دينية بالغة التطرف تعود جذورها إلى أفكار ومبادئ الحاخام الإسرائيلي الأمريكي مائير كاهانا، ويرتكز هذا الخطاب على فكرة التفوق العرقي والديني لليهود، ويدعو بشكل صريح ومباشر إلى ترحيل الفلسطينيين والعرب قسريا، وإقامة نظام حكم ثيوقراطي يعتمد على الشريعة اليهودية، وفق تقارير إعلامية.
وتقول سفيتلوفا في تقرير على صفحات جريدة "هآرتس" الإسرائيلية: "صور بن غفير ڤيديو يقترح فيه تنفيذ عمليات اغتيال، عبر استهدافات في غزة، وقتل 30 إلى 40 فلسطينيا كل ليلة، بمن فيهم أناس لا يشكلون تهديدا مباشرا لك".
وتشير الكاتبة الإسرائيلية إلى أن الخطاب الذي كان ينظر إليه سابقا باعتباره متطرفا أصبح، بدا منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023، أكثر حضورا في النقاش السياسي الإسرائيلي، مع تزايد الدعوات إلى استخدام القوة المفرطة ضد الفلسطينيين، وظهور تصريحات تبرر قتل المدنيين وتجويعهم أو تدعو إلى إجراءات عسكرية بالغة القسوة.
هل تختلف تصريحات بن غفير عن واقع العمليات في غزة؟
وتشدد سفيتلوفا على أن ما قاله بن غفير لا يمثل بالضرورة سياسة منفصلة عن الممارسات الإسرائيلية القائمة في القطاع، إذ تتواصل الغارات الجوية بصورة شبه يومية، وتؤدي إلى مقتل مدنيين وأشخاص يصعب أحيانا تحديد هوياتهم أو أدوارهم.

وتقول: في إسرائيل، لم تعد فظائع بن غفير تثير عاصفة، أو اهتماما، سواء تعلق الأمر بتحريضه ضد البشر، أو بعمليات اغتيال من دون حساب؛ لقد أصبح الفكر الكاهاني طبيعيا وتحول إلى تيار سائد؛ فمنذ 7 أكتوبر 2023، قيل كل شيء تقريبا، بداية بتبرير إطلاق النار على الأطفال وتجويعهم، وصولا إلى الدعوة إلى إلقاء قنبلة ذرية على غزة؛ فما الذي يدعو إلى الانفعال من تصريحات بن غفير، وهو يقول ما يعتقده كثيرون أصلا؟
ومن هذا المنظور، ترى سفيتلوفا أن الفارق بين الخطاب العلني للوزير والممارسة العسكرية على الأرض قد يكون في درجة الإعلان والتعبير، وليس بالضرورة في الاتجاه العام للسياسة.
هل تكبح واشنطن اندفاع إسرائيل نحو القتل؟
وتلفت سفيتلوفا إلى أن حجم العمليات والضحايا لا يصل، وفق طرحها، إلى المستوى الذي تحدث عنه بن غفير، مرجعة ذلك جزئيا إلى الضغوط الأمريكية الرامية إلى دفع خطة الرئيس دونالد ترامب بشأن غزة.
وتقول: صحيح أن عدد القتلى لا يصل إلى المستوى المرتفع الذي حدده بن غفير، ويرجع ذلك، من بين أمور أخرى، إلى إصرار الإدارة الأمريكية على الدفع بخطة ترامب بشأن غزة قدما. وصحيح – أيضا- أن "مصدرا إسرائيليا" يقول إنه جرى الاتفاق، خلال اجتماع مع جاريد كوشنر-مبعوث ترامب - على استمرار سياسة الاغتيالات الإسرائيلية، لكن من المعقول أن يكون الأخير أوضح لنتنياهو – في الوقت ذاته- أن الرئيس الأمريكي لن يكون راضيا إذا ما استمرت وازدادت وتيرة قتل سكان غزة، الأمر الذي يؤدي إلى انهيار خطة النقاط الـ15 التي طرحها، ومع ذلك، إذا تجاهلنا هذا التوضيح المزعج، من المحتمل أن يكون بن غفير راضيا.
لماذا يصمت معارضو نتنياهو أمام فظائع غزة؟
ولا ترى الكاتبة أن المشكلة تقتصر على بن غفير وحده، بل تتساءل عن موقف المعارضة الإسرائيلية التي قد تكون أقل اهتماما بأوضاع سكان غزة، لكنها تدرك أن استمرار التصريحات والتحريض والممارسات من هذا النوع قد يعرض مسؤولين إسرائيليين، بمن فيهم عسكريون، لمزيد من الضغوط والملاحقات القانونية الدولية.

