أسرار منع التصوير في المستشفيات العامة!
القرار الذي اتخذته وزارة الصحة والسكان قبل أيام والمتعلق بمنع التصوير داخل المستشفيات الحكومية والعامة أثار حالة من الغضب العارم تجاه كل المرضى، الذين يذوقون الأمرين حال ذهابهم لتلك المستشفيات لتلقي العلاج.
نص القرار يتضمن وضع ضوابط صارمة وحاسمة -على حد تعبير من قاموا باتخاذ هذا القرار- للتعامل مع وقائع التصوير غير المصرح به داخل المنشآت الصحية، وذلك بزعم حماية خصوصية المرضى وصون كرامة الأطقم الطبية والإدارية..
وزارة الصحة بررت قرارها هذا بأنها لاحظت مؤخرا تزايد وقائع التقاط الصور ومقاطع الفيديو داخل المنشآت الصحية بطريقة تمس الحرمة الخاصة للمرضى ومرافقيهم.
ولا شك أن هذا القرار هدفه الرئيسي عدم كشف عورة تلك المستشفيات التي يواجه فيها المريض وذويه أسوأ معاملة من الممكن أن يتعرض لها، حيث يصل الأمر إلى افتراش أرصفة وطرقات المستشفيات لعدم وجود أماكن مناسبة انتظارًا لتلقي الخدمة الطبية بعد رحلة طويلة من المعاناة والشقاء..
لذلك فإن وزارة الصحة تخشى توثيق هذه المشاهد المحزنة، وتخشى كذلك الكشف عن الإهمال والتسيب داخل هذه المستشفيات، وسوء المعاملة سواء من بعض الأطباء الذين يشعرون أنهم منزهون عن البشر ولا يتحملون مشقة حتى الرد على استفسارات المريض عن حالته، أو أطقم التمريض الذين يتعاملون بحالة من اللامبالاة..
فضلًا عن سلوكيات بعضهم القائمة على التسول من المرضى ورفقائهم مما جعلهم يتحولون من ملائكة للرحمة إلى زبانية للعذاب، حتى أفراد الأمن لم يسلم المريض من معاملتهم السيئة فتجدهم يتصدون له في حالة اعتراضه على أي تقصير يعاني منه ويصل الأمر إلى التهديد بطرد المرضى من المستشفيات.
وأعتقد أن قرار منع التصوير يعد ردًا على الموقف الذي اتخذه مؤخرا اللواء دكتور مصطفى الببلاوي محافظ قنا تجاه مسئولي مستشفى قنا العام السابقين، حيث قام المحافظ الشهر الماضي بجولة مفاجئة لمستشفى قنا العام لمتابعة الخدمات الطبية، وقد كشفت الجولة عن أوجه قصور وتردي بالوضع الصحي، ونقص المستلزمات مما دفع المحافظ إلى اتخاذ قرار بالإطاحة بمدير المستشفى وإحالته برفقة عدد من مسئولي المستشفى الآخرين إلى التحقيق..
فضلًا عن اتخاذ قرار بمنع شراء أي مستلزمات أو أدوية من خارج المستشفى على حساب المرضى، خاصة وأن المحافظ يعلم جيدًا أن هناك شبهات فساد تتعلق بهذه المستلزمات والأدوية والتي تتعرض لحالات عديدة من الاختلاس داخل هذه المستشفيات، كما قرر المحافظ مجازاة شركة النظافة وتكثيف أعمال التعقيم والتطهير اليومي.
أوجه التقصير في هذا المستشفى هي صورة طبق الأصل من القصور الذي يعاني منه المرضى في مختلف المستشفيات الحكومية والعامة الأخرى، وحالات التدهور داخل المستشفيات لا حصر لها، ومن أبرزها حدوث عجز مستمر في مخزون الأدوية الأساسية والمستلزمات الطبية الحيوية داخل الأقسام، مما يجعل مسئولي المستشفيات يطالبون المريض بشرائها من خارج المستشفى..
علمًا بأن الدولة تتحمل فاتورة ضخمة سنويًا من أجل توفير هذه الاحتياجات، فعلى سبيل المثال تتحمل الدولة مبلغ يتراوح ما بين 7 إلى 10 مليارات جنيه سنويًا لتوفير المستلزمات الطبية فقط لهذه المستشفيات.
كما يعاني المرضى من تعطل أجهزة طبية حرجة مثل وحدات الغسيل الكلوى، وتراجع مستويات تطهير المستشفيات، بالإضافة إلى أن عدم توافر أجور مجزية للأطباء والممرضين دفع عدد كبير منهم للهجرة للعمل بالخارج مما يعكس سوء إدارة الدولة للملف الصحي.
بهذا القرار يعلن المجتمع الطبي حالة العصيان على حقوق المواطنين التي يكفلها القانون الذي لم يمنع توثيق أي مخالفة، بل ويسعى القرار أيضًا إلى منع توثيق أية مهازل يتعرض لها المريض داخل المستشفيات، بل وتحويل المجني عليه إلى جانٍ يجب معاقبته وإحالته إلى جهات التحقيق متهمًا بمخالفة قرار وزاري حتى لو كان هذا القرار مخالف للقانون.
أيها السيدات والسادة الحفاظ على كرامة الأطباء وأطقم التمريض يبدأ من هذا الفريق الطبي نفسه الذي يجب أن يتعامل مع المريض بنوع من الرفق والحنو، ليؤدي رسالته المقدسة في معالجته، والمريض في هذه الحالة يقّدر تلك المساعي من جانب الأطباء الذين لهم مكانتهم المتميزة في قلب المجتمع بأكمله.