فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

خبر وتحليل

سُحُب النار، كيف تصنع حرائق الغابات طقسها الخاص وتزيد الكارثة الأوروبية اشتعالا؟

إحدى سحب النار التي
إحدى سحب النار التي تشكلت بفعل حريق كبير، فيتو

مع تصاعد موجات الحر واتساع رقعة حرائق الغابات في أوروبا، لم تعد النيران وحدها هي الخطر، بل أصبحت قادرة على صناعة ظواهر جوية تزيدها شراسة.

ومن بين هذه الظواهر تبرز "سُحُب النار"، التي يحذر العلماء من أنها قد تحول الحرائق الكبرى إلى كوارث أكثر اتساعا وصعوبة في السيطرة.

وفي خضم معركة متواصلة لاحتواء الحرائق، اضطرت الحكومتان الفرنسية والإسبانية إلى تنفيذ عمليات إجلاء واسعة واتخاذ إجراءات استثنائية، وسط تحذيرات متزايدة من أن التغير المناخي والاحتباس الحراري يضاعفان من وتيرة وشدة الكوارث الطبيعية في أوروبا، ويهيئان الظروف لظهور ظواهر جوية خطيرة مثل سحب النار، والتي تعرف أيضا بسحب البيروكومولونيمبوس، بحسب جريدة "ذا جارديان" البريطانية.

وغالبا ما تنتشر حرائق الغابات عندما تتزامن درجات الحرارة المرتفعة مع الرياح القوية والجفاف، إلا أن الحرائق الضخمة يمكنها أيضا أن تنتج أنظمة طقس خاصة بها. وتعد سحب البيروكومولونيمبوس، أو العواصف الرعدية الناتجة عن الحرائق، أخطر أشكال هذه الظاهرة.

ما هي سُحُب النار؟

سُحُب النار هي سحب رعدية عملاقة تتشكل بفعل الحرارة الشديدة الناتجة عن حرائق الغابات الضخمة أو الانفجارات البركانية؛ حيث تطلق الحرائق الهائلة كميات ضخمة من الطاقة والحرارة ترتفع بسرعة مع أعمدة الدخان. 

وعندما يصل عمود الدخان إلى ارتفاع كبير، يؤدي انخفاض الضغط الجوي إلى تبريد الهواء، فتتكثف الرطوبة وتتشكل السحب. ويمكن لهذه السحب أن تولد صواعق برق ورياحا قوية، وفق جريدة "ذا جارديان".

استمرار اشتعال النيران في الغابة بجنوب غرب فرنسا
استمرار اشتعال النيران في الغابة بجنوب غرب فرنسا، فيتو

وإذا كان الحريق واسع النطاق وشديدًا بما يكفي، فإن عمود الدخان الناتج عنه قد يتحول إلى سحابة بيروكومولونيمبوس، التي يمكن أن يصل ارتفاعها إلى ما بين 10 و15 كيلومترا، مخترقة طبقة الستراتوسفير. وتصفها وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) بأنها "التنين النافث للنار بين السحب".

ويقول الأستاذ المشارك في مجموعة أبحاث حرائق الغابات بجامعة نيو ساوث ويلز الأسترالية ريك ماكراي: "إنها عاصفة رعدية كاملة تتشكل داخل عمود الدخان الناتج عن الحريق. وتمتد هذه السحب عبر نحو 10 آلاف كيلومتر مكعب من الغلاف الجوي، ولذلك فإن تأثيرها كبير للغاية.

لماذا تعد سحب النار خطيرة؟

عندما تتشكل هذه السحب، فإنها قد تنتج رياحا قوية تزيد من سرعة انتشار الحرائق، كما يمكنها أن تولد صواعق برق خاصة بها، ما يؤدي إلى اندلاع حرائق جديدة في مناطق بعيدة.

وبحسب جريدة "ذا جارديان"، يؤكد الخبراء أن هبات الرياح القوية تجعل سلوك الحرائق أكثر تقلبا وصعوبة في التنبؤ، وهو ما يزيد المخاطر التي يواجهها رجال الإطفاء أثناء مكافحة النيران.

ويقول ماكراي: ظهور هذه السحابة دليل واضح على أن الحريق بالغ الخطورة، ويؤكد أن قرار إجلاء أعداد كبيرة من السكان كان القرار الصحيح.

ما مدى شيوع سُحب النار؟

بدأت أستراليا تشهد ظاهرة سحب النار مع مطلع القرن الحالي، ويعتقد الخبراء أنها أصبحت أكثر تكرارا مع مرور الوقت.

كما رصدت هذه السحب خلال حرائق الغابات الضخمة التي شهدتها ولاية كاليفورنيا الأمريكية عام 2022، إلا أن ظهورها في فرنسا قد يمثل تطورا غير مسبوق.

وفي حال تأكد ذلك، فستكون المرة الأولى التي يتم فيها رصد سحابة بالنار في فرنسا، وفق "ذا جارديان".

عناصر من وحدة الطوارئ العسكرية الإسبانية يكافحون حريقا جنوب غربي مدريد
عناصر من وحدة الطوارئ العسكرية الإسبانية يكافحون حريقا جنوب غربي مدريد، فيتو

ويقول ماكراي: إنها المرة الأولى التي تضطر فيها فرنسا إلى التعامل بشكل مباشر مع مفهوم سحب البيروكومولونيمبوس. والسؤال ليس ما إذا كانت قد تشكلت قبل أيام، بل ما إذا كانت ستتشكل مجددا يومي الثلاثاء أو الأربعاء القادمين.

لماذا أصبحت سحب النار أكثر تكرارا؟

يرى الخبراء أن أزمة المناخ تخلق ظروفا أكثر ملاءمة لاندلاع حرائق الغابات، كما تزيد من احتمالات تشكل سحب النار.

ويقول ماكراي: الأمر لا يتعلق فقط بارتفاع درجات الحرارة، بل هو تغير مناخي شامل. نحن نشهد تغيرات في الغلاف الجوي، وفي الأحوال الجوية السطحية، وفي العديد من العوامل الأخرى.

ويشير الخبراء إلى أن نماذج المناخ تتوقع أن تصبح هذه الظواهر أكثر شدة وتكرارا خلال السنوات المقبلة، وسط تحذيرات خبراء الأرصاد الجوية من موجة حر جديدة قد تضرب فرنسا اعتبارا من غدا الثلاثاء، مع توقع وصول درجات الحرارة إلى 40 درجة مئوية في بعض المناطق.

ويقول ماكراي: ستتحرك كتلة هوائية شديدة الحرارة من منطقة تشيكوسلوفاكيا على مدى أربعة أو خمسة أيام، ما قد يزيد من خطورة الأوضاع.