فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

الدكتور وسيم السيسي لـ"فيتو": لم أطلب من أحد أن يصدقني وهذه حقيقة خلافي مع زاهي حواس.. لم أقل إن الفضائيين بنوا الأهرامات.. وأرفض دفن المومياوات لأنها تاريخ مصر

د. وسيم السيسي
د. وسيم السيسي

يسبق اسم الدكتور وسيم السيسي، أستاذ جراحات المسالك البولية، كثير من الجدل بسبب آرائه حول الحضارة المصرية القديمة، إلا أن رحلته لم تبدأ بين المعابد أو البرديات، بل من غرف العمليات، حيث صنع اسمه طبيبًا قبل أن يصبح أحد أبرز المهتمين بتاريخ مصر القديم.

وفي هذا الحوار، يكشف وسيم السيسي كواليس انتقاله من الطب إلى علم المصريات، ويتحدث عن طفولته، وتأثير والده في أهم قرار اتخذه في حياته، كما يرد على أبرز القضايا المثارة حوله، من الأهرامات إلى خلافه الأخير مع الخبير العالمي والوزير السابق الدكتور زاهي حواس، ومطالبة الأخير بمنعه من الحديث في علم المصريات.

 

- بداية.. من هو الدكتور وسيم السيسي بعيدًا عن الصورة التي يعرفها الجمهور؟
* ولدت في مدينة المنصورة، لكنني قضيت سنوات طفولتي الأولى في القاهرة، حيث التحقت بحضانة American College، وهي المرحلة التي أعتقد أنها كان لها أثر كبير في تكوين شخصيتي، خاصة في اللغة الإنجليزية، إذ اكتسبتها بالسماع منذ الصغر، وهو ما ظل ملازمًا لي حتى أثناء دراستي في إنجلترا، حيث كان كثيرون يعتقدون أنني عشت في الولايات المتحدة بسبب لكنتي.
بعد ذلك عدت إلى المنصورة، والتحقت بمدرسة الملك الكامل الثانوية، وكانت من المدارس التي اهتمت بالفنون والمسرح والموسيقى إلى جانب الدراسة، وأؤمن حتى اليوم بأن هذه الأنشطة تصنع جانبًا مهمًا من شخصية الإنسان، لأنها تنمي الإبداع ولا تقل أهمية عن التعليم الأكاديمي.

 لماذا عدت إلى مصر؟

- بعد الطب والسفر إلى إنجلترا.. لماذا عدت إلى مصر رغم أن مستقبلك كان ينتظرك في أمريكا؟
* حصلت على الماجستير في الجراحة العامة وجراحة المسالك البولية من قصر العيني، ثم سافرت إلى إنجلترا، وحصلت هناك على الدكتوراه في التخصصين، واجتزت أيضًا المعادلة الأمريكية، وكان كل شيء مهيأ بالفعل لاستكمال حياتي المهنية في الولايات المتحدة.
لكن أثناء استعدادي للسفر، تلقيت خطابًا من السفارة المصرية يهنئني بحصولي على الدكتوراه ويتمنى عودتي لخدمة بلدي. 
شعرتُ بحيرة كبيرة، فكتبت إلى والدي أطلب رأيه، فجاءني برد لا يمكن أن أنساه حتى اليوم، قال فيه: "يا بني.. السعادة ليست في المكان، السعادة أن تعرف أين ستكون أكثر إفادة."
هذه الكلمات حسمت القرار، عدت إلى مصر، ولم أكن أعلم أن القدر كان يخبئ لي رسالة أخرى إلى جانب الطب، وهي أن أقع في عشق الحضارة المصرية.

علاقتي بالحضارة المصرية

- متى بدأت علاقتك بالحضارة المصرية؟
* المفارقة أنني وقعت في حب الحضارة المصرية وأنا في إنجلترا، وليس في مصر، فإلى جانب عملي ودراستي، كنت أشارك أحيانًا بمقالات في صحيفة  Daily Mail، وكنت حريصًا على حضور الندوات والنقاشات العامة في هايد بارك، وكذلك جلسات مجلس العموم البريطاني، لأنها كانت تتيح فرصة الاستماع إلى أفكار مختلفة ومناقشتها بحرية.
لكن اللحظة التي غيرت حياتي جاءت في هايد بارك، عندما كان أحد الإنجليز يتحدث بفخر عن الحضارة البريطانية وإنجازاتها، فقاطعه رجل نيجيري، وقال له: “لا تتفاخر كثيرًا.. لأن الحضارة وصلت إليكم من مصر”.
وأوضح أن الرومان أخذوا عن اليونان، واليونان أخذوا عن المصريين القدماء، واستشهد بأفلاطون وفيثاغورس وسولون، الذين قال إنهم تعلموا في مصر.
سأله الإنجليزي: "هل أنت مصري؟" فأجاب: “لا.. أنا من نيجيريا، لكن مصر علمت إفريقيا والعالم”.
المشهد الذي لن أنساه أن الجميع صفقوا له بحرارة، بينما كنت أنا أسأل نفسي: كيف يعرف رجل نيجيري تاريخ مصر أكثر مما أعرفه أنا؟
عدتُ يومها إلى المنزل، وبدأت أقرأ كل ما يقع تحت يدي عن الحضارة المصرية، ومنذ تلك اللحظة أصبحت القراءة في التاريخ جزءًا أساسيًا من حياتي.

