البابا كيرلس الخامس، بطريرك العلم الذي حمل راية الكنيسة نصف قرن
تحيي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، برئاسة قداسة البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، ذكرى نياحة البابا القديس كيرلس الخامس، البطريرك رقم 112 في سلسلة باباوات الكرازة المرقسية، والذي رحل عن عالمنا في أغسطس عام 1927، بعد مسيرة حافلة بالعطاء والرعاية امتدت لأكثر من 52 عامًا على الكرسي البابوي.
وُلد البابا كيرلس الخامس باسم يوحنا عام 1831 في مدينة تزمنت بمحافظة بني سويف، ونشأ في أسرة مسيحية اهتمت بتربيته على الفضائل والآداب الروحية، حيث ظهر منذ صغره ميله الشديد إلى دراسة الكتاب المقدس وسير القديسين.
وفي سن الثانية عشرة رُسم شماسًا عام 1843، ليبدأ رحلة طويلة من الخدمة، قبل أن تجذبه حياة الزهد والتقشف والوحدة، فترك العالم واتجه إلى دير السيدة العذراء السريان بوادي النطرون، ثم عاد مرة أخرى إلى الحياة الرهبانية وترهب بدير البرموس عام 1850.
تميز خلال سنوات رهبنته بالنسك والعفة والحلم، حتى أصبح مثالًا يُحتذى به بين الرهبان، ورُسم قسًا عام 1851 ثم قمصًا عام 1852، حيث بذل جهده في خدمة الدير، وكان يعمل في نسخ الكتب وتقديمها للكنائس، ويوجه عائدها لتلبية احتياجات الرهبان في ظل الظروف الصعبة التي كان يمر بها الدير.
وبفضل ما عُرف عنه من علم وتقوى وحكمة، تم اختياره بطريركًا في الأول من نوفمبر عام 1874، ليبدأ مرحلة جديدة من تاريخ الكنيسة، ركز خلالها على بناء الكنائس وتجديد الأديرة، ورعاية الفقراء، والاهتمام بشؤون الرهبان، إلى جانب دعم نشر الكتب الكنسية والتعليم الديني.
وشهد عصر البابا كيرلس الخامس بروز عدد من الشخصيات الروحية والعلمية البارزة، من بينهم الأنبا إبرآم مطران الفيوم، المعروف بحبه الشديد للفقراء وأعمال الرحمة، إلى جانب الإيغومانس فيلوثاؤس إبراهيم الطنطاوي، والقمص عبد المسيح صليب البرموسي، أحد أبرز الباحثين في علوم الكنيسة واللغات القديمة.
كما ارتبط اسم البابا كيرلس الخامس بالنهضة التعليمية، حيث دعم الكلية الإكليريكية، وكان من المقربين إليه حبيب جرجس، الذي خدم شماسًا له وأسهم في تطوير التعليم الكنسي ونشر الكتب الدينية، وإنشاء أجيال من رجال الدين والوعاظ.
وخلال فترة حبريته الطويلة، واجه البابا كيرلس الخامس العديد من التحديات، لكنه ظل متمسكًا بمبادئه، ومن أبرز المواقف التي سجلها التاريخ رفضه التفريط في أملاك الرهبان، ما أدى إلى نفيه لفترة مع الأنبا يؤنس مطران البحيرة والمنوفية ووكيل الكرازة المرقسية آنذاك، قبل عودتهما وسط تقدير واحترام كبيرين.
ورحل البابا كيرلس الخامس بسلام في أغسطس 1927، بعد أن أمضى على الكرسي البابوي 52 عامًا و9 أشهر و6 أيام، تاركًا خلفه إرثًا روحيًا وتعليميًا ظل حاضرًا في ذاكرة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.