فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

القلق يرهق الجسم قبل العقل، كيف يستنزف طاقتك يومًا بعد يوم؟

القلق والإرهاق النفسي
القلق والإرهاق النفسي

عندما يتحدث الناس عن القلق، غالبًا ما تتجه الأذهان إلى أعراضه الأكثر شيوعًا مثل الأرق، وكثرة التفكير، والتوتر المستمر. 

 لكن يوجد عرضا آخر لا يحظى بالاهتمام الكافي، رغم أنه من أكثر الأعراض انتشارًا بين المصابين بالقلق المزمن، وهو الإرهاق الدائم.   

كثير من الأشخاص يشعرون بالتعب يوميًا حتى دون بذل مجهود بدني يذكر، وهو أمر قد يبدو محيرًا، لأن القلق يرتبط في أذهان الكثيرين بالنشاط الزائد وليس باستنزاف الطاقة.


ويؤكد متخصصون في الصحة النفسية أن العلاقة بين القلق والإرهاق وثيقة للغاية، إذ إن القلق المزمن يضع الجسم والعقل في حالة من الضغط المستمر، وهو ما يؤدي مع مرور الوقت إلى استنزاف الطاقة الجسدية والذهنية، ويجعل الشعور بالتعب جزءًا من الحياة اليومية للمصاب.


ما هو القلق المزمن؟


 الشعور بالقلق من وقت لآخر أمرًا طبيعيًا، فهو استجابة فسيولوجية تساعد الإنسان على التعامل مع المواقف الصعبة أو غير المتوقعة، كما تهيئ الجسم للاستجابة السريعة عند مواجهة الأخطار.


لكن القلق المزمن يختلف عن هذا النوع الطبيعي، إذ يستمر الشعور بالخوف أو التوتر أو القلق لأسابيع أو أشهر، ويبدأ في التأثير على أداء الشخص في حياته اليومية وعلاقاته وعمله. وفي هذه الحالة يبقى الجسم في حالة تأهب مستمرة، حتى في غياب أي تهديد حقيقي.


وتشير دراسة منشورة في مجلة "علم الأعصاب الخاص بالإجهاد" إلى أن الإجهاد المزمن واضطرابات القلق لا تؤثر فقط على الحالة النفسية، وإنما تمتد آثارها إلى الوظائف الإدراكية والقدرة على التركيز واتخاذ القرار.


لماذا يسبب القلق الشعور بالتعب؟


توضح الدكتورة تشاندني توغنايت، المعالجة النفسية بالهند، أن معظم الناس يربطون القلق بتسارع الأفكار، والتوتر العضلي، وصعوبة النوم، وليس بالإرهاق، ولذلك يتفاجأ كثيرون عندما يشعرون بتعب شديد رغم أنهم لم يبذلوا مجهودًا كبيرًا بحسب Only my health. 


وتؤكد أن فهم ما يحدث داخل الجسم يفسر هذا الشعور بشكل واضح.


القلق يجعل العقل والجسم يعملان باستمرار
يبقي القلق المزمن الجهاز العصبي في حالة استنفار دائم.


وفي الظروف الطبيعية، ينشط الجسم استجابة الضغط النفسي عند مواجهة خطر حقيقي، ثم تعود الأمور إلى طبيعتها بمجرد انتهاء الموقف. أما في حالات القلق المزمن، فإن الدماغ يتعامل مع الأفكار المقلقة كما لو كانت تهديدًا حقيقيًا، حتى وإن لم يكن هناك أي خطر فعلي.


ويترتب على ذلك استمرار إفراز هرمونات التوتر مثل الكورتيزول والأدرينالين، مع بقاء العضلات في حالة شد دائم، وارتفاع معدل التنفس، واستعداد الجسم المستمر للاستجابة.


وتوضح الدكتورة توغنايت أن الجسم يستطيع التعافي بسهولة بعد التعرض لضغط مؤقت، لكن استمرار هذه الحالة يومًا بعد يوم يستهلك قدرًا هائلًا من الطاقة، مما يؤدي في النهاية إلى الإرهاق الحقيقي.


وتشبه الأمر بممارسة التمارين الرياضية بشكل متواصل دون منح الجسم الوقت الكافي للتعافي واستعادة طاقته.


القلق يؤثر في جودة النوم


يعتقد كثير من المصابين بالقلق أن سبب الإرهاق هو قلة النوم فقط، إلا أن المشكلة غالبًا ما تكون أكثر تعقيدًا.


فحتى إذا حصل الشخص على سبع أو ثماني ساعات من النوم، فقد يمنع القلق الجسم من الوصول إلى النوم العميق والمريح الذي يحتاجه للتعافي.


وتشير دراسة منشورة في مجلة "طب النوم" إلى أن القلق يبقي الجهاز العصبي في حالة نشاط جزئي طوال الليل، وهو ما يعطل مراحل النوم العميق المسؤولة عن استعادة النشاط الجسدي والذهني.


ولهذا السبب، قد يستيقظ الشخص وهو يشعر وكأنه لم ينم إلا لساعات قليلة، رغم بقائه في الفراش طوال الليل.


ويؤدي اضطراب جودة النوم إلى عدد من المشكلات، أبرزها:
صعوبة التركيز.
انخفاض الدافعية.
سرعة الانفعال.
الصداع.
بطء التفكير.
انخفاض مستوى الطاقة طوال اليوم.