ريشة ماعت

- هل كانت هناك مواقف أخرى زادت شغفك بالتاريخ؟
* نعم، أتذكر أنني كنت أحضر جلسة في مجلس العموم البريطاني، وأثناء المناقشات قال رئيس المجلس عن أحد الطلبات إنه لن يُقبل “لمجرد أنه يضع ريشة على رأسه”.
استوقفتني العبارة لأنها تشبه المثل المصري: “فاكر نفسه على راسه ريشة”.
وعندما سألت زميلًا إنجليزيًا عن أصلها، أخبرني أن المقصود بها ريشة ماعت، رمز العدالة في مصر القديمة، التي كانت توضع على تيجان الملوك والقضاة، وأن اختيار ريشة النعامة جاء لأنها متساوية الجانبين، فأصبحت رمزًا للعدل.
وقتها ازددت اقتناعًا بأن العالم يعرف عن حضارتنا أكثر مما نعرف نحن، وأن علينا إعادة اكتشاف تاريخنا.


- كيف تحولت من القراءة إلى الكتابة عن الحضارة المصرية، وهل واجهت انتقادات حينها بشأن كونك طبيبا تتحدث عن التاريخ؟

* على العكس تمامًا.. في البداية لقيت تشجيعًا كبيرًا، ولم أتعرض لأي هجوم، الانتقادات ظهرت في السنوات الأخيرة، بعد أن بدأت أطرح قضايا مختلفة أثارت الجدل، والبداية جاءت بالمصادفة، أثناء عملي في مستشفى الساحل استقبلت مريضًا يعاني آلامًا شديدة، وبعد الفحوصات اكتشفنا وجود مقص جراحي داخل بطنه منذ عشر سنوات.
أجريت له الجراحة واستخرجت المقص، ونشرت جريدة الأهرام تحقيقًا عن الواقعة، وبعدها دعاني الكاتب الكبير الراحل عبد الوهاب مطاوع للانضمام إلى جمعية أصدقاء بريد الأهرام، ثم قال لي: "لماذا لا تكتب؟"
كتبت أول مقال بعنوان "مصر التي لا تعرفونها"، وتناولت فيه حقائق عن الحضارة المصرية القديمة، ولاقي المقال صدى واسعًا، ثم تلقيتُ اتصالًا من الكاتب محمد عبد المنعم، رئيس تحرير مجلة روز اليوسف آنذاك، وخصص لي صفحة أسبوعية أكتب فيها عن الحضارة المصرية.


- هل أفادتك دراسة الطب في البحث التاريخي؟
* بالتأكيد، الطب علمني أن أي معلومة لا قيمة لها إذا لم تكن موثقة بدليل أو مرجع واضح، ولذلك أتعامل مع التاريخ بالطريقة نفسها، لا أطرح معلومة لمجرد أنها متداولة، وإنما أبحث عن مصدرها وأراجع ما كُتب عنها، وأدعو كل من يقرأ لي إلى مراجعة المصادر بنفسه، لا أن يصدقني لمجرد أنني قلتها.
وأحيانًا أستشهد بمراجع علمية أو تاريخية قد لا تكون معروفة للكثيرين، لأنني أؤمن بأن الحوار العلمي يجب أن يقوم على الدليل، لا على الانطباعات أو المسلمات.

