لو عليك غرامة، متى يلزمك القانون بالعمل للمنفعة العامة؟
لم يعد تنفيذ الأحكام المالية في قانون الإجراءات الجنائية الجديد مرتبطًا فقط بمحاولات تحصيل المبالغ من المحكوم عليه أو التنفيذ على أمواله، إذ استحدث القانون مسارًا أكثر تفصيلًا للتعامل مع المبالغ المستحقة للدولة، من خلال إمكانية إلزام المحكوم عليه بأداء عمل للمنفعة العامة وفق ضوابط قانونية محددة.
الفكرة الأساسية في النظام الجديد لا تقوم على تحويل كل غرامة إلى أيام عمل بصورة تلقائية، وإنما تمنح جهة التنفيذ آلية قانونية لتحصيل المبالغ التي حكم بها للدولة، مع وضع حدود واضحة حتى لا يتحول الإجراء إلى التزام غير محدد المدة.
كيف تحسب قيمة العمل؟
حدد القانون معيارًا ماليًا لحساب مدة العمل، بحيث يعادل اليوم الواحد 50 جنيهًا أو أقل من المبلغ المستحق، وهذا الحساب لا يعمل بمعزل عن باقي قواعد التنفيذ؛ إذ تظل المبالغ التي سبق للمحكوم عليه سدادها أو التي تم تحصيلها من أمواله محسوبة عند تحديد المبلغ المتبقي.
وحرص المشرع على ألا ترتبط مدة العمل بقيمة المبلغ وحدها، فوضع سقوفًا زمنية تختلف بحسب طبيعة الحكم، ففي المخالفات، لا تتجاوز مدة العمل الحدود التي حددها القانون للغرامات، وكذلك للمصاريف وما يجب رده والتعويضات.
أما في الجنح والجنايات، فهناك حد أقصى أطول، مع وضع سقف نهائي يمنع تجاوز ستة أشهر في الحالات التي حددها القانون، وبذلك يجمع النظام بين معيار مالي لحساب الأيام وحدود زمنية قصوى للتنفيذ.
وتظهر أهمية هذه القواعد بصورة أكبر عندما يكون المحكوم عليه مطالبًا بتنفيذ أكثر من حكم، فإذا كانت الأحكام المتعددة من النوع نفسه، يجري التعامل مع إجمالي المبالغ وفق القواعد التي حددها القانون، مع عدم تجاوز الحدود القصوى المقررة لمدة العمل.
أما إذا تنوعت الجرائم بين مخالفات وجنح وجنايات، فيتم مراعاة الحدود الخاصة بكل نوع، مع الالتزام بالسقف النهائي الذي وضعه المشرع.
وهنا لا تصبح قيمة الأحكام وحدها هي العنصر الحاسم، بل تدخل طبيعة الجرائم وتعددها والمبالغ التي تم سدادها أو تحصيلها في عملية تحديد مدة التنفيذ.
أموال المحكوم عليه لها الأولوية
ومن الضوابط اللافتة أن القانون لم يجعل العمل للمنفعة العامة الطريق الأول في كل الأحوال، بل نظم أيضًا كيفية احتساب الأموال التي جرى تحصيلها بالفعل، فعند وجود أحكام متعددة، يتم خصم المبالغ التي دفعها المحكوم عليه أو التي تم تحصيلها من ممتلكاته وفق ترتيب قانوني يبدأ بالمبالغ المحكوم بها في الجنايات، ثم الجنح، ثم المخالفات، وبالتاليلا يتم احتساب العمل عن مبالغ انتهى التزام المحكوم عليه بها نتيجة السداد أو التنفيذ على أمواله.
من يصدر قرار التنفيذ؟
تنفيذ العمل للمنفعة العامة لا يتم بقرار فردي من جهة العمل أو من المحكوم عليه، وإنما يدخل ضمن إجراءات تنفيذ الحكم.
ويصدر أمر التنفيذ من النيابة العامة وفق النموذج الذي يقرره وزير العدل، وبعد استيفاء الإجراءات التي نص عليها القانون، ومنها إعلان المحكوم عليه وانتهاء تنفيذ العقوبات المقيدة للحرية المحكوم بها عليه.
فئات خارج نطاق النظام
رغم اتساع نطاق الإجراء، فإن القانون لم يطبقه على الجميع، إذ استبعد المحكوم عليهم الذين لم يبلغوا 15 عامًا وقت ارتكاب الجريمة، وكذلك من صدر بحقهم حكم بالحبس مع وقف التنفيذ.
ويعكس ذلك أن العمل للمنفعة العامة، رغم ارتباطه بتنفيذ الالتزامات المالية، يظل إجراءً له طبيعة خاصة، ولذلك وضع القانون قيودًا تتعلق بسن المحكوم عليه وبطبيعة العقوبة الصادرة ضده.
ماذا يعني ذلك عمليًا؟
النظام الجديد يرسم سلسلة واضحة لتنفيذ المبالغ المحكوم بها: تحديد المبلغ المستحق، احتساب ما تم سداده أو تحصيله، ثم تطبيق قواعد العمل للمنفعة العامة في الحدود التي رسمها القانون.
والأهم أن مدة العمل ليست مفتوحة، كما أن تعدد الأحكام لا يعني بالضرورة تراكم أيام التنفيذ بلا نهاية؛ فهناك حدود قصوى وإجراءات محددة وفئات مستثناة.
ومع بدء تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد في أكتوبر 2026، تكتسب هذه القواعد أهمية خاصة باعتبارها جزءًا من منظومة تنفيذ الأحكام التي ينظمها القانون، وتحدد بصورة أكثر تفصيلًا كيفية التعامل مع المبالغ المالية المحكوم بها للدولة عندما تتعذر أو تتطلب إجراءات تنفيذ خاصة.