فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

زي النهارده من 1952، كواليس إلغاء الباشوية والبكوية بعد أسبوع من ثورة 23 يوليو

الأوسمة والنياشين
الأوسمة والنياشين في العصر الملكي، فيتو

تحل اليوم ذكرى واحدة من أجرأ القرارات الاجتماعية والسياسية التي أعادت تشكيل الهيكل الطبقي للشارع المصري؛ ففي مثل هذا اليوم 30 يوليو من عام 1952، وبعد أسبوع واحد فقط من قيام ثورة 23 يوليو، أصدر مجلس قيادة الثورة قرارًا تاريخيًا رسميًا بإلغاء جميع الألقاب المدنية مثل الباشا، وبك، واللقب السامي، في خطوة استهدفت اقتلاع الفوارق الطبقية ومظاهر الإقطاع التي كرسها الحكم الملكي على مدى عقود.

 

الألقاب المدنية، من الإمبراطوريات التاريخية إلى الدولة العثمانية  

لم تكن الألقاب المدنية وليدة المصادفة، بل نتاج تطور تاريخي قديم عرفته الإمبراطوريات الكبرى؛ حيث استخدمتها الإمبراطورية الرومانية والبيزنطية كدرجات نبل وتكليف إداري مثل الكونت والدوق. ومع اتساع الدولة العثمانية، تبلور نظام صارم للألقاب والنيشانات بغرض تمييز رجال الدولة ورجال الجيش عن عامة الشعب.

وكان لقب الباشا المشتق من الأصل الفارسي بادشاه أو باذشاه بمعنى الحاكم أو الملك أعلى المراتب العسكرية والمدنية، يليها لقب البيك أو الباك وهي كلمة تركية تعني الشريف أو السيد، وحرصت الأستانة على منح هذه الألقاب كإنعام سلطاني يمنح صاحبه نفوذًا سياسيًا واجتماعيًا واسعًا وحصانة أمام القانون والضرائب.

 

رحلة البكوية والباشوية في مصر

دخلت الألقاب مصر مع الخضوع للحكم العثماني، لكنها أخذت طابعًا أشد مع تأسيس الدولة المصرية الحديثة على يد محمد علي باشا، الذي أضفى عليها صبغة إدارية وعسكرية. ومع استقلال مصر التدريجي وتأسيس الخديوية ثم السلطنة والملكية، تحولت الألقاب إلى منظومة اجتماعية وسياسية محكمة.

وتطورت الألقاب في مصر إلى أشكال وضوابط محددة حتى أواخر العهد الملكي، حيث كان يمنح لقب الباشا بمرسوم ملكي خاص لرؤساء الوزارات، والوزراء، وكبار القضاة، وضباط الجيش من رتبة لواء، والشرطة، وكبار المالكين والأعيان.

أما لقب بيك (البكوية) فكان مقسمًا إلى درجتين، أولى وثانية، ويمنح لكبار الموظفين ورجال الإدارة وأعضاء البرلمان.

أما الألقاب السامية، مثل صاحب الدولة لرئيس الوزراء، وصاحب المعالي للوزراء، وصاحب السعادة للحاصلين على رتبة الباشوية من الدرجة الأولى.

ويرصد المؤرخ الدكتور يونان لبيب رزق في دراساته لتاريخ الصحافة والمجتمع المصري كيف تحولت الألقاب في النصف الأول من القرن العشرين من مجرد تكريم إداري إلى وسيلة لترسيخ الإقطاع والطبقية؛ حيث أصبحت الألقاب تباع وتشترى في بعض الفترات أو تمنح كرضاء سياسي من القصر لكسب ولاء كبار المالكين على حساب الغالبية العظمى من الفلاحين والعمال.

 

لماذا أطاح مجلس قيادة الثورة بالألقاب؟

مع نجاح الحركة في 23 يوليو 1952، وضع الضباط الأحرار تقويض النظام الإقطاعي وإلغاء الفوارق بين الطبقات على رأس أولوياتهم. وفي 30 يوليو 1952، صدر القرار الحاسم بإلغاء كافة الألقاب المدنية.

وجاءت فلسفة القرار مستندة إلى عدة أسباب جوهرية على راسها المساواة المواطنية والقضاء على التمايز الطبقي والنظرة الفوقية التي كانت تفرضها الألقاب الرسمية في التعاملات الحكومية واليومية وإنهاء التركة الإقطاعية لكسر شوكة النخبة السياسية والاقتصادية القديمة التي ارتبطت ألقابها بملكية الأراضي الشاسعة والنفوذ المالي وتأسيس مفهوم المواطن عبر استبدال ألقاب الباشا والبيك بكلمات مثل السيد والمواطن، لتكريس أفكار العدالة الاجتماعية التي نادت بها الثورة.

 

هل انتهت الباشوية أم تمصرت؟

رغم إلغاء الألقاب قانونًا من الأوراق الرسمية والمراسلات الحكومية، فإن الألقاب في مصر لم تمت، بل مرت بحدث اجتماعي فريد يعرف بـ التحوير الشعبي على النمط المصري الذكي، فلم تعد ألقاب باشا أو "بيه" دليلًا على الثروة أو الانتماء لطبقة الإقطاع كما كان في العهد الملكي، بل أعاد الشارع المصري إنتاجها واستخدامها كأداة للمجاملة الاجتماعية وتسهيل المعاملات اليومية، وأصبحت الكلمة تقال لأي شخص غريب كنوع من التودد والتهذيب في التعامل، من الموظف الكبير إلى سائق التاكسي، والبائع، والعامل. 

ويشير عالم الاجتماع الشهير الدكتور سيد عويس في تحليلاته للشخصية المصرية إلى أن الشعب المصري يمتلك قدرة فائقة على تفريغ المصطلحات السلطوية من مضمونها القمعي وتحويلها إلى أداة تواصل يومية مرنة؛ وهو ما جعل الباشوية تعيش في اللسان المصري كنوع من الفلكلور اللفظي والتهذيب الشفهي، بعدما أسقطت عروشها الرسمية بقرار 1952.