 الرصد والتصوير تحت سطح الأرض

- يصفك كثيرون بأنك صاحب أفكار غير تقليدية، بل ويتهمك البعض بإثارة الجدل عمدًا.. ما ردك؟
* لا أتعمد إثارة الجدل إطلاقًا، لكنني أرى أن البحث العلمي لا يتوقف عند ما تعلمناه قبل عشرات السنين، العالم كله يناقش فرضيات جديدة حول الحضارة المصرية، فلماذا نرفض حتى مجرد مناقشتها؟
هناك اليوم دراسات وتقنيات حديثة في الرصد والتصوير تحت سطح الأرض، دفعت بعض الباحثين إلى طرح تصورات مختلفة بشأن وظيفة الأهرامات، فمنهم من يرى أنها لم تكن مجرد مقابر، وإنما ربما كان لها استخدامات أخرى، منها أنها كانت محطات لتوليد الطاقة.
أنا لا أقدم هذه الفرضيات باعتبارها حقائق نهائية، ولا أطالب الناس بتصديقها، وإنما أقول إن من حقنا أن نناقشها علميًا، وأن ننتظر ما ستسفر عنه الأبحاث المستقبلية.


- خلال إحدى المناظرات، انتشر أنك ترى أن الفضائيين هم من بنوا الأهرامات.. ما حقيقة ذلك؟
* هذا الكلام غير صحيح على الإطلاق، ولم أقل يومًا إن كائنات فضائية بنت الأهرامات.
أنا مؤمن بقدرة المصريين القدماء على تشييد هذه المعجزة بما امتلكوه من علوم ومعارف، لكن البعض يقتطع جزءًا من حديثي عندما أستعرض نظريات أو فرضيات متداولة في العالم، ثم ينسبها إليّ وكأنها رأيي الشخصي.
هناك فرق بين أعرض نظرية موجودة للنقاش، وبين أن أتبناها، وهذا ما حدث في أكثر من مناسبة.

المسلمات التاريخية

- وهل ترى أن كثيرًا من المسلمات التاريخية تحتاج إلى إعادة مراجعة؟
* نعم، لأن التاريخ ليس علمًا جامدًا، بل علم يتطور مع تطور وسائل البحث والاكتشاف، فإذا ظهرت أدلة جديدة تستحق الدراسة، فمن الطبيعي أن نعيد النظر في بعض الأفكار، وهذا لا يعني هدم التاريخ، وإنما يعني احترام المنهج العلمي.
وأؤمن بما قاله الإمام الشافعي: "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب." لذلك يجب أن يكون الحوار قائمًا على الأدلة، لا على رفض أي رأي لمجرد أنه مختلف.


- من القضايا التي تثيرها باستمرار قضية التوحيد في مصر القديمة.. كيف تنظر إليها؟
* أرى أن من أكثر القضايا التي ظلمها التاريخ قضية التوحيد في مصر القديمة، فبحسب قراءتي للمصادر والنصوص المصرية القديمة، عرف المصريون فكرة الإله الواحد قبل عصور طويلة، وهناك نصوص هيروغليفية تتحدث عن إله واحد بعبارات مثل: "واحد أحد ليس له ثاني" و"أنا الإله الواحد الأحد، أوجدت نفسي بنفسي، وليس كمثلي أحد"، واستند في هذا الرأي إلى عدد من الدراسات، من بينها أعمال الباحث الدكتور نديم السيار، الذي قضى سنوات في دراسة النصوص المصرية القديمة، وانتهى إلى أن المصريين القدماء كانوا من أوائل من عرفوا التوحيد، وأن كثيرًا مما تُرجم على أنه تعدد للآلهة يحتاج إلى إعادة مراجعة، فما أقوله هو أنني أرى، استنادًا إلى قراءتي لبعض النصوص والدراسات، أن فكرة الإله الواحد كانت معروفة في مصر القديمة منذ عصور مبكرة، وأن هذه الرؤية تناولها عدد من المفكرين والباحثين، مثل عباس محمود العقاد وثروت عكاشة وغيرهما، وأنا أطرح هذا الرأي باعتباره اجتهادًا بحثيًا قابلًا للنقاش.
وأرى أيضًا أن هناك تأثيرًا للحضارة المصرية في عدد من النصوص الدينية والتاريخية القديمة، وهي قضايا ناقشها عدد من الباحثين الغربيين، وأعتقد أنها ما زالت تحتاج إلى مزيد من البحث العلمي بعيدًا عن التعصب أو رفض أي اجتهاد جديد.
- كيف تريد من الناس أن يتعاملوا مع أفكارك؟
* لا أطلب من أحد أن يصدقني لمجرد أنني قلت شيئًا، بل أطلب أن يقرأ، ويبحث، ويراجع المصادر بنفسه، فالبحث العلمي لا يقوم على الأشخاص، وإنما يقوم على الدليل، وإذا ظهر دليل أقوى من الذي أستند إليه فسأكون أول من يراجعه، لأن الهدف في النهاية هو الوصول إلى الحقيقة، وليس الانتصار لرأي شخصي.

