فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

خبر وتحليل

هل دخل المسجد الأقصى مرحلة جديدة من فرض الأمر الواقع الإسرائيلي؟

اقتحامات قياسية للمستوطنين
اقتحامات قياسية للمستوطنين في المسجد الأقصى

شهد المسجد الأقصى خلال شهر يوليو 2026 تصعيدا إسرائيليا غير مسبوق، تمثل في اقتحامات قياسية للمستوطنين وفرض قيود مشددة على دخول المصلين المسلمين، بالتزامن مع اعتقالات وهدم منازل وتوسيع المشروعات الاستيطانية في القدس المحتلة، في إطار سياسة تستهدف تغيير الواقع الديني والديمغرافي للمدينة.

وأظهرت تقارير صادرة عن محافظة القدس ومنصة "معراج" المقدسية ومركز معلومات وادي حلوة أن المسجد الأقصى كان محور الانتهاكات الإسرائيلية خلال يوليو الماضي، بعدما اقتحمه ما بين 9670 و9848 مستوطنا، إضافة إلى أكثر من 4500 شخص دخلوا بزعم السياحة، فيما توزعت الاقتحامات على مدار 22 يوما.

وتشير حصيلة شهر يوليو، وفق المؤسسات المقدسية، إلى أن المسجد الأقصى بات في صدارة التصعيد الإسرائيلي، بالتوازي مع استمرار سياسات القتل والاعتقال والهدم والاستيطان، في إطار مساعٍ لفرض واقع جديد في القدس يمس هوية المدينة وطابعها التاريخي والديني، ويعزز السيطرة الإسرائيلية على الأقصى ومحيطه.

كيف تحول المسجد الأقصى إلى بؤرة التصعيد الإسرائيلي؟

تزامنت الاقتحامات مع ممارسات استفزازية شملت أداء طقوس تلمودية علنية، بينها السجود والانبطاح والغناء والرقص، إلى جانب إدخال كتب وملابس وأدوات دينية يهودية إلى باحات المسجد، في مشاهد اعتبرتها المؤسسات المقدسية تصعيدا غير مسبوق في استهداف الوضع التاريخي والقانوني القائم في الأقصى.

وسجل يوم 23 يوليو 2026 أعلى وتيرة لاقتحامات المسجد منذ احتلال القدس عام 1967، مع دخول أكثر من 4822 مستوطنًا إلى باحاته، بينهم وزراء وأعضاء في الكنيست وحاخامات وقيادات في جماعات "الهيكل"، وسط حماية مشددة من قوات الاحتلال، بحسب "المركز الفلسطيني للإعلام".

مستوطنون في باحات الأقصى
مستوطنون في باحات الأقصى

وبالتزامن مع ذلك، فرضت قوات الاحتلال قيودا واسعة على وصول المصلين المسلمين إلى المسجد الأقصى، فأغلقت عددا من أبوابه، ومنعت فئات عمرية من الرجال من دخوله، وأخضعت الوافدين لتفتيش دقيق وفحص للهويات، في وقت شهد فيه المسجد تطورًا غير مسبوق بعد توثيق إعلان أحد المستوطنين خطوبته داخل ساحاته بحماية من شرطة الاحتلال.

لماذا استهدفت إجراءات الاحتلال المصلين وقيادات القدس الدينية؟

وامتدت الإجراءات الإسرائيلية إلى استهداف الشخصيات الدينية، حيث اعتقلت قوات الاحتلال مفتي القدس والديار الفلسطينية الشيخ محمد حسين عقب أدائه صلاة الجمعة في المسجد الأقصى، قبل الإفراج عنه وإبعاده عن المسجد لمدة أسبوع، كما أصدرت عشرات قرارات الإبعاد عن الأقصى والبلدة القديمة، إلى جانب قرارات الاعتقال الإداري والحبس المنزلي.

وفي موازاة التصعيد داخل المسجد، شهدت القدس المحتلة سلسلة واسعة من الانتهاكات الميدانية، حيث وثق مركز معلومات وادي حلوة نحو 200 حالة اعتقال، إضافة إلى تنفيذ قرابة 200 عملية اقتحام ومداهمة في أحياء وبلدات المدينة.

