النمسا تنقلب على الإخوان.. مراكز الأبحاث السيادية تضع يدها على شفرة تمويل الجماعة المحظورة.. تحرك رسمي لفرض حظر أوروبي شامل وتفكيك شبكات الظل
مفاجآت من العيار الثقيل تنتظر جماعة الإخوان في واحدة من أكثر البلدان الأوروبية التي كانت تمثل لهم «منطقة الراحة» حتى وقت قريب باعتبارها أكثر البيئات الأوروبية انفتاحًا على عمل التيارات الدينية "النمسا"، لكنها وبسبب تصرفات الإخوان والتيارات الدينية تحولت إلى واحدة من أكثر العواصم تشددًا في التعامل مع الشبكات التي تمثل امتدادًا لمشروع الإسلام السياسي، وسط تساؤلات عريضة في الشارع السياسي الأوروبي حول الجديد الذي استدعى هذه العواصف المفاجئة.
وتصاعدت خلال الأسابيع الماضية الدعوات داخل النمسا للضغط على الاتحاد الأوروبي للمطالبة بتصنيف جماعة الإخوان منظمة إرهابية، بما يمنح الحكومات أدوات قانونية أوسع لملاحقة شبكات التمويل، وفرض قيود على الجمعيات والكيانات التي يشتبه في ارتباطها بالتنظيم، وذلك بعد تقارير أمنية وسياسية حذرت بشدة من محاولات الإخوان للتخفي واستخدام البلاد في مشروعاتها المشبوهة داخل أوروبا والعالم.
إخوان النمسا.. مصيدة تفكيك خريطة النفوذ
يتصدر هذه الدعوات الجديدة حزب الشعب النمساوي، الذي طالب بتوسيع صلاحيات السلطات فيما يتعلق بالعقوبات المالية، والرقابة على التمويل، والتعامل مع الكيانات المشتبه بها عبر إقرار التصنيف الأوروبي الموحد؛ حيث نشرت أكاديمية الحزب ورقة سياسات تناولت تنامي نفوذ جماعات الإسلام السياسي، وكشفت عن الهياكل التعليمية والاجتماعية والجمعيات التي تُستخدم لبناء نفوذ طويل الأمد داخل المجتمعات الأوروبية.
ولم يكن الحزب وحيدًا في خندقه، بل تسانده هيئة حماية الدستور النمساوية التي أكدت في تقرير خطير لها أن شبكات الإسلام السياسي تعمل وفق إستراتيجية تقوم على التدرج لبناء نفوذ غير مسبوق عبر المؤسسات المدنية والدعوية، لتتجنب بذلك وسائل العنف المباشر كما هو الحال مع التيارات الأشد تطرفًا.
واستند «الشعب النمساوي» على تقرير شبه سري ـ حتى وقت قريب ـ لمركز توثيق الإسلام السياسي - وهي مؤسسة أنشأتها الجمهورية النمساوية لأغراض بحثية وتوثيقية عام 2020، والذي أكد أن الإسلام السياسي أخطر ظاهرة عابرة للحدود تعتمد على شبكات رسمية وغير رسمية لتثبيت أقدام هذه التيارات داخل المجتمعات المتحضرة، على أمل إحداث تغيير جذري فيها بعد عدة عقود، بحيث تكون صاحبة الكلمة العليا بعد تسرب أبنائها إلى كافة مراكز صنع القرار.
خطأ الاستيعاب التاريخي لـ الإخوان
يرى طارق البشبيشي، الباحث والكاتب في شؤون الجماعات الإسلامية، أن العواصم الأوروبية تشهد حالة غير مسبوقة في الجدل حول مستقبل التعامل مع الإخوان، وتشدد الرقابة على شبكات تمويلهم، معتبرًا أن أوروبا تمر بمرحلة حرجة نتيجة التساهل طويل الأمد مع التنظيم الدولي وجماعات التطرف التي استفادت من اتساع المجال العام والحريات لبناء شبكات نفوذها.
ويرى «البشبيشي» أن الحكومات الأوروبية تعاملت لسنوات مع هذه الجماعات باعتبارها جزءًا من التعددية السياسية والدينية، غير أن التطورات الأمنية وتقارير الاستخبارات دفعت إلى إعادة تقييم هذا النهج وفتح ملفات التمويل؛ مشيرًا إلى أن أوروبا أخطأت تاريخيًا حين فتحت أبوابها أمام جماعات الإسلام السياسي، في سياق صراعاتها مع الأنظمة القومية في الشرق الأوسط، وموضحًا أن القارة تعاملت بحسم مع النازية والفاشية بعد الحرب العالمية الثانية بينما لم تنظر بالدرجة نفسها لتيارات الإسلام السياسي.
ووفقا لما يراه البشبيشي، يعود التحول الكامل في علاقة النمسا بالإخوان إلى حدود عام 2020، بعد عملية لوكسور الأمنية التي نفذتها السلطات النمساوية، وشملت مداهمات واسعة طالت عشرات المواقع والأشخاص بشبهات تمويل الإرهاب؛ ورغم أن جزء كبير من التحقيقات لم يؤد لاحقًا إلى إدانات قضائية بسبب حرفية الإخوان والإسلاميين في التعامل مع الثغرات الأمنية والقانونية المعقدة في النمسا، لكن العملية فجرت نقاشات سياسية وقانونية غير مسبوقة، بسبب التركيز على تصرفات لم تكن في حسابات الدولة والمجتمع قبل هذا التاريخ، لذا يعتبرها خبراء نقطة التحول الكبرى في تعامل الدولة مع التيارات الدينية، وبسببها رسخت التوجه منهج تشديد الرقابة على الشبكات العابرة للحدود.
وحسب خبراء، فإن إعادة فتح الملف يأتي في سياق أوروبي أوسع تشترك فيه دول الغرب لمواجهة تمدد التيارات الدينية عبر المنصات الرقمية والمؤسسات التعليمية، كما أن الطريق نحو إدراج الإخوان على قوائم الإرهاب الأوروبية ليس سهلًا؛ فالقانون الأوروبي يشترط إجراءات ومعايير قانونية دقيقة، ومواقف دول الاتحاد لا تزال متباينة بين حكومات تدفع نحو الإجراءات الصارمة وأخرى تفضل الاكتفاء بالمراقبة الأمنية أو التعامل مع كل حالة على حدة.
وتكشف التطورات الأخيرة أن القضية تجاوزت كونها نقاشًا حول جماعة بعينها لتصبح جزءًا من جدل أوروبي أوسع يتعلق بحدود العلاقة بين الأمن والحريات؛ في الوقت الذي تصر الحكومة النمساوية وحزب الشعب على أن تشديد الإجراءات ضرورة لحماية النظام الديمقراطي ومنع استغلال الهياكل القانونية، ولايعني ذلك التضييق على الأفراد دون سند قضائي، ليدخل ملف الإخوان مرحلة جديدة يمتد عنوانها إلى إعادة النظر في أدوات القانون الأوروبي ذاته.