الخلاف مع زاهي حواس

- شهدت الفترة الأخيرة خلافًا علنيًا بينك وبين الدكتور زاهي حواس.. كيف بدأت الأزمة؟
* أريد أولًا أن أوضح أن العلاقة بيني وبين الدكتور زاهي حواس كانت قائمة على الاحترام لسنوات طويلة، ولم يكن الخلاف شخصيًا، وإنما كان حول بعض القضايا المتعلقة بالحضارة المصرية، وكانت البداية مع أوبرا "توت عنخ آمون" التي كتب قصتها الدكتور زاهي حواس، رأيت أن العمل تضمن أحداثًا لا تتوافق، من وجهة نظري، مع ما استقرت عليه المصادر التاريخية، ومنها تصوير الملكة نفرتيتي، وكأنها تآمرت على قتل توت عنخ آمون، وهو ما لا أراه مدعومًا بالأدلة التاريخية.
كما اعترضت على تقديم شخصية "كيا" باعتبارها امرأة عبرانية ووالدة توت عنخ آمون، لأنني أرى أن هذا الطرح يفتح الباب لتفسيرات لا تستند إلى أدلة كافية، ولذلك كتبت عددًا من المقالات التي أوضحت فيها وجهة نظري، ومن هنا بدأ الخلاف.


- ولماذا اعترضت على الدعوات التي طالبت بدفن المومياوات؟
* لأنني أرى أن هذه المومياوات ليست مجرد رفات، وإنما جزء أصيل من تاريخ مصر وتراثها الإنساني. وأتذكر أنني تحدثت مع الدكتور زاهي حواس وقتها وقلت له: "إزاي ندفن تاريخ بلدنا؟"، فالمومياوات تمثل جزءًا من ذاكرة الحضارة المصرية، والحفاظ عليها مسؤولية علمية وتاريخية، ولا ينبغي التفريط فيها.
قد تختلف وجهات النظر حول هذه القضية، لكن هذا كان موقفي وما زلت أتمسك به.

 قضية تمثال "سخم كا"

- انتقدت طريقة التعامل مع قضية تمثال "سخم كا".. لماذا تمثل هذه القضية أهمية بالنسبة لك؟
* لأنني كنت أرى أن تمثال "سخم كا" جزء من التراث المصري، وأنه كان ينبغي بذل كل الجهود القانونية الممكنة لمنع بيعه، وهذا هو سبب خلافي أيضا مع الدكتور ممدوح الدماطي، الذي كان حينها وزيرا للآثار، ووقتها كتبت أكثر من مقال، وشاركت مع عدد من المهتمين بالآثار في المطالبة بالتحرك للحفاظ على التمثال، انطلاقًا من قناعتي بأن الآثار ليست مجرد مقتنيات، وإنما جزء من هوية مصر وتاريخها.


- رغم اهتمامك بالتاريخ، ما أكثر مكان تشعر فيه بالسعادة؟
* بلا تردد... غرفة العمليات. فقد أستمتع بالقراءة والبحث والكتابة، لكن لا يوجد شعور يضاهي أن ترى مريضًا يستعيد صحته بعد عملية ناجحة.
فما زلت أتذكر دعوات أم لطفلة أجريت لها جراحة أنهت سنوات من معاناتها، كما لا أنسى كلمات أحد المرضى بعد نجاح عملية أجريتها له، عندما قال لي: "إيديك عاملة زي الهوا المكيف"، مثل هذه الكلمات تبقى مع الطبيب طوال حياته، وهي بالنسبة لي أعظم مكافأة.

حكم التاريخ

- أخيرًا.. هل تشعر أن التاريخ أنصف الدكتور وسيم السيسي؟
لا يشغلني كثيرًا كيف سيحكم التاريخ عليّ، لكن ما يسعدني حقًا أنني ساهمت، ولو بقدر بسيط، في تشجيع الناس على القراءة عن الحضارة المصرية.
أتمنى أن يعرف كل مصري قيمة حضارته، لأن العالم كله يدرك عظمة هذه الحضارة ويقدرها، بينما نحن في أحيان كثيرة لا ندرك حجم ما نملكه من تاريخ وإنجازات.
رسالتي دائمًا أن نقرأ، ونبحث، ونناقش، وألا نتوقف عن طرح الأسئلة، لأن الحضارة المصرية ما زالت تحمل كثيرًا من الأسرار، وكل اكتشاف جديد يضيف إليها صفحة جديدة من صفحات المجد.

 

نقلا عن العدد الورقي