كيف حولت ثورة 23 يوليو الفن إلى أداة للتغيير السياسي والمجتمعي في مصر؟
من الجوانب اللافتة للغاية في ثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952 أنها لم تكن مجرد تغيير في نظام الحكم، بل أعادت رسم الخريطة الثقافية والفنية في البلاد، إذ كانت السينما في صدارة المجالات التي انعكست عليها التحولات السياسية والاجتماعية، وانتقلت الشاشة من عالم القصور والدراما الغنائية التي سادت في الأربعينيات إلى دراما تعبر عن قضايا الواقع، والريف، والطبقة العاملة مما ساهم في تغير الواقع الاجتماعي والسياسي للبلاد.
من الصالونات إلى سينما الواقع
خلال حقبة الأربعينيات، غلب على السينما المصرية طابع الأفلام الاستعراضية ودراما الطبقات الأرستقراطية، إلا أن مرحلة ما بعد 1952 شهدت بروز التيار الواقعي في السينما المصرية.
وبدأت الكاميرا تخرج من الاستوديوهات المغلقة لتنزل إلى الحارة والقرية، وتجلت هذه التحولات في أعمال سينمائية فارقة مثل رد قلبي لـ عز الدين ذو الفقار، والأرض لـ يوسف شاهين، والأيدي الناعمة الذي تناول التغير في البنية الطبقية بطابع كوميدي نقدي.
وحسب سمير فريد، الناقد السينمائي في دراساته لتاريخ السينما المصرية، أحدثت ثورة 1952 قطيعة مع موضوعات السينما الاستعراضية القديمة، ووفرت مناخًا شجع المخرجين على تبني القضايا الوطنية والاجتماعية، حيث أصبحت العدالة الاجتماعية وتغير مفهوم الملكية حجر الزاوية في بناء البطل الدرامي الجديد.
واشار الي أنه تغيرت أيضا المواصفات الفنية والبنائية لشخصية البطل في السينما المصرية عقب الثورة، حيث تراجع نموذج الشاب الأرستقراطي والشاب الثري الذي يعيش في السرايا، لصالح نموذج الضابط الشاب، أو الفلاح، أو العامل، أو الموظف الكادح، وانعكس هذا التحول في ظهور نجوم جسدوا الملامح المصرية البسيطة، وعلى رأسهم شكري سرحان الذي أطلق عليه نقاد الفترة فتى الثورة، وأحمد زكي لاحقًا، إلى جانب الأدوار ذات الأبعاد الاجتماعية للنجم عمر الشريف في بداياته مثل فيلم صراع في الوادي.
وتؤكد الدكتورة منى برنس في بحثها حول السينما والسياسة في مصر أن البطل السينمائي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي أصبح يعبر عن التناقضات الطبقية، فلم يعد الشرف مرتبطًا بالثراء والنسب، بل بالعمل والانتماء للوطن ومواجهة الاستغلال.
أهمية دعم الدولة لـ السينما
ولم يقتصر تأثير الثورة على المضمون الفني، بل امتد إلى هيكلة صناعة السينما ذاتها عبر تدخل الدولة المباشر، حيث أنشأت الدولة المؤسسة المصرية العامة للسينما في ستينيات القرن الماضي، والتي قامت بإنتاج وتمويل عشرات الأفلام التي تصنف اليوم ضمن كلاسيكيات السينما العربية.
وأتاح الدعم الحكومي إنتاج أفلام ذات ميزانيات ضخمة ورؤى فكرية معقدة كان يصعب على المنتج الخاص المخاطرة بها، مثل المومياء للمخرج شادي عبد السلام.، وحسب المؤرخ السينمائي أحمد الحضري في دراساته حول تاريخ الإنتاج السينمائي، مرحلة إنتاج القطاع العام أحدثت تحولًا إنتاجيًا حاسمًا، حيث سمحت بظهور أفلام تعتمد على القيمة الفنية والأدبية من خلال اقتباس روايات نجيب محفوظ، وإحسان عبد القدوس، ويوسف إدريس، بدلًا من الاعتماد المباشر على معايير شباك التذاكر فقط.
وختاما يمكن القول إن ثورة 23 يوليو شكلت نقطة تحول مفصلية في تاريخ السينما المصرية، إذ انتقلت الكاميرا من داخل القصور لتسلط الضوء على الحارة والريف والمصنع، ورغم الجدل حول مدى توظيف الشاشة لأغراض سياسية، لكن لايختلف كبار النقاد على أن سينما يوليو، نجحت في إعادة تعريف الفن المصري بوصفه مرآة تعكس التحولات الاجتماعية والثقافية لأمة بأكملها.