الإرهاق الذهني لا يقل عن الإرهاق البدني
 

لا يستهلك النشاط البدني وحده طاقة الإنسان، فالدماغ أيضًا يستهلك نسبة كبيرة من الطاقة اليومية، ويزداد هذا الاستهلاك مع القلق المزمن.


فالأشخاص المصابون بالقلق يقضون ساعات طويلة في إعادة تحليل المواقف، وتكرار المحادثات في أذهانهم، وتوقع أسوأ الاحتمالات، والاستعداد المستمر لمشكلات قد لا تحدث من الأساس.


وتؤدي هذه العملية الذهنية المستمرة إلى استنزاف الطاقة العقلية، فيشعر الشخص بإجهاد شديد رغم أنه لم يقم بأي نشاط بدني.


وتوضح دراسة منشورة في مجلة "فرونتيرز فور يونغ مايندز" أن التفكير المفرط والقلق المستمر يفسران شعور الإنسان بالإرهاق حتى إذا قضى يومه جالسًا في المكتب أو مستريحًا داخل المنزل.


الأعراض الجسدية للقلق تزيد من الشعور بالتعب
لا تتوقف آثار القلق عند الجانب النفسي، بل تمتد إلى الجسم أيضًا، إذ قد يصاحبه عدد من الأعراض التي تزيد من الإحساس بالإرهاق، من بينها:


توتر العضلات.
الصداع.
شد الفك.
اضطرابات الجهاز الهضمي.
تسارع ضربات القلب.
التنفس السريع أو السطحي.
ضعف الشهية.


ويؤكد الأطباء  أن بقاء العضلات في حالة انقباض لفترات طويلة يؤدي إلى استهلاك كمية أكبر من الطاقة، كما أن التنفس السريع يقلل من كفاءة حصول الجسم على الأكسجين، وهو ما قد يسبب الدوار والضعف والتعب.


الإرهاق والقلق، دائرة يصعب كسرها


يحذر المتخصصون من أن القلق والإرهاق يغذي كل منهما الآخر.


فالشعور بالتعب يجعل إنجاز المهام اليومية أكثر صعوبة، ويزيد من الضغوط المرتبطة بالعمل أو الأسرة أو المسؤوليات المختلفة، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات القلق.


وفي المقابل، يؤدي القلق إلى اضطراب النوم واستمرار حالة الاستنفار داخل الجسم، فيزداد الشعور بالإرهاق، لتتكون حلقة مفرغة يصعب الخروج منها دون علاج السبب الأساسي.


هل تكفي الراحة للتخلص من التعب؟


يظن كثيرون أن الحل يكمن في النوم لساعات أطول أو الحصول على إجازة قصيرة.


لكن الدكتورة تشاندني توغنايت توضح أن الراحة وحدها لا تكفي غالبًا، لأن التعب الناتج عن القلق ليس المشكلة الأساسية، وإنما هو أحد أعراضها.


وتشير إلى أنه طالما ظل الجهاز العصبي يعمل في حالة استجابة مستمرة للضغط النفسي، فإن الشعور بالإرهاق سيعود سريعًا، حتى بعد النوم أو الإجازات أو قضاء عطلات نهاية الأسبوع في الراحة.


كيف يمكن تقليل الإرهاق الناتج عن القلق؟


يرى الخبراء أن العلاج الحقيقي يبدأ بالسيطرة على القلق نفسه، وذلك من خلال:
التحدث مع أخصائي في الصحة النفسية.
تعلم مهارات إدارة الضغوط.
ممارسة التأمل وتمارين اليقظة الذهنية.
ممارسة النشاط البدني بانتظام.
الالتزام بمواعيد نوم ثابتة.
الحصول على فترات راحة منتظمة خلال اليوم.


متى يجب استشارة الطبيب؟


يشدد الأطباء على أن الإرهاق قد يكون ناتجًا أيضًا عن أسباب عضوية مثل اضطرابات الغدة الدرقية، أو فقر الدم، أو نقص الفيتامينات، أو بعض الالتهابات، لذلك يجب مراجعة الطبيب في الحالات التالية:


استمرار الإرهاق لعدة أسابيع.
تأثير القلق على العمل أو الدراسة أو العلاقات الاجتماعية.
استمرار اضطرابات النوم رغم اتباع عادات نوم صحية.
صعوبة أداء الأنشطة اليومية المعتادة.
الشعور باليأس أو فقدان الأمل.


ويساعد التقييم الطبي في تحديد ما إذا كان القلق هو السبب الرئيسي للإرهاق، أو أن هناك مشكلة صحية أخرى تستدعي العلاج.


أكد الأطباء  على أن الشعور بالتعب المستمر رغم النوم الكافي يعد من أكثر الأعراض شيوعًا لدى المصابين بالقلق المزمن، إلا أنه غالبًا ما يساء تفسيره. 

فالقلق يبقي الجهاز العصبي في حالة استنفار دائم، ويزيد من إفراز هرمونات التوتر، ويؤثر في جودة النوم، ويستنزف طاقة الدماغ بسبب التفكير المفرط، لتتجمع هذه العوامل جميعها وتؤدي إلى إرهاق جسدي وذهني مستمر. 

ولذلك فإن علاج التعب وحده لا يحقق تحسنًا دائمًا، ما لم تتم معالجة السبب الأساسي، وهو القلق المزمن وإجهاد الجهاز العصبي.