وتتابع: لماذا لا يرفع هؤلاء أصواتهم ضد إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية وسلوك الحكومة الإسرئيلية في غزة؟ لأن معسكر معارضي نتنياهو بدأ بتقسيم جلد الدب قبل اصطياده، ولأن هناك شعورا زائفا بالاطمئنان لدى القيادة السياسية للمعارضة، ولدى الجمهور المنهك، بأن نتنياهو على وشك شق طريقه إلى مصحة في ميامي.
وتربط سفيتلوفا ذلك بحالة التراخي داخل معسكر معارضي نتنياهو، مشيرة إلى أن بعض القوى السياسية تتعامل مع احتمال سقوط الحكومة الحالية وكأنه أمر محسوم، بينما لا تقدم تصورا واضحا لكيفية مواجهة إرهاب المستوطنين أو وقف التطرف داخل المشهد السياسي الإسرائيلي.
ماذا ينتظر إسرائيل إذا بقيت حكومة نتنياهو؟
وتطرح الكاتبة تساؤلات بشأن مستقبل إسرائيل إذا تمكنت القوى الحالية من الاحتفاظ بنفوذها بعد الانتخابات المقبلة، أو إذا انتقل جزء من التيارات اليمينية المتطرفة إلى أي ائتلاف حكومي جديد.

وتقول: ماذا سيحدث إذا دخل جزء فقط من "آكلي لحوم البشر" هؤلاء إلى الائتلاف الحكومي المقبل؟ وهل لدى السياسيين الذين يسخرون من "تماسيح" بن غفير وعيديت سيلمان (وزيرة حماية البيئة الإسرائيلية وعضو الكنيست)، خطة لنزع التطرف من الساحة السياسية في إسرائيل؟
وبعيدا عن المقال، فقد أصدرت سيلمان قرارا بإعادة تصنيف التماسيح من فئة "الحيوانات البرية" إلى "حيوانات برية يمكن تربيتها"، في خطوة تمهد لاستخدامها في مهام أمنية، من بينها المساهمة في منع محاولات هروب ألأسرى الفلسطينيين من سجون الاحتلال.
وبالعودة إلى المقال، ترى سفيتلوفا أن المشكلة الأعمق لا تكمن في تصريح واحد لبن غفير، وإنما في البيئة السياسية التي تسمح بتطبيع مثل هذه التصريحات وتحويلها من خطاب هامشي إلى جزء من النقاش العام. وبذلك يصبح السؤال الحقيقي بالنسبة إلى المعارضة الإسرائيلية والمجتمع الدولي ليس فقط ما إذا كان نتنياهو وبن غفير سيغادران المشهد، بل ما إذا كانت إسرائيل قادرة على تفكيك المنظومة السياسية والفكرية التي جعلت هذا الخطاب ممكنا ومقبولا لدى قطاعات واسعة من الإسرائيليين.
- وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير يدعو في مقطع الفيديو المرفق إلى قتل عشرات الفلسطينيين كل ليلة، بمن فيهم أشخاص لا يمثلون تهديدا مباشرا للكيان الصهيوني.