كما أسفرت الاعتداءات الإسرائيلية خلال يوليو عن استشهاد ثلاثة فلسطينيين، بينهم فتى يبلغ من العمر 16 عاما، إلى جانب إصابة 23 فلسطينيا بالرصاص والاختناق والاعتداء بالضرب، فضلا عن هجمات نفذها مستوطنون في عدد من أحياء القدس.

كيف يتزامن استهداف الأقصى مع تصاعد الهدم والاستيطان؟

وفي ملف الهدم والاستيطان، نفذت سلطات الاحتلال ما بين 29 عملية هدم وتجريف، بينها 14 عملية هدم ذاتي، طالت منازل ومحال تجارية ومنشآت زراعية في سلوان وجبل المكبر وبيت حنينا وصور باهر والرام ورافات، كما استولى مستوطنون على عقارات وأراضي فلسطينية في البلدة القديمة وسلوان، بالتزامن مع قرارات استيلاء على أراضٍ في حي البستان وجبل المكبر.

ودفعت سلطات الاحتلال خلال الشهر بتسعة مشاريع وإجراءات استيطانية، شملت بناء مئات الوحدات الاستيطانية في "معاليه أدوميم" ومنطقة أم ليسون، وإقامة بؤر استيطانية جديدة قرب الخان الأحمر وجبع والنبي موسى، فيما سجلت التقارير 43 اعتداء نفذه مستوطنون ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم.

هل يشجع إلغاء اعتقال المستوطنين على تصاعد الإرهاب اليهودي؟

وفي تقرير سياق، حذر الصحفي الإسرائيلي والمحلل السياسي والعسكري في جريدة "يديعوت أحرونوت" رونين برجمان من تنامي الإرهاب اليهودي.

قوات الاحتلال الإسرائيلي تواصل التصعيد
قوات الاحتلال الإسرائيلي تواصل التصعيد

وأوضح الكاتب أن تصريحات وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس بشأن إلغاء أوامر الاعتقال الإداري بحق المستوطنين في الضفة الغربية، مع الإبقاء عليها بحق الفلسطينيين، تعكس ازدواجية في تطبيق القانون، وتمنح منتقدي إسرائيل أدلة إضافية على وجود نظامين مختلفين لإنفاذ القانون في الأراضي المحتلة.

وبحسب المقال، فقد أعلن كاتس خلال مؤتمر انتخابي لحزب "الليكود" في مستوطنة أريئيل أنه ألغى جميع أوامر الاعتقال الإداري بحق المستوطنين، مبررا ذلك بأن القسم اليهودي في جهاز الأمن العام (الشاباك) كان يصنف حوادث العنف التي يرتكبها مستوطنون على أنها "إرهاب"، الأمر الذي كان يسمح باعتقالهم إداريا دون محاكمة.

كيف تكشف تصريحات كاتس ازدواجية تطبيق القانون؟

وأشار برجمان إلى أن كاتس، في المقابل، أكد استمراره في استخدام الاعتقال الإداري بحق الفلسطينيين، وكذلك في بعض القضايا التي تطال مواطنين إسرائيليين متهمين بتهريب طائرات مسيرة أو بالارتباط بمنظمات تصنفها إسرائيل "إرهابية"، معتبرًا أن هذا التمييز يفرغ مبررات الوزير القانونية من مضمونها.

ويقول برجمان: في عالم يسرائيل كاتس، لا تصبح الادعاءات الثقيلة ضد الاعتقالات المطولة من دون محاكمة، ومن دون محام، ومن دون حقوق، ومن دون أن يعرف المعتقل حتى بما يتهم، ذات صلة إلا عندما يتعلق الأمر بفئة سكانية محددة جدا، وهم المستوطنون.

وأضاف الكاتب أن مسؤولين داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية استغربوا تصريحات كاتس، موضحين أن أوامر الاعتقال الإداري بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية لا تتطلب توقيع وزير الحرب، وإنما تصدر بموافقة قائد المنطقة العسكرية، وهو ما يجعل حديث الوزير عن توقيعه على تلك الأوامر غير